الخميس ١٢ آب (أغسطس) ٢٠١٠
بقلم نورالدين فريش

دموع في موسم جاف

دموع لا تجف، وقلب يحترق بنار الحيرة التي سكنته وأبت أن تفارق روحه ، فأصبح يسير كسفينة في بحر هائج ، يبحث ربانها عن نقطة أمل توصله إلى بر الأمان ، بعدما نسي من شدة هيجان البحر أن يبتسم ، وهو الذي لم تفارق البسمة شفتيه يوما...

كان جسم محمد يرتعش كمن أصابته حمى الأنفلونزا ، وعينيه محمرتين كالجمر ، أما عقله فكان أشبه بحلبة ملاكمة ، تتزاحم بها التساؤلات، فيبادر كل سؤال لتوجيه ضربته القاضية لعقل محمد ، هذا الأخير ظل عاجزا عن مواجهة ضربات التساؤلات المحيرة، وعلى غير عادته توقفت حواسه عن العمل ، فلم يعد يحس سوى بألم يخنق صدره ، وكأن ساعة نهايته قد حانت...

كانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف ليلا، وهذا الوقت ليس بغريب عن محمد ، فمنذ لقائه بقمر والمسكين لم يعد يفرق بين الليل والنهار، إذ لم يعد يتحدث سوى عن محبوبته ذات العقلية الجميلة ، والإبتسامة الرقيقة التي حركت كيانه ، فأصبح أسيرا لحب قمر المتربعة على عرش قلبه ، متمنيا الموت على فراقها...

وقمر تلك الشابة ذات البشرة البيضاء ، والتي تتلون بالأحمر من شدة الخجل ، بادلته نفس الشعور كما ظن من تصرفاتها ، فبدأ يرسم أحلامه ، بعدما تلامس روحه روحها في كل لحظة ، فيتمنى أن لا تترك يده يدها إلى الأبد ، ليرسما معا قصة عشقهما ، فأقسما أن يكونا معا في السراء والضراء أوفياء لبعض ، ومن شدة حبه لها وضع خاتم زواج في أصبعه ، ووعدها أن الخاتم سيظل في يده كعربون عن إخلاصه لها...

إستمرت قصة حب أشبه بحلم أسطوري لأيام ، تمنى محمد ألا يستفيق منه ، فبدأ يحس بمسؤولية كبيرة تخنق أنفاسه ، فعليه أن يؤمن لقمر حياة سعيدة ، لكن وفجأة تتهدم الأحلام وتتساقط كالأشلاء أمام عينيه ، فمن أحبها رحلت وتركته يصارع بين قلبه الذي يرفض أن يخفق بدونها ، وعقله الحائر ، ودون أن تتحدث كثيرا لتروي ظمأ حيرته ، رحلت وتركته يتألم ويتحسر على رحيلها ، وهو الذي يرفض من نار حبها أن يستقيل ، فبدأ يبحث عن سبب يجعلها تنساه بهذه الطريقة، وحتى هذه المرة خانه عقله ولم يقدم له جوابا مقنعا...

طاردته الكوابيس ، وأصبح تائها لا يعرف طريق النور ، ففضل أن يعيش بين الظلام ، بعدما كان لا يخشى علو الجبال ، فضل أن يعيش وفي قلبه غصة قاتلة ، تحرمه من العيش بسلام ، فلم يجد مفرا سوى الإستسلام لنار الحيرة إلى أجل مجهول...

كان محمد الحائر يتألم ، فيلعن الزمن الذي لا يحلو له الرقص إلا على أشجانه ، فيسير في طريقه في الحي عله يجد جوابا لحيرته ، قد يجد الجواب عند أحد أصدقائه أو قد يجده مكتوبا على أحد الجدران ، أو قد يجده...

نفس الوجه الكئيب يسير كل مساء ، تائها لا يعرف وجهته ، والجراح في قلبه كمرض مزمن يرفض أن يغادر قلبه ، لكن محمد بشدة إيمانه ، ومع كل صرخة ألم يقول :
- الحمد لله ، هو الذي يعطي ، وهو الذي يأخد ...

وفي مساء أحد الأيام يلتقي محمد صديقه خالد ، هذا الأخير دهش عند رؤيته لوجه صديقه ، الذي يبدو أن الأرق أخذ مأخذه منه ، والإصفرار يطغو على ملامحه ، فسلم عليه وأخذا في تبادل الحديث...

سأل خالد صديقه محمد:
- ما بك يا صديقي؟
- فأجابه محمد : لاشيء

لكن خالد كان يعي تمام الوعي ، أن هناك مشكلة تقهر صديقه ، الذي يعد بالنسبة له ككتاب مفتوح ، فهو يعرف كل أسراره ، وكعادته وبإبتسامته الدائمة يقول لمحمد : *أ هو حب قمر يا قمر؟ ما الذي حصل ؟ فأنت تحبها وهي تحبك.

فيجيبه محمد خارجا عن صمته :
- لا أظن أنها تحبني وإلا ما كانت لترحل ، وتتركني أسيرا للحيرة ، حتى أنها لم تحمل نفسها عناء الإتصال بي.
- خالد: نعم كنت أقول لك دائما ليس هناك أي فتاة تستحق الثقة.
- محمد: لكنني أحبها بكل جوارحي .
- خالد : عن أي حب تتحدث لو كانت تحبك لَتحدت العالم من أجلك ، حتى عائلتها لن تكون قادرة على إيقافها، لو أحبتك هل كانت ستتهرب منك بهذه الطريقة ، على الأقل كانت ستصارحك بكل ما وقع ، لو أحبتك ما كانت لتتركك تتعذب ، عليك أن تنسى قمر.
- محمد : لا أقدر على نسيانها فهي تعيش في قلبي و روحي ، بل تعيش بين ضلوعي ، إنها تعيش بين أنفاسي...
- خالد : أرجوك يا محمد هناك الكثيرات يتمنين كلمة منك ، فاختر واحدة منهن ، لتكون شريكة حياتك.
- محمد : لا أريد سوى قمر ، أنا أحبها ولا يمكنني أن أخونها...

استمر الحديث بين خالد ومحمد ، وكان صدر هذا الأخير يغلي على نار حارقة ، أما قلبه فكان يعزف سمفونية ألم عجز موزار وبتهوفن ، عن صنع مثيل لها ، سمفونية تمزج بين حيرة عقل لا يجيد سوى طرح أسئلة بلا أجوبة ، وقلب مجروح ينتظر مخلصته من العذاب ، فقرر أن يعيش وفيا لقمر التي أحب أول مرة ، راجيا من الله أن يجد في أحد الأيام جوابا لأسئلته ، وكانت الدموع تهطل من عينيه بغزارة رغم أن الموسم موسم جاف...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى