الثلاثاء ٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢٠
بقلم محمد متبولي

فانيليا بالسكر

لماذا طلبت مني والدتي شراء الفانيليا؟

منذ أن جاوزت منتصف الثلاثينات ولم تعد ذاكرتي تسعفني كثيرا لتذكر احتياجاتنا من المشتريات، ودوما ما كنت أكتشف نسياني لبند أو أكثر بمجرد عودتي للمنزل، لذا فصرت أكتب ما أنوي شراءه في المساء، وأترك القائمة لوالدتي لمراجعتها وإضافة ما تريد، لأقوم بشراء ما فيها من المتجر في طريق العودة من العمل مع نهاية نهار اليوم التالي.

فعلت ذلك كالمعتاد يومها، وبينما أنا أتمم على البنود المطلوبة في سلة المشتريات، وجدت بندا مذيلا بالقائمة، يبدو أن والدتي أضافته دون ملاحظة مني، (خمسة أكياس صغيرة من الفانيليا).

دهشت قليلا، فلو لم تخونني الذاكرة، أظن أنني لم أشتري الفانيليا منذ أن كنت أحاول تعلم صناعة بعض أنواع الحلوى، مضى على ذلك أكثر من عشرة أعوام، ولا أتذكر حتى لماذا كنت أحاول ذلك، لكن الأهم أنني لا أعرف أين توجد الفانيليا في هذا المتجر الكبير.

في بادئ الأمر توقعت أنني سأجدها في ركن الدقيق أو السكر أو حتى الملح، لا أعرف حقا ما الذي جعلني أفكر في تلك العلاقة الغريبة بين الفانيليا والملح، لعل لأن كلاهما ينتجان تحت اسم علامة تجارية شهيرة، لكن في نهاية المطاف لم أجد بدا من طلب المساعدة، فوجهني عمال المتجر نحو ركن خاص بمستلزمات صناعة الحلوى، لأجد نفسي متحيرا مرة أخرى.

فما إن وصلت لهذا الركن حتى وجدته -على الرغم من ضيق مساحته النسبية- مكتظا بالسيدات، فشعرت بالحرج لمزاحمتهن، وفضلت البقاء خارجه حتى أجد لنفسي موطأ قدم مناسب، وهو ما لم يحدث بالسهولة التي اعتقدتها، فوقفت لبرهة أرقب من بعيد ما يحدث، فما إن تغادر إحداهن ذلك الركن حتى تدخل أخرى مكانها مسرعة، ليس ذلك فحسب، بل أجد السيدة منهن تذهب لتضع يدها على صنف معين من علامة تجارية بعينها، ثم تتركه وتبحث في العلامات التجارية الأخرى لنفس الصنف، ثم تعود في النهاية لتلتقطه من العلامة التجارية التي أمسكتها في البداية، فأغلب الظن أن تلك هي العلامة التي سبق وجربتها وأعجبتها، والأكثر غرابة، أنه أحيانا تقف إحداهن أمام صنف كالكراميل أو البيكنج بودر أو حتى الخميرة المجففة، وتجري إتصالا هاتفيا بصديقة أو قريبة، وبدلا من أن تسألها مباشرة عن الكمية التي تريدها من هذا الصنف أو ذاك، تراجع معها مقادير وصفة كاملة لطبق من أطباق الحلوى، حتى تعرف الكمية الملائمة من الصنف المطلوب.

لم أفهم كثيرا ما يحدث أمامي، فإن كنت أفضل علامة تجارية بعينها لصنف ما، فلماذا علي أن أمر على كافة العلامات التجارية الأخرى، والتي غالبا جربتها جميعا ولم تعجبني، وإن كنت أريد معرفة الكمية التي أريد شراءها من شيء بعينه، فلماذا علي مراجعة مقادير وصفة كاملة لطبق من الحلوى، لماذا لا أسأل مباشرة عما أريد، فابتسمت محدثا نفسي قائلا: (مرحبا بك في مدينة النساء).

بعد وقت ليس بالقليل هدأت الأمور نسبيا، ودخلت الركن لكنه سرعان ما عاد مزدحما بالسيدات مرة أخرى، فلم أكترث قانعا نفسي أنهن من يزاحمنني لا أنا من يزاحمهن، محاولا السيطرة على حالة الارتباك التي بدأت تتصاعد بداخلي، لأصل بعد عناء لأرفف الفانيليا وأقف أمامها، متفاجئا بأن أمامي مهمة شاقة جديدة.

يبدو أن عالم الفانيليا قد تغير كثيرا، فمنذ زمن عندما كنت أشتريها، كنت أذهب لمحل البقالة المجاور وأطلب عدد الأكياس المطلوب، فيعطيه البائع لي دون أن يسألني عن حجم أو علامة تجارية، فلم يكن هنالك سوى علامة تجارية واحدة رائجة، أما الان فأقف حائرا أمام العديد من العلامات التجارية المختلفة، والأحجام المتنوعة، بدءا من الأكياس الصغيرة مرورا بالبرطمانات وصولا للعلب الكبيرة، وبعد بعض من التعثر وجدت العلامة التجارية التي أعرفها، فتهللت حامدا الله أنني توصلت أخيرا لما أريد، لكن سرعان ما تبادر إلى ذهني تساؤل جديد.

فقد وجدت مكتوبا عليها (فانيليا بالسكر)، فبدأت أتساءل هل يوجد نوعين من الفانيليا إحداهما بالسكر والأخرى بدون، وإن كان الأمر كذلك فأي النوعين نريد، حاولت الإتصال بوالدتي لكنها لم تجب، فوقفت أمام الرف متسمرا لا أعرف ماذا عساي أن أفعل، فكرت أن أطلب المساعدة من السيدة التي تقف بجواري، لكنني خشيت أن تظن أنني أعاكسها، فتقوم برد فعل محرج، فقد تذكرت حينها تلك السيدة التي سألتها ذات مرة عن أفضل نوع للسكر، عندما لم أجد النوع الذي اعتدت على شرائه، فرمقتني بنظرة حادة، جعلتني أخجل من نفسي لتلك الدرجة التي أحمر معها وجهي وتعرقت، ليقطع هواجسي تلك إتصال من والدتي جاء كغيث المطر، عرفت منها خلاله أنني أمام النوع المطلوب، ولكن بعد أن أغلقت معها الهاتف، وجدت نفسي في حيرة جديدة.

أريد أن أشتري خمسة أكياس فقط، بينما أمامي علبة مغلقة بها خمسون كيسا، ولا أعرف إن كان الناس يشترون العلبة كاملة أم يفتحونها ويأخذون منها عدد الأكياس المطلوب، فمن المؤكد أننا لن نحتاج الخمسين كيسا على الإطلاق، وقبل أن تستبد بي الحيرة، فوجئت بالسيدة التي تجاورني تستأذنني في أن تأخذ شيئا من على الرف، فابتعدت قليلا فإذ بها تفتح العلبة وتأخذ منها عددا من الأكياس ثم تغادر، فانفرجت أساريري أخيرا.

غادرت ركن مستلزمات الحلوى أو كما أسميته مدينة النساء، مسرعا نحو الكاشير بعد أن أمضيت به قرابة الساعة، وهو تقريبا ضعفي الوقت الذي أمضيته في المتجر لشراء كل بنود القائمة عدا الفانيليا، ثم أنطلقت في طريق عودتي للمنزل فرحا بعد أن أنهيت واحدة من أطول وأشق مهام التسوق التي مارستها منذ زمن طويل، وبينما أنا أقود السيارة في طريق العودة، تذكرت شيئا هاما، وهو وأنني في غمرة شعوري بالنشوى بعد وصولي لهدفي المنشود من أكياس الفانيليا، نسيت أن التقطها وأضعها في سلة المشتريات.

فتوقفت عند محل البقالة المجاور للمنزل، وطلبت من البائع أكياس الفانيليا فأعطاهم لي من العلامة التجارية المطلوبة دون أن يسألني عن شيء، هكذا ببساطة ويسر، وما إن تركت المحل حتى أنفجرت في الضحك، متذكرا العناء الذي كابدته في المتجر الكبير بلا طائل من أجل شرائها ولسان حالي يقول:

لماذا طلبت مني والدتي شراء الفانيليا؟

تمت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى