ضرسٌ كاذب… ووجعٌ حقيقي
كانت ابن أحمد في سبعينيات القرن الماضي مدينةً صغيرة تتشبث بثوب القرية الكبيرة، أو قريةً كبيرة تتطلع إلى لقب المدينة دون أن تجرؤ على طلبه. وحول مركزها أحياءُ كحبات سبحة انفرطت، منها "درب الدشرة" الذي يتوارى في الجنوب الشرقي بين حقول الحبوب وصفوف الصبار، تحرسه بأشواكها الصامتة.
تقسمه ثلاثة أزقة: اثنان مغلقان ينتهيان عند آخر عتبة مأهولة، كأنهما يقولان للغريب "هنا ينتهي الكلام"، وثالث منفتح يتسلل نحو الدواوير التي لا يُرى منها سوى دخان مواقدها عند الغروب.
وإلى غرب الدرب فضاءٌ فسيح لا يُصدَّق أنه نائم طوال الأسبوع. إنه السوق، لا يستيقظ إلا يوم الإثنين، فيصحو معه كل شيء. لا يتجاوز سوره المتر والنصف، فيمتطيه الصغار كخيول من حجر، ويدخل الكبار من الأبواب بوقار. وفي قلبه "الحلقة"، مسرحٌ مفتوح بلا ستار: مغنٍّ يشد وتر آلته ويصدح بحزن قديم، وحكواتيٌّ يعلّق جمهوره على كلمة واحدة ثم يقول "والبقية في الأسبوع القادم"، وبهلوانٌ يلوي جسده كأنه بلا عظام، ونصّابٌ يمد الخيط أمام الطامعين في "الربحة" ويبتسم: "الربح للي ما كيلعبش".
تتسلل منذ الصباح روائح السفنج والشاي والحريرة إلى الأزقة قبل أن يفتح الناس عيونهم، وتطبخ البيوت في المساء أطيب ما عندها، فيما نسميه بنبرة تقديس "عشاء لحيمات الإثنين". وفي الأمسيات، حين تشتد الحركة حول السقاية العمومية، تسيل الهمسات والنظرات مع الماء، ويقضي الصنبور، دون أن يدري، مأموريات كثيرة من اللقاءات الخفية.
وعلى بعد أزقة قليلة، في درب جوزيف، كان بيت الطنطاوي بابه مفتوحا كعادته. رجل يصنع الحلويات ويبيعها في الأسواق الأسبوعية المتنقلة، ويعرض في المساء ما تبقى منها على عتبة داره. وكان الشباب يتحدثون عن "غريبته" بصوت خافت، ثم يضحكون ضحكة من يعرف سرا.
كان الدرب بلا مقهى. دكانان للمواد الغذائية، وثالث يملك صاحبه رخصة بيع السجائر، فهو "الوجيه" الذي يقصده الجميع حين تضيق الأنفاس. يتجمع الشباب مساءً قرب أحد الدكاكين أو في ركن الزقاق، ويتحاشون أبواب البيوت احتراما لأهلها، وللنساء خاصة. وإن مرّت من بعيد، في الأركان المعتمة، إشارةٌ خاطفة أو إيماءة، فهي حجر صغير يُلقى في بحيرة السكون. وكانت الإنارة شحيحة، كأن الظلام اتفق مع الفتيان على أن يكون شريكا في أسرارهم.
اشتهرت في ذلك الدرب، جماعة يسميها الناس "الأربعة". إذا اجتمعوا دفئت الدنيا من حولهم، وصاروا قلبا واحدا في أربعة أجساد.
كان شرف أولهم صوتا. يشدو بأغاني عبد الوهاب الدكالي بصوت يشبه صاحبه، حتى صار الدرب كله ينادي عليه باسم المغني. فيردّ عليه الباقون جماعةً بـ"ناس الغيوان" و"جيل جيلالة"، فيستحيل الزقاق مسرحا مرتجلا. وتُطلّ النوافذ بحذر ثم تنغلق، وقد ترك الغناء في القلوب ابتسامة.
وكان مصطفى رفيقه في الدار البيضاء، حيث يقيمان بالقسم الداخلي. يعودان معا آخر الأسبوع كسنونوتين إلى عشهما، ويحمل مصطفى من الضحك ما يكفي الدرب كله.
أما حارثي، تلميذ الإعدادي ابن الدرب، فلا يخرج أحد من الدرب ولا يدخل إلا وعنده خبره. يستقبلهم عند عودتهم كمن يسلّم أمانة: من تزوج، ومن مات، ومن هاجر، وأي بنت أُخطبت. كان يُعدّ لهم تقريرا مفصلا يردّهم به إلى حضن المدينة.
وعنبر، طالب الرباط، يعود من إسبانيا بتبغ يوزعه كأنه ذهب مسكوك، ولا يدخل مجلسا إلا ووجد فيه من ينتظر كرمه.
كان الأربعة يجوبون أحياء المدينة كتفا إلى كتف، في مساء خريفي متأخر من أيام العطلة، فمرّوا بدرب جوزيف، أمام بيت الطنطاوي. الباب مفتوح، والحلوى معروضة تلمع تحت المصباح.
توقف عنبر، ومدّ نظره إلى الطبق نظرة قائد يعلن بدء الحملة:
— "واش نذوقو الغريْبة ديال الطنطاوي؟"
لمعت عينا مصطفى:
— "هاذي هي لوجيبة، الله يرحم والديك… نضحكو شوية، الدنيا ما تستاهلش."
وتراجع حارثي نصف خطوة، وخبّأ يديه في جيبيه:
— "أنا معاكم، ولكن أنا ما عنديش حتى فلس، أنا غير الشاهد."
ضحك عنبر ومدّ يده بالنقود:
— "سير آ الشاهد، أنا اللي غانخلص. أربع قطع آ الطنطاوي، وخليها طرية."
وخرجوا بالحلوى، وقد انتفخ الجو بنشوة المغامرة. وقال شرف:
— "يالله لمقهى ولد رحال، نشريو براد أتاي. الغريبة بلا أتاي بحال لكسكسو بلا خضرة. وأنا اللي غانخلص."
جلسوا في المقهى الشعبي، وجاء البراد يتصاعد منه البخار ويتمايل منه عطر النعناع. صبّ ولد رحال الكؤوس وانسحب. ومدّ مصطفى وحارثي أيديهما إلى الغريبة، فتبادل عنبر وشرف نظرة سريعة لم يلحظها أحد. ثم وضع عنبر يده على خده كمن يحمل جبلا:
— "آه، ضرسي… والله ما نقدر نعض، هاد الصداغ كيدوّخني من الصباح."
وتنهد شرف بكل مهارة الممثلين:
— "وأنا بحالك آ خويا. ضرسة اللي فالجنب كتقلب علي الدنيا. تهنوا أنتم."
رفع مصطفى حاجبيه:
— "شنو هاد المصيبة؟ فنفس الوقت؟ ما شاء الله على الأضراس!"
— "القدر آ خويا، القدر." ردّ عنبر دون أن يرفّ له جفن.
والحقيقة أن الاتفاق بينهما عُقد بإشارة خفية: لنجرّب ما سيحدث لصديقينا، ونتفرج. التهم مصطفى وحارثي قطعتين لكل منهما، مسرورين بأن رفيقيهما "تنازلا" عن نصيبهما من السعادة، ولا يدريان أن النصيب الأكبر منها هو ما سيفرضه القدر بعد قليل.
بقي الأربعة يتبادلون النكت، والشاي يبرد، والسمر يطول. ثم افترقوا. كان شرف ومصطفى وحارثي جيرانا متلاصقين في الدرب، أما عنبر فبيته أبعد. مشى وحيدا في العتمة، يمرر على لسانه طعم النجاة، ولا يعلم أن الليل يخبئ لأصحابه فصلا لا تضحك منه الأضراس.
في بيت حارثي، بدأ الأمر بضحكة لم يفهمها أحد.
كانت الأم "حياة" تغسل الكؤوس حين سمعته من الغرفة الأخرى يقهقه وحده. ظنته يتذكر نكتة، فابتسمت. ثم انقطعت الضحكة، وجاء صوت آخر، مبحوح، يخاطب السقف:
— "نزل شوية… نزل، غادي يطيح علينا."
سقط الكأس من يدها. ركضت إليه فوجدته جالسا في الفراش، يحدّق في الفراغ، والعرق يغسل جبينه كأنه خرج من الحمام.
— "حارثي! آ ولدي! شنو بيك؟"
لم يعرفها. نظر إليها وقال بجدية غريبة:
— "الحيط كيضحك علي، آ الوالدة. شوفيه."
أيقظت زوجها، ثم هرعت إلى الجارة "خالة نبوية"، فجاءت في ثوب النوم وبيدها قارورة ماء الزهر والملح الخشن. جلست النساء الثلاث حول الفراش، وبدأت الهمسات:
— "هادا عين، آ حياة. عين من الدرب."
— "عين ولا ما عين، الولد كيتقيأ." قالت حياة وهي تمسح عنه بخرقة مبللة. "الله يجيب الستر."
— "شحال هادي وهو خارج؟"
— "من العشية… كان مع صحابو."
— "ومع من؟"
— "مع شرف وولد مول كاوكاو. وعنبر ديال الرباط."
سكتت خالة نبوية، ثم قالت ببطء، وهي تنظر إلى الفتى الذي بدأ يبكي دون سبب:
— "والله ما كاين غير شي حاجة كلاوها هاد الصبيان. الأولاد ما بقاو كيخافو."
لم تنم حياة تلك الليلة. جلست عند رأس ابنها حتى طلع الفجر، تتمتم بآية الكرسي وتمسح جبينه، وعيناها تفتشان في وجهه عن سبب لا تجدانه. وفي تلك العتمة، همست لنفسها بما لا تقوله الأمهات في العلن: "آش درت فحياتي حتى كيجرا لولدي هاد الشي؟"
وفي الدار المقابلة، كان مصطفى لا يهذي. كان غائبا. نائما نوم من سقط في بئر، لا يوقظه نداء ولا ماء بارد. جلست أمه عند رجليه، تضع كفها على صدره لتتأكد أنه يتنفس، وتحصي أنفاسه كمن يحصي حبات مسبحة.
وعند الصباح، لم تتحمل حياة. غطّت رأسها بإزارها، وطرقت باب بيت شرف بقبضة يد أم لم تنم.
فتحت أمه الباب. كانت امرأة هادئة، تعرف الدرب وتعرف أهله.
— "صباح الخير آ لالة حياة."
— "ولدي ما نعس البارح. كان معاه ولدك. وقع ليه شي حاجة." قالتها حياة بصوت يرتجف بين الاتهام والتوسل. "ما كنقولش ولدك… ولكن خصو يجاوبني."
لم ترتبك أم شرف. أمسكت يدها وقالت بحنان صارم:
— "ولدي خرج مع باه فشي مهمة. ملي يرجع غادي نسولو شنو وقع. وانتِ دخلي، شربي شي حاجة، وارتاحي."
ثم أغلقت الباب، واستندت إليه لحظة. وفي الداخل، كان شرف يختبئ خلف الستار، يسمع كل كلمة. نظرت إليه أمه نظرة لم يرها منها قط: لا غضب فيها ولا لوم، بل خوف.
— "تخبّى آ ولدي. ما عرفت شنو غادي يجرا. جارتنا غادي تحسب ولدها كيموت أو يتسطّى، وأنت السبب."
في صباح اليوم التالي، التقى عنبر وشرف في ركن من الدرب. كان وجه شرف شاحبا كمن شهد حادثة سير.
— "آ خويا، لا تسول. والدة حارثي جات الصباح، دقت الباب بحال الشرطة."
انقبض قلب عنبر:
— "شنو قالت؟"
— "ولدها كيدير الليل كامل مرة ينعس ومرة يهذي ويبدا يهضر بوحدو. ومصطفى… مصطفى ما فاقش حتى للصباح. المخدر اللي في الغريبة خدم فيه مزيان."
سكت عنبر، ثم قال بصوت خافت لا يشبهه:
— "ضرسك وضرسي إذن أنقذونا، آ خويا. ولكن ما نقدروش نتفاخرو بهاد الشي."
اتفقا أن يختبئ كل منهما في بيته، ويراقبا الوضع من بعيد، وقلباهما يخفقان. أما الدرب فمضى في يومه كعادته، لا يدري أن بين جدرانه حكاية تتخمر.
في مساء اليوم الثاني، جلس مصطفى وحارثي على حجر عند ناصية الزقاق. ذبلت وجوههما، وانطفأ في عيونهما بريق المرح. أنزلا رأسيهما حين لمحا شرف وعنبر قادمين، كأن الضوء صار ثقيلا.
كان حارثي أول من تكلم، بصوت مبحوح:
— "والله ما كنت نعرف أش كان كيوقع لي. شفت السقف كيقرب ليا… وشفت الحيط كيضحك."
— "وأنا شفت جدي، الله يرحمو،" قال مصطفى وهو يحدّق في الأرض، "قاعد معايا فالبيت وكيقول لي: هاد الغريبة آ ولدي ما هي ديال الصالحين."
ضحك الأربعة، لكنها كانت ضحكة قصيرة، مشوبة بشيء لا يشبه المرح. ثم ساد صمت ثقيل.
وكان حارثي يحاول أن يخفي عن الجميع ما لم يستطع إخفاءه عن نفسه: صورة أمه عند رأسه في الليل، وعيناها الحمراوان، وصوتها وهي تقول "آ ولدي…" ولا تكمل. وكان مصطفى يتذكر أن أمه لم تسأله عن شيء حين استيقظ، وهذا ما آلمه أكثر من كل سؤال. وضعت أمامه الخبز والشاي، ولمست جبينه، وخرجت إلى الدار حيث سمعها تبكي.
— "ما عرفتش شنو نقول ليها." قال مصطفى فجأة، ولم يوجّه الكلام لأحد. "قلت ليها: أكلت شي حاجة خايبة. وهي سكتت، كأنها كتعرف."
— "وأنا قلت ليها: العين." قال حارثي، وفي صوته شيء كسِر. "وهي كتبكي وكتشكرني على الصحة."
نظر إليهما شرف وعنبر. لم يعرفا ماذا يفعلان بأيديهما. كان عنبر يريد أن يقول "سامحاني"، لكن الكلمة علقت كحجر في حلقه. وكان شرف يفكر في أمه خلف الباب، وفي الجملة التي لم تقلها: "أنت السبب."
— "كنا نظنها لعبة،" قال مصطفى، دون غضب، وهذا ما جعله أقسى، "وما فكرنا أن عندها نهاية أخرى."
لم يجبه أحد. نهض حارثي أولا، ومشى نحو بيته ببطء، ولم يلتفت. ومشى مصطفى في الاتجاه المعاكس. وبقي شرف وعنبر وحدهما، وقد أدركا أن بعض الأسرار لا تُحفظ، بل تُحمل: ليلتان قضياهما خلف بابين مغلقين، بينما صديقاهما يهذيان، وفي صدريهما شيء لا يُمضغ ولا يُبتلع.
لم يعترف مصطفى وحارثي لأهلهما بالحقيقة، فقد كان العقاب الأبوي في تلك الأيام أشد من أي مرض. ولم يخبرا الدرب أن صديقيهما كانا يعرفان. غير أن شيئا ما تغيّر: صار حارثي يجلس بعيدا قليلا عن عنبر، وصار مصطفى يدخل الدرب من الطريق الطويل كي لا يمرّ ببيت شرف.
ومنذ ذلك المساء صارت "قصة الغريبة" تُروى في الدرب كما تُروى الأمثال. وكلما اشتعلت حماسة فتى نحو المجهول، تبادل الأربعة نظرة قصيرة، وقال أحدهم بهدوء:
— "تذكّر الغريبة."
فتخبو الشرارة في عيني المتحمس.
واستمرت الصحبة بسهراتها وأغانيها وتجوالها بين الأزقة، لكنها عادت أنضج قليلا، وأحرص كثيرا، وأقل ضحكا. وظل باب الطنطاوي مفتوحا كعادته، والحلوى معروضة على الطبق تلمع تحت المصباح.
ومرّ الأربعة أمامه ذات مساء، ولم يلتفت أحد.
