الثلاثاء ١٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٢
بقلم محمود زين العابدين

شجـرة الكبـاد

طلبه عميد الكلية لاجتماعٍ عاجل، حين وصل عرّفه على شخص يحمل ملامح شرقية وتبين له من الاسم بأنه عربي مثله بل ومن نفس جنسيته وبلده، قال له: اسمح لي أستاذي الكريم أن أتشرف بمعرفتك فقد قرأت عنك وعن بحوثك التي أجريتها هنا في أوروبة وإنه ليسعدني أن أقدم لك دعوة لبلدك الأم كي تشرفنا بزيارة وتشارك في المؤتمر الدولي الذي سنعقده قريباً..

عندها تسارعت دقّات قلبه وهو لا يدري أهي تعبير عن الشوق لدياره، أم أنها السعادة أم الخوف أم ماذا؟

وقبل أن يجيب بالرفض أو القبول قدّم له العميد مطبوعات المؤتمر، ليتعرف إلى الموضوعات والمحاور، وكما شدّه العنوان والمحاور، أحسّ بحنين إلى الوطن بعد مضي الكثير الكثير من سنوات العمر، بعد أن تحجرت المشاعر وانخرط في الجو الأكاديمي وفي البحوث والدراسات والمؤلفات...

بعد أسابيع قليلة حطت الطائرة به.. نظر من النافذة، وكان الطقس حاراً في الخارج ولكن أشياء ومعالم كثيرة قد تغيّرت، عندما غادر الطائرة فوجيء باستقبال حار ومتميز من المستضيفين وعلى رأسهم عميد الكلية.. بعد لقاء قصير في بهو الفندق قدّموا له مفتاح الجناح المخصص له، على أمل أن يأخذ قسطاً من الراحة قبل تناول العشاء خارج الفندق..
دخل غرفته الجميلة وتوجه نحو النافذة ليمتع ناظريه بجمال نسيج هذه المدينة العمراني الثري، وظل جامداً في مكانه لأكثر من ساعة، يحلق في فضاءات المدينة، ويعود إلى ذكريات بعيدة، إلى أن شعر بحاجة ماسة لأخذ قسط من الراحة.

بعد ساعات قليلة استيقظ على صوت هاتف الغرفة، نهض مسرعاً ليستعدّ إلى النزول بعد أن أبلغه العميد أنه بانتظاره في بهو الفندق، وكانت الأحاديث كثيرة ولم يشعر كيف مضت السيارة بهم حتى وجد نفسه في حيه القديم، ذلك الحي الذي نشأ وترعرع فيه.

أي مصادفة هذه؟ وقبل أن يسأل العميد عن سبب القدوم إلى هذا الحي قاطعه العميد قائلاً: أحببنا أن نتعشى معاً في مكان شرقي ونحن مدركون تماماً بأنك مشتاق للأجواء الشرقية والمأكولات المحلية، فلدينا مطعم شهير في هذا الحي، أظن أنك زرت هذا الحي من قبل؟
لم يستطع الرد وقد انتابه شعور قديم وهو يمضي في أزقة هذا الحي المتعرجة. أجل إنه الحي الذي نشأ وترعرع فيه، الزقاق نفسه، والأحجار البازلتية السوداء التي رصفت بها حارته، ولكن الغريب في الأمر بأنهم يتوجهون إلى مكان بيته القديم، وكانت الصاعقة بالنسبة إليه عندما وصل إلى باب البيت، ليقول له العميد: معذرة لطول المسير في هذه الأزقة القديمة، ولكن هذا المطعم مشهور لدينا وأحببنا أن تعطينا رأيك فيه..

تجمد في مكانه مذهولاً، وتجمدت الدموع في مقلتيه، أي مصادفة هذه تقوده إلى هذا المكان الغني بالذكريات، دخل البيت من خلال ممره الطويل ليصل إلى أرض الديار، وقد امتلأت بالكثير من الطاولات والضيوف، وضجيج الموسيقى، ورائحة الدخان تلف المكان، بعدما سقفوا أرض الديار بسقف زجاجي ليقتلوا رئة البيت كما قتلوه في هذه الزيارة..

ياإلهي كانت آخر مرة يغادر فيها هذا البيت قبل عشرين عاماً بعد أن حصل على منحة دراسية في الخارج لمتابعة دراساته العليا، وبعد أن بدأت الصراعات الطويلة والمشاحنات بين إخوته لموافقته على بيعه حصته لهم في هذا البيت الكبير، ليرسل لهم الموافقة على بيع بيت العائلة الكبيرة مع وكالة للبيع، ولتنقطع أخبارهم عنه، كما تقطعت أوصاله الآن وهو في هذا الموقف.

كانت الأحاديث التي يتناولها العميد المضيف مع دكاترة الجامعة تندمج مع الكثير من الأحاديث العامة لزوار المطعم وتنصهر في بوتقة الضجيج المصحوب بالقهقهات المزعجة، بيد أنه لم يكن مصغياً لأحد فصوت تدفق المياه من نافورة هذا المكان أعذب إليه من صوت ذلك المطرب النشاز، وتتدفق ذكريات السنين الماضية تدفق تلك النافورة الجميلة على سطح الماء، فيبدأ بالبحث في هذا البيت عن شيء يربطه بالماضي، ويذكره بالطفولة والمراهقة التي قضاها في هذا البيت، بعدما شوهوه كما شوهت الكثير من العادات والعلاقات.

وبينما هو في غربته المريرة هذه وجد الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يتحدث إليه إنه شجرة الكباد التي كان يستظل بها ولطالما كانت والدته رحمها الله ترعاها بعناية وتقطف منها الكبادات الكبيرة الصفراء لتصنع منها المربى، فتوجه إليها بعدما تحولت لأغصانٍ يابسة وزُيّنت بالإنارة الملونة مخاطباً إياها بدموعٍ حارة: (حتى أنت أيتها الشجرة المسكينة لم تسلمي من بين أيديهم فقتلوك مثلما قتلوني. . حدثيهم يا شجرة الكباد عن والدي الطيب وعن والدتي الحنون. . حدثيهم عن الحب والوداد عن الجود والكرم والصدق والأمانة..

آهٍ يا شجرتي العزيزة قتلوك مرة وقتلوني ألف مرة بعدما سحقوا تاريخي وذكرياتي..
حدثيهم يا شجره الكباد عن والدي المزاجي والعصبي وعن والدتي الطيبة والتي كانت دائماً وأبداً تحاول أن تمتص غضب أبي بلطفها وحنانها، وتحاول أن تقارب بين قلوب الجميع إلى أن سقطت متوفاة بجانبك بينما كانت تغسل صحن البيت. وتذكرين يا شجرة الكباد كم كانت أمي تدافع عني وتحميني من ألسنة إخوتي الذين كانوا يعملون مع والدي وأنا الوحيد الذي آثرت أن أدرس، ومع وفاتها أدركت بأن الحياة قد انتهت، حينها قرّرتُ الرحيل يا شجرة الكباد دون عودة، ثم أعلمني إخوتي بوفاة أبي، وكانت الاتصالات مستمرة منهم لإقناعي بالتنازل عن حصتي في هذا البيت، وهم يتخبّطون ويتخاصمون ويتناحرون، واليوم أعود لأجدك تمثلين نصباً تذكارياً لعائلتي.

لماذا عدت يا شجرة الكباد؟.. لماذا وافقت على المشاركة في هذا المؤتمر، ليتني بقيت على الذكريات التي كانت في السابق لكان خيراً لي من هذا الموقف.)

خرج مسرعاً من البيت والحارة ليبتعد عن هذا الزمان والمكان جالساً في غربته مقلباً الأوراق التي ستكون محور بحثه وخاصة وأن ورقة بحثه تحمل عنوان: (التراث العمراني وسبل المحافظة عليه)..

في اليوم التالي بدأت فعاليات المؤتمر الدولي وبحث الجميع عنه لكنه لم يكن موجوداً، ولم يقدم ورقة بحثه، ولم يسمعوا أخباره.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى