الأربعاء ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

سليم حانا صاحب الأداء العفوي

ممثل سوري مختلف من أبرز نجوم الكوميديا في التلفزيون والمسرح السوري وصاحب تجربة متقدمة وسابقة لعصرها في الكتابة المسرحية ويعد من أوائل مؤسسي نقابة الفنانين السوريين ومن أوائل أعضائها، كما تألق في العديد من المسلسلات والمسرحيات أهمها دوره في مسلسل مقالب غوار، وكان له دور بارز في تأسيس المسرح في الجزيرة السورية، وهو أيضا أول من ابتكر شخصية المتلعثم الكوميدية التي قلدها الكثير من الممثلين في الوطن العربي، ولد عام 1934 في مدينة القامشلي وعشق الفن منذ طفولته، من عائلة سريانية عريقة ومعروفة واسمه الحقيقي هو سليمان داوود حانه.

نشأ ودرس في مدرسة السريان الكاثوليك، وأحبّ الفن منذ نعومة أظفاره مع رفاقه في المسرحيات المدرسية وغيرها ، وكانت بوادر النبوغ واضحة بدأت تتفتح وتتفجّر في قريحته ، وبذلك تطوّر من ممثل الى مؤلف ومخرج في مسارح مدينة القامشلي منذ عام 1949 واستمر في نشاطه المسرحي والتأليف والطبع، وبهذا بدأ الفنان سليم يشتهر و يتأجج ويذوق طعم النجاح الذي كان ينتظره.

كانت البداية في المسرح المدرسي في مدينة القامشلي، ثم كانت الخطوة التالية بتركه الدراسة والتفرغ للفن، فشكَّل أكثر من فرقة مسرحية حتى استقر في جمعية أنصار المسرح، حيث قدم عدداً من المسرحيات الجادة بعكس طبيعة الأعمال الكوميدية التي اشتُهِر بها لاسيما تقديمه مع عدد من رفاقه من هواة التمثيل، أعمالاً بسيطة في الطرح شكلت اللبنة الأولى للفن المسرحي السوري وبشكل خاص في مدينة القامشلي، وأعطى نهجاً مختلفاً في الأدوار الكوميدية وتميز فيها بالعفوية والبساطة، إلى جانب قوة الأداء في الأدوار التراجيدية.

في عام 1954 حيث قدمته رابطة الثقافة الفكرية بذلك الوقت والذي كان أحد أعضائها العاملين. قام بتقديم مسرحية " سفاك الدماء " وهي مسرحية اجتماعية من أربعة فصول، وقام بتمثيلها مع أعضاء الرابطة، وهي المسرحية الاولى المطبوعة من تأليفه وإخراجه وتمثيله. بعدها مثلت في الحسكة ودير الزور وحلب، حيث كان يوزع كراس يضم نصوص المسرحيات مع العروض في أغلب الأحيان.

ومن المسرحيات الهامة أيضا "الخبز الأسود" عام 1956 . حيث قدمها نادي الأزبكية عام 1960 بعد أن غيّر عنوانها وجعلها بعنوان "ضحايا المجتمع. إضافة إلى عدة مسرحيات أخرى أبزرها "رجالات الجزيرة"، و "على الدروب دماء" كان مضمون المسرحيات اجتماعية وفكاهية تارة وقومية وثورية تارة أخرى.

شمل سليم حانا الفن بكل جوانبه حيث أنه لم يقتصر على الكتابة والتأليف والتمثيل والإخراج بل الرقص أيضا حيث حاز على عدة جوائز وألقاب، من أبرزها الجائزة الاولى عام 1958 ولُقّب "بملك الروك اندرول" في سوريا.

كان الفنان سليم حانا يكتب بنفسه جميع المسرحيات التي يقدمها، ويقوم بإخراجها وتمثيل دور البطولة فيها، وكانت مسرحيات درامية ذات مضمون اجتماعي وحبكة مسرحية جيدة في الأسلوب والحوار وتقاطع المشاهد، إذ كانت لديه نظرة مبكرة للخروج على تقاليد المسرح الكلاسيكي، وعندما أصبح اسمه معروفاً، وأصبح له جمهور متابع لأعماله، أصبح الجو الفني في محيطه الضيق متعِباً فسعى إلى دمشق، وعندما وصلها طرق باب المسرح القومي بصفته ممثلاً كوميدياً لاعتقاده أن هذا هو الباب الصحيح لاقتحام عالم الفن الدرامي في العاصمة، ومن أهم الأعمال التي شارك فيها في المسرح القومي: "البورجوازي النبيل -المفتش العام-مدرسة الفضائح -الإخوة كارامازوف -دون جوان- التنّين- صابر أفندي-الغرباء- سهرة مع أبي خليل القباني- زواج على ورقة طلاق- موت بائع جوال- كانون الثاني"، بالإضافة إلى العديد من المسرحيات الأخرى.

وفي محاولته لإيجاد شخصية كوميدية خاصة به تقمص شخصية الرجل المتلعثم بالكلام أو المتأتىء التي لم يستطع التخلص منها فيما بعد، حيث يقول عن هذا الموضوع في أحد حواراته الصحفية: "جاءت التأتأة مصادفة، ولستُ ملزماً بتقديم أدوار التأتأة، لأن الفنان الأصيل يغير وينوع"، لكن هذا التنويع الذي سعى إليه حانا لم يكن سهل المنال، إذ أبى مخرجونا أن ينظروا إليه إلا من خلال هذه الشخصية الذي كان بمثابة جواز سفر الشهرة بالنسبة له في سنوات عمله الأولى، لكنه ما لبث أن تحوّل إلى عبء ثقيل لم يمكنه الفكاك منه، ويعلِّق سليم حانا على هذه النقطة المحورية في مسيرته الفنية قائلاً: "مشكلتي الحقيقية مع المخرجين الذين يعتقدون أنني لا أصلح لغير أدوار التأتأة".

كانت للفنان سليم حانا مشاركة واسعة مع الفنانين دريد لحام ونهاد قلعي في أعمالهما الفنية، وخاصة التلفزيونية والسينمائية، ومن مشاركاته السينمائية معهما نذكر: "فندق الأحلام-النصابين الثلاثة-الصعاليك – اللص الظريف"، أما في التلفزيون فقد شاركهما بطولة مسلسلهما الشهير "مقالب غوار".

قدم بعض مسرحياته خارج الوطن منها: "محاكمة عبد السلام عارف، مسرحية سفك الدماء، يسرى والقلوب، عيد الشهداء، بور سعيد، العروس، قتلت ولدي، والملك الصغير".

يمتاز سليم إلى جانب طريقة إلقائه اللعب بعضلات وجهه ومشيته الكاريكاتورية ليخلق تلك الشخصية العفوية للإنسان البسيط الساذج ذي القدرات العقلية المحدودة، فيبتكر حالات ومواقف ومشاهد وحركات تبدو في حينها ضربا من الجنون واللامعقول لكنها كانت سابقة لعصرها من التجديد أو التغريب.

الفنـــان سليم حانا كان نموذجـــا مـــن الفنانين القلائل الذين يســـكن المســـرح مســـاحات حياتهم واهتماماتهـــم وقلوبهـــم، ويســـكن المســـرح إليهم. كان ممثــلـا يمتاز بالعفوية والبســـاطة، متوائما مع المتغيـــرات المتلاحقة فـــي عالـــم المســـرح، داعيا دائمـــا إلـــى التجديـــد وتثقيـــف الـــذات متـــى ما ســـنحت الفرصة لذلـــك، كان شـــعلة من النشـــاط والحماســـة الـــذي لم يفتـــر أبدا، وجســـرا متينا فـــي تدعيم أواصـــر التعاون المسرحي.

في الحادي والعشرين من آب عام 1986 وهو في الستينيات من عمره أصيب بمرض عضال. ورغم معاناته الطويلة مع مرض العضال الذي صارعه بإرادة قوية كتب مذكراته وخواطره المرضية والاجتماعية والفنية والأسرية متحديا الموت الذي تلعثم أمام إرادته مرارا قبل وفاة العظيم الحضـــور المولع بالطرفة حـــد الإدمان، لعل من الواجب استذكار سيرته وتعريفه للأجيال الجديدة لفنان زرع الابتسامات على شفاهنا طويلا بموهبة خصبة بالإبداع ..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى