صمت النقاد وضجيج الروايات: أيُّ معنى لهذا السيل الروائي؟
يشهد الأدب المغربي المعاصر حيوية لافتة في مجال الرواية، حيث تتكاثر الإصدارات وتتعدد التجارب والأساليب، وتتشعب الموضوعات بين أسئلة الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية والهجرة. غير أن هذه الغزارة الإبداعية لا تجد صداها بالقدر نفسه في مجال النقد الروائي، مما يخلق نوعًا من الاختلال بين الإنتاج والتلقي، ويدفع إلى التساؤل حول واقع النقد ووظيفته في هذا السياق الثقافي المتغير.
يبدو واضحًا أن كثيرًا من الروايات المغربية تصدر دون أن تحظى بقراءات نقدية معمقة تواكبها وتفكك بنياتها وتضيء رهاناتها الجمالية والفكرية. وغالبًا ما تُقابل هذه الأعمال بنصوص انطباعية سريعة أو تقديمات احتفالية تفتقر إلى التحليل المنهجي الصارم. كما أن عدد النقاد المتخصصين في الرواية يظل محدودًا، في وقت يتزايد فيه عدد الروائيين والنصوص، وهو ما يوسع الفجوة بين الإبداع والنقد. ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتحول الخطاب النقدي الأكاديمي إلى خطاب مغلق لا يجد طريقه إلى القارئ العام، بينما يظل النقد الصحفي سطحيًا وموسميًا.
تتعمق هذه الأزمة أيضًا بسبب إشكالات منهجية، حيث يلاحظ تردد بين التمسك بمناهج تقليدية لم تعد قادرة على استيعاب تحولات السرد المعاصر، وبين استيراد نظريات نقدية غربية دون تكييفها مع خصوصية السياق المغربي. هذا التذبذب يحد من قدرة النقد على إنتاج أدوات تحليلية فعالة، ويجعل الكثير من القراءات تبدو منفصلة عن روح النصوص التي تحاول مقاربتها.
كما لا يمكن إغفال دور الوسائط الثقافية في هذه الأزمة، إذ تراجعت المجلات الأدبية المتخصصة، وقلّ حضور الصفحات الثقافية في الصحافة، واختفت تقريبًا البرامج الإعلامية التي تعنى بالنقد والكتاب. ورغم أن الفضاء الرقمي أتاح إمكانيات جديدة للنشر والتفاعل، فإن أغلب ما يُنشر فيه يظل أقرب إلى التعبير السريع والانطباعي، دون أن يرقى إلى مستوى التحليل النقدي العميق. في هذا السياق، يفقد النقد جزءًا كبيرًا من وظيفته كحلقة وصل بين النص والقارئ.
تنعكس هذه الوضعية أيضًا على طبيعة العلاقة بين الروائي والناقد، حيث تسود أحيانًا مشاعر الحذر أو التوجس، خاصة حين يكون النقد صارمًا. في المقابل، يميل بعض النقاد إلى المجاملة أو الصمت، وهو ما يضعف حيوية النقاش الأدبي ويحد من إمكانيات التطور والتجديد. ويؤدي هذا الوضع إلى نوع من القطيعة غير المعلنة، حيث يكتب الروائي بمعزل عن قراءة نقدية جادة، ويشتغل الناقد في دائرة ضيقة لا يتردد صداها في الفضاء الثقافي العام.
ورغم كل هذه الإكراهات، فإن هذه الوضعية تفتح أفقًا للتفكير في سبل إعادة الاعتبار للنقد الروائي، من خلال تشجيع القراءات التطبيقية المنطلقة من النصوص، والانفتاح الواعي على مقاربات متعددة، وتعزيز حضور النقد في الفضاء الرقمي بشكل أكثر عمقًا واحترافية، إلى جانب بناء علاقات صحية بين النقاد والروائيين قائمة على الحوار والتفاعل.
إن الرواية المغربية، وهي تواصل ترسيخ حضورها، تحتاج إلى مواكبة نقدية تليق بحيويتها، وتساهم في إبراز قيمتها الفنية والفكرية، وتساعد القارئ على الولوج إلى عوالمها المركبة. فالنقد يظل عنصرًا أساسيًا في دينامية الأدب، يرافقه ويغنيه ويوجه مسارات تلقيه، ويمنحه أبعادًا أعمق داخل المشهد الثقافي.
