سيميائية الفضاء المكاني في الرواية المغربية المعاصرة
عن منشورات السرديات بالدار البيضاء، صدر حديثا كتاب نقدي جديد للباحث سعيد العيماري بعنوان: "سيميائية الفضاء المكاني في الرواية المغربية المعاصرة (السردية، النسقية، آليات الاشتغال)"؛ قدم فيه دراسة لنموذجين روائيين: قمر فاس لفضيلة التهامي الوزاني، وتغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية لعبد الرحيم لحبيبي، من منظور سيميائي يستهدف تبيان السردية التي بُني عليها الفضاء المكاني، وكشف خصائصه الفنية والدلالات التي توحي إليها الاستعمالات التي يوظف بها، بالإضافة إلى رصد الأنساق التي يتشكل عبرها، وتتبع الآليات الممكن استثمارها لتبيان كيفية اشتغال المعنى من خلاله، ومن ثمة عرض التأويلات التي تفصح عنها استعمالات الفضاء المكاني في علاقته بباقي المكونات السردية، مع إبراز دوره الوظيفي وقيمته البنائية والجمالية في الخطاب الروائي.
وقد امتد الكتاب إلى أربعة فصول حاولت الإجابة عن الأسئلة الآتية:
ما أشكال تجلي سردية الفضاء المكاني؟ أي موقع للمنحى الاجتماعي والهوياتي في هذه السردية؟ ما الأنساق التي يتشكل وفقها الفضاء المكاني؟ وما علاقتها بمسارات تشكل الدلالة؟ ما الشّفرات التي يتبنين وفقها؟ كيف يشتغل الفضاء المكاني سيميائيا؟ وما الآليات الممكن توظيفها في دراسته؟
هكذا، تمحور الفصل الأول (سردية الفضاء المكاني وأشكال التجلي) حول الفضاء المكاني بوصفه بنية سردية قائمة بذاتها، وتبعا لذلك انطلق من رصد مشيرات الانتظام الفضائي للمكان، وإبراز سردية الفضاء المكاني وعلاقتها بسيرورة الحكي، عبر تتبع كيفية اشتغال الشخصية في البناء الفضائي للمتن الحكائي، وكشف اتجاهات خطوط السرد التي تنتقل من فضاء الهامش إلى فضاء المركز، بما يتيح تتبع تمظهرات المنحى الاجتماعي والهوياتي بسردياته الكبرى الثلاثة: سردية فضاء الهامش، سردية الاغتراب، سردية المدينة.
أما الفصل الثاني (نسقية الفضاء المكاني ومسارات تشكل الدلالة)، فتناول الفضاء المكاني بوصفه نسقا دالا منتجا للمعنى، اعتمد في تنظيمه على أنساق التقاطب الفضائي وإنتاجيتها الدلالية، وخاصة نسق الهوية الثقافية المستند إلى ثنائية هنا/هناك، مع تبيان دوره الوظيفي داخل كل من البرنامج السردي والخطاطة السردية والبنية العاملية التي ينتظم وفقها العمل الروائي.
وعرض الفصل الثالث (محكي الفضاء المكاني وصيغ التمظهر) سمات الاتصال والانفصال بالفضاء المكاني وما ارتبط بهما من قضايا تبلورت من خلالها مسألة وجود الذات في المكان من حيث علاقتها به أو موقفها منه أو تمثلاتها عنه، مع رصد حدود الإيهام بالواقعية في المتن الحكائي، ودور الوصف الطوبوغرافي في الانتقال بالمتلقي من العوالم التخييلية إلى المعالم الواقعية للفضاء المكاني.
وخُصص الفصل الرابع (شفرات الفضاء المكاني وآليات الاشتغال السردي) لدراسة الفضاء المكاني بوصفه بنية متعددة الشفرات (نفسية، تاريخية، دينية، ثقافية، علمية)، أسهمت في إنتاج دلالات متعددة المستويات. كما توقف أيضا عند علاقة الذات بهذا الفضاء، والآليات التي تعتمدها في إدراكه، وبالتالي تشكيل نمذجة خاصة عنه؛ تتحكم فيها مرجعيات الذات ومواقفها وعلاقاتها على امتداد المسار السردي المشيد في العمل الروائي.
