الاثنين ٩ آذار (مارس) ٢٠٢٠
بقلم حياة محمود

رحلة إلى عالم الخيال

قصة قصيرة


في عالم الجَمال و الخَيال، وفي دنيا تلمع فيها الأشياء و تكون القلوبُ بأحسنِ حَال، هُناك حَيث تُغمض عينيك فلا ترى السواد، ولكنك ترى النور المتعدد الألوان، و ما أن تفتح عينيك مجدداً ترى النور نفسه لكنه ينتشر في كل مكان، يدور حولك،يقترب منك، يُعانق رُوحَك بكل معاني الحبِ والحَنان،هناك حيث ترى القلوب المضيئة، و الأصوات الرنانة، حيث تفوح رائحة تُذهِب ُ العقل و القلب معاً، رائحة لا تشبه أي شيء، كأنها مزيج من سماء زرقاء صافية خالية من الغيوم و أرض خضراء مليئة بالورود الملونة، أو كأنها لمعان الفراشات فوق نهر ماءٍ شديد العُذوبة، هناك حيث الألوان اللامعة و الأشياء الجميلة فقط دخلت رَحِيق. رَحِيق هي الفتاة الصغيرة الحالمة الهاربة من واقعها إلى عالم الخيال،بلحظةٍ ما، وبشكلٍ ما دخلت من بابٍ لا يشبه الأبواب التي نَعرفها، باب يشبه سماء الليل المليئة بالنجوم التي نحاول معانقتها و الإختفاء خَلفها، أو باب من الغيوم التي تغطي القمر في سماءٍ تبدو كأنها لوحة يعجز الجميعُ عن رسمها، وبينما رحيق في مدخل عالم الخيال نظرت على يمينها فرأت فتاة ذات شَعرحريري طويل لونه أسود لامع ينساب شعرها خلفها على الأرض ويلامس جدول الماء دون أن يَبتل فيه، بل يطفو فوقه كأنه حبال بلاستيكة سوداء،وترتدي ثوب فضي لامع ينسدل بغزارة كأنه مجموعة من الأشعة تنبعث من نقطة واحدة.و بينما رحيق في ذهول مما تراه قاطع ذهولها صوت عذب: أهلاً بك في عالم الخيال يا جميلة، رفعت رأسها باتجاه الصوت فرأت هدهد، و بدهشة كبيرة قالت له: هل تتكلم؟، و مالَبِثت أن أكملت سؤالها حتى طار الهُدهُد واختفى بين أشجار أوراقها كبيرة ذهبية،تقدمت رحيق نحو الأشجار الذهبية لترى أين ذهب الهدهد،و بينما هي تقترب خرج لها صبيٌ صغير و قال لها: رافقيني من فضلك،رحيق بذهول:من أين خرجت أنت؟، الصبي الصغير ينظر بملامحه الغامضة: سنسير بهذا الاتجاه اتبعيني فقط، مشت رحيق خلفه بهدوء ثم قالت له: هل يعيش الأطفال في عالم الخيال حياة جميلة؟،لم يُجب على سؤالها، فقالت له: حسناً هل يعانون من الظلم،والفقر،والاِختطاف، والحرمان،و التشريد كما هو في عالم الواقع؟، لم يُجب مجدداً، حتى وصلا إلى قصر زجاجي كبير تكاد لا تراه لولا أن الصبي الصغير فتح بابه أمامها و قال لها:تفضلي بالدخول.دخلت رحيق القصر الزجاجي و هي شاخصة البصر من جمال المنظر،رائحة تشبه رائحة الورد الجوري تملأ المكان،أرضية كأنها من حرير،وأصوات عذبة كأنها ألحان موسيقى لأطفالٍ يضحكون بسعادة بالغة، الصبي الصغير:انتظري هنا،و بينما رحيق تنتظر جلست على مقعد لا يشبه المقاعد التي نعرفها كأنه أرجوحة من غيوم السماء القطنية، و ما أن جلست حتى راح قلبها الطفولي الجميل يرفرف في عالم الخيال، كأنه عصفور أُطلِق سراحه مجدداً،وبينما قلبها يحلق في عالم الخيال قطع صوتٌ مخيف سعادتها و هو يقول:ماذا تفعلين حتى الآن أيتها الطفلة اللعينة،هيا..هيا إلى العمل.

فتحت رحيق عينيها،إنه ذلك المكان المظلم،الجدران الباردة،الأرضية الخشنة التي اعتاد جسدها الصغير النوم عليها،الرائحة الكريهة التي هي مزيج من الرطوبة و الأشياء الفاسدة،وضعت يديها الصغيرتين على عينيها وقالت: أرجوك عُدْ يا عالم الخيال..أرجوك لم أكمل رحلتي بَعد،لا أريد عالم الواقع،لا أريد أن أسمع هذا الصوت...لا أريد.

هذا الصوت هو صوت زوجة والد رحيق،رحيق في عالم الواقع تعيش مع زوجة أبيها المتوفي، و التي تُجبرها على الخروج يومياً للتسول في الشارع و عند عودتها تأخذ منها المال فوراً،فتذهب رحيق و تُلقي بجسدها الصغير في ذلك المكان البارد المليء بالتعاسة والسواد، و تُغمض عينيها،ثمَّ تبدأ رحلاتها في عالم الخيال.تذهب رحيق كل يوم في رحلة إلى عالم الخيال لكن الصوت يسحبها مُجدداً ٌإلى عالم الواقع،وينهي أحلامها،لا تخشى رحيق شيء سوى أن يَسرق هذا الصوت منها عالم الخيال كما يَسرق منها طفولتها.

هناك على أحد جدران غرفتها المُظلمة من قسوة ِالحياة تَكتب رحيق بخطها الطفولي المُتعرج:"لي في الخيال حياة".

قصة قصيرة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى