ربيعُ المولدِ..
عبد العزيز شبِّين
| قُلْتُ: اسْتَضاءَ فَرَفَّ ثَمَّ نَهَارُ | وَعَلَى يَدَيْهِ تَبَجَّسَتْ أَنْهَارُ. |
| يا مَوْلِدًا عَجَزَتْ عَلَى أوْصَافِهِ | مَهْما تَعالتْ هَذِهِ الأَشْعارُ. |
| لاَ يَحْتَويكَ المَدْحُ حَتَّى لَوْ جَرَتْ | مِنْ كُلِّ ثَغْرٍ أَنْهُرٌ وَبِحارُ. |
| ما كانَ عَيْبًا صَمْتُ أَلْسِنَةٍ شَدَتْ | بِرَبيعِهِ، فَسُكوتُها اسْتِعْبارُ. |
| وَذُهُولُها لَمْ تُخْفِهِ عَبْرَ الشِّفا | هِ فَحَيْثُ لاَ لُغَةٌ وَلاَ اسْتِخْبارُ. |
| أُلْهِمْتُ فيهِ أَحْرُفًا قُدُسِيَّةً | غَنَّتْ بِبَوْحِ هَديلِها الأَقْدارُ. |
| زَيْتونَةٌ وُلِدَ الزَّمانُ بِها عَشيـ | ـبًا فانْتَشَتْ بِزُيوتِها الأَعْمارُ. |
| اللَّمْحُ مِنْ طَهَ بِوادي الفَتْحِ شَعَّ | بَريقُهُ رُحْمى ولاَحَ مَنَارُ. |
| ياذِرْوَةَ الطَّوْدِ الأَثيلِ كَرامَةً | ذي قَيْسُ عِنْدَ سُفُوحِهِ وَنِزارُ. |
| أَيُّ الكَواكِبِ تَسْتَمِدُّ سِراجَها | مِنْهُ فَتَقْبَسَ فَجْرَها الأبْصارُ؟. |
| إِخْضَلَّ رَمْلٌ مِنْ نَداهُ حَدائِقًا | وَتَفَجَّرَتْ بِيَمِينِهِ الأَحْجَارُ. |
| لِمَنِ الطَّهارَةُ بُرْدَها فَرَشَتْ فَطا | بَ بِقُدْسِها في الطَّاهرينَ دِثارُ؟. |
| لَوْحٌ منَ الأفْقِ الخَصيبِ تُذيعُهُ | في العالَمينَ العِتْرَةُ الأَطهارُ. |
| تَنْدَى خَضِيلاَتُ الحُروفِ بِثَغْرِهِ | وَيُبَلُّ بالبَرَدِ الكَريمِ أُوَارُ. |
| مِنْ وَحْيِهِ شَجَرُ الكَلاَمِ يَزيدُني | أَلَقًا، تَبوحُ بِسِرِّهِ الأَنْظارُ. |
| الوافِدونَ على مَعَارِجِ بَدْرِهِ | بِيضُ الوُجوهِ مَلاَئِكٌ أَنْصارُ. |
| الوَارِدُونَ زُلاَلَهُ لَمْ يُصْدِرُوا | وَالظَّامِئُونَ إلى المَعِينِ كُثَارُ. |
| الحَالِمُونَ بِطيبِ وِرْدِكَ في الظَّما | ذي أَكْؤُسٌ مِنْ رافِدَيْكَ تُدَارُ. |
| الطَّائِفُونَ بِشَهْدِهِ لَمْ يَنْتَهُوا | وَيَظَلُّ شَوْقٌ مِنْهُمُ يَشْتَارُ. |
| العازِفُونَ نَشيجَهُ تَغْريبَةً | رَقَصَتْ لِشَدْوِ خُشوعِهِ الأَوْتارُ. |
| السَّالِكُونَ دُروبَهُ لَمْ يَبْلُغُوا | حَيْثُ ابْتَدَا، والمُهْلِكَاتُ حِظَارُ. |
| القَاطِفونَ الفَوْزَ مِنْ مِحْرابِهِ | فَإلَيْهِ دُونَ الفائِزينَ يُشارُ. |
| الرَّاحِلونَ إلى حِماهُ اسْتَيْقَنُوا | فَلَقَدْ يَطيبُ مَعَ اليَقينِ جِوارُ. |
| هَاجَرْتُ حَتَّى أَسْتَظِلَّ بِسِلْمِهِ | فَعَلَى امْتِدادِ الهَجْرِ جُنَّ دَمَارُ. |
| وَاسْتَوْحَشَتْ بالآهِلينَ مَنازلٌ | مِنْها خَلاَ بَعْدَ القَطينِ عَقَارُ. |
| لَمْ يَنْمُ نَيْسانُ الحَنينِ بِجَدْبِها | أَوْ تَحْكِها الآمالُ فَهْيَ قِصَارُ. |
| يُمْناكَ أَخْرِجْها صَباحًا مُمْطِرًا | يُغْسَلْ بِهِ لَيْلُ الوَرى وغُبار .ُ |
| في جَيْبِ هذا الكَهْفِ أَدْخِلْ أَنْجُمًا | مِنْها مَساءُ الآفِلينَ يَغَار .ُ |
| يا أرْضُ، مَنْسِيُّونَ نَحْنُ فَهَلْ يَعُو | دُ إِلَيْكِ عُمْرُ النَّايِ وَهْوَ نُثارُ؟. |
| في مَهْمَهٍ بي لَجَّ وَهْمٌ عاصِفٌ | يَذْرو احْتِراقاتِ الرُّؤى مَوَّارُ. |
| أَنَا في صَريمِ الصَّمْتِ لَمْ أَعْرِفْ إلى | مُدُني دُروبًا، والمَدَى أَسْتارُ. |
| كُلُّ الدُّمى كِبْرًا تَعَمْلَقَ ظِلُّها | والشَّامِخُونَ مِنَ الهَوانِ صِغَارُ. |
| مابينَ كَوكبتي ولَيلي أَزْمُنٌ | وَخُطى عَلَى مَدِّ الخَوَاءِ بَوارُ. |
| ياطينُ وَشَّحَكَ العَبيرُ بِرَوْحِهِ | وَكَساكَ مِنْ شَأْوِ الكِساءِ وَقَارُ. |
| ما أَطْيَبَ الأَرْضَ التي عَطَّرْتَهَا | وَ الباقِياتُ مِنَ الخَلاَصِ نُضَارُ. |
| يَا حُلَّةً شَرُفَ الجَمالُ بِدُرِّها | أَنَا غَيْرَ رُوحِ اللهِ لاَ أَخْتَارُ. |
| أَفَيَسْتَخِفُّ بِكُلِّ دَوْحٍ بَلْقَعٌ | وَيَسومُ طُهْرَ الخالِدينَ شَنَارُ؟. |
| والكَوْثَرانِ يُرَوِّيانِ غَليلَهُ | وَيُدَثِّرانِ العُرْيَ وَهْوَ قِفَارُ!. |
| مازِلْتُ أَبْحَثُ في بَواطِنِ حِقْدِهِ | مِلْءُ الصُّدُورِ كَما اللَّهيبِ الثَّارُ. |
| وَخِضَابُ أَسئِلَتي كَأَسْدافِ الرُّؤى | يَذْروهُ مِنْ شَفَةِ الجَوابِ شَرارُ. |
| مالَوْنُ تَرْبٍ أُرْغِمَتْ ذُلاًّ على | عَرَصَاتِهِ الأفْلاكُ والأقْمارُ؟. |
| يا رَوْضَةً بالعَبْرَةِ الظمأى التَظَتْ | لَمْ تَسْقِ حَرَّ هَجيرِها الأمْطارُ. |
| بَوْحي على مَدِّ المَسافَةِ أَبْحُرٌ | وَهَديرُ حُزْنٍ لُجُّهُ زَخَّارُ. |
| أَشْجانِيَ الجُرْحُ العَتيقُ بِخاطري | لَمْ أَنْسَهُ وَأَنينُهُ اسْتِذْكَارُ. |
| مِيلادُ أَلْفِ نَشيدَةٍ رَتَّلْتُها | لَمْ يَمْحُ آَيَةَ طِرْسِهِ الإعْصارُ |
| آَياتُ تاجِ بَهائِهِ دَبَّجْتُها | فَتَزَخْرَفَتْ بِدِماجِهِ الأَسْفارُ. |
| الصُّبْحُ تُشْرِقُهُ بَشائِرُ ذِكْرِهِ | وَإلى الشُّروقِ تَسوقُنَا الأَذْكارُ. |
| بالنُّورِ كانَ البَدْءُ بَذْرَ خَليقَةٍ | ضَاعَتْ بِمِسْكِ نُشوئها الأَنْوارُ. |
| هذا النَّبِيُّ السَّمْحُ إِذْ يَمْشي كِتا | بٌ طافِحٌ بِأَريجِهِ مِعْطارُ. |
| أَنْفاسُهُ تَذْكو بمِسْكِ الخُلْدِ في | أَنْفاسِنا، وَالحُبُّ فِيهِ إِسَارُ |
| وَأَكُفُّهُ تَنْسابُ صَفْوَ شَريعَةٍ | تَجْري فَلاَ ظَمَأٌ وَلاَ أَكْدَارُ. |
| وَسَعَى الوُجودُ إليْهِ، لَمْ يَحْفَلْ بِهِ | وَالكُلُّ نَحْوَ سَرابِهِ جَرَّارُ. |
| فالخَطْوُ خَلْفَ نَسيمهِ عَطِرٌ، أَما | مَ شُموخِهِ بالعِزَّةِ اسْتِنْكارُ. |
| الزَّهْرَةُ الخَضْراءُ مُدَّ جَناحُها | وَتَظَلَّلَتْ بِظِلاَلِهِ الأَطْيارُ. |
| دَوِّنْ حُبورَكَ في أَزاهِرِ غِبْطَةٍ | لَمْ يَهْوَ غَيْرَ طُيوبِكَ الأَحْرارُ. |
| فَأَنا الغَريبُ أَراكَ حُرًّا في الوَرَى | تَقْفو رِكابَكَ هذِهِ الأَعْصارُ. |
| لَمْ يَبْلَ حُبُّكَ والسُّنُونُ دَوارِسٌ | وَعَلى قَشيبِ هَوًى يَجِدُّ عِصَارُ. |
| أَحْبَبْتُ طَيْفَكَ مِنْ حَسيسِ خَواطِري | وَبِغَيْرِهِ لاَ تَصْدُقُ الأَخْبارُ. |
| وَمَشَيْتُ نَحْوَكَ والهِباتُ عَلى يَدي | قَبْلَ التَّحِيَّةِ دِيمَةٌ مِدْرارُ. |
| لَمَّا انْجَلى بِكَ كُلُّ لَيْلٍ فُلِّقَتْ | بِعُيُونِ صَحْوِكَ هَذِهِ الأَسْحارُ. |
| هُوجُ اللَّيالي اليابِساتِ مَقابِرٌ | بِفَتائِلٍ مِنْ مُقْلَتَيْكَ تُنَارُ. |
| في راحَتَيْكَ سَنابِلٌ لَمْ تَنْمُ لَوْ | لاَ اللُّطْفُ، والكَلِماتُ مِنْكَ غِزارُ. |
| سَيَّارَةُ الخُلُقِ العَلِيِّ تَطُوفُ بالـ | ـدُّنْيَا وَأَنْتَ عَقيدُها السَّيَّارُ. |
| يَحْدو سَناهُ المُدْلِجينَ مَعَ السُّرَى | والسَّيْرُ في ظِلِّ الفَخَارِ فَخَارُ. |
