الأحد ٢٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩
بقلم عزيز مشواط

في تفاصيل محمد غندور

في الطائرة عائدا من لبنان أغلقت مفتاح الفلسفة والسوسيولوجيا وأشعلت أنوار الأدب والشعر...تأملت بضعة روايات..وغير قليل من الدوواين...على جانبي (تفاصيل)..إنه ديوان من الحجم الصغير بثمانين صفحة، لمحمد غندور الصحفي والشاعر اللبناني الشاب...أدرت الصفحةالأولى..الثانية،الثالثة..والتهمت الكلمات...مرة وثانية وثالثة..من مطار رفيق الحريري الدولي إلى مطار الدارالبيضاء..رحيق تجربة شعرية متدفقة..متعة ولذة لا يوازيها سوى الإيقاع الخاص لتفاصيل محمد غندور...

أعترف منذ البداية أنني لست ناقدا ولا متخصصا في الشعر، لكن إحدى أقوى أسرار الغواية الكبرى التي تمارسها علي نصوص كبار عمالقة الشعر، تتمثل في تلك القدرة الهائلة على الارتقاء بالتجربة الذاتية، إلى مستويات تتجاوز عتبة الذات لتعانق الأفق الكوني.

إن قراءة الشعر تعتمد أولا على قدرات تأويلية خاصة، وتقتضي أيضا تعاملا مع النص يتراوح بين الانفصال والاتصال. كل ذلك من أجل الدفع بالقراءة في اتجاه الموضوعية كهدف، اعترف أنه يبقى في كل عملية تتناول الإبداع بعيد المنال..إن لم يكن مستحيلا.. هكذا أعتقد.

نقطتان اثنتان متباعدتان في تفاصيل محمد غندور: الأولى تؤسس للحظة شعرية واعدة من حيث هي بداية، ولكل بداية دهشتها وغرابتها. وأما الثانية فهي مثقلة بإرث شعري مشدود إلى عوالم شعراء كبار من أمثال محمود درويش ونزار قباني وبدر شاكر السياب وغيرهم...ولأن محمد غندور يحب التفاصيل الصغيرة فقد جاء المتن الشعري متوهجا باللقطات الخاطفة الممزوجة بطعم الإغراء القوي.. فيصير المعطى الإنساني متجسدا في لحظات من قبيل (الموضة) و(أشلاء متقاطعة) و()غربة الذات)و(مارد) و(تطريز)و (مقايضة) و(عطلة أسبوع)...وغيرها من اللحظات.

في هذه التفاصيل ينسى محمد غندور لبضعة لحظات كل القيود ويحول قصيدته إلى ترنيمة عابرة وصوت جهوري ضد سحابة الكآبة القاتلة، التي تطل من خلفها ذات الشاعر المثقلة، بأسئلة وجودية مثقلة برائحة الموت والعدم المهددة لبيروت وهي تقف على حافة الرصاص والتفجير في كل لحظة.. ففي (جنازة قومية) يبدو المشهد أكثر إجلالا وأكثر رهبة حيث يستحضر غندور كل اللحظات التي يمكن أن يصير فيها عدما، فيلجأ إلى نوع من المجاز الباحث عن الخلود، عبر الحضور المكثف لكل المتناقضات، يحضر الجنازة سيبويه رمز اللغة العربية، وتحضر نجاة الصغيرة والجاحظ وغيرهم من الرموز الحضارية والثقافية التاريخية.

في تفاصيل محمد غندور تحضر الكلمة الشعرية من حيث لا ندري. أما المتحكم في ترتيبها فهو اللاتوقع المطلق. ويبدو أن غندور من خلال بداياته الأولى يقيم شعريا على أرض صلبة وخصبة إنه دائم التوجس والحذر.
عمل غندور في تجربته الأولى التي تعود إلى أربع سنوات خلت على إزاحة اللثام عن طاقة شعرية متدفقة بودارها الأولى الباحثة عن الذات الفاتنة (لأن كل حي في هذا الكون لا يموت إلا وحيد)حسب حكمته في الصفحة 59. وللشبق غير المتساكن مع القيود نصيبه في تفاصيل محمد غندور من خلال تأوهات ص: 56وغريزة ص:54 وهي تأوهات ترتد بعيدا إلى البدايات الشبيهة ببطولة نهد لنزار قباني. يقول غندور:

وجهي بلا تفاصيل

دمي مسحوق غسيل

يداي ممدتان

من بابل إلى قرطاج

إنها الأنا الباحثة عن ملجأ آمن في ظل تمزق ظلت بيروت تقاومه منذ الأزمنة الغابرة...هذا السفر الإنساني في التفاصيل اليومية للكائن المعلق، الفرح،،المغرم،المتيم،العاشق...تتوهج في تفاصيل محمد غندور وتصبح مع كل المعاني الأخرى شبيهة بطيف صوفي...ويتفاوت إيقاع هذه الترنيمات ليصل في بعض الأحيان حد التقرير...لكن دون أن يفقد سحر العوالم الشاسعة لقارة اسمها نفسية الشاعر.

تفاصيل محمد غندور عوالم شاسعة لابد أنها تخبئ امتدادا شعريا لابد أن يظهر لحظة ما...تفاصيل أحاسيس مترامية الأطراف...وجوه وأجساد تفيض منها لذة الحياة...إنها تفاصيل ذاكرة إنسانية تجاهد من غير توقف من أجل مواجهة (النسيان)حيث يترصدنا العدم وتترصدنا ثقوب الذاكرة العمياء.

وأنا أنهي قراءة نصوص محمد غندور لم أمنع نفسي من العودة إلى جلدي وتكويني، فتذكرت نظرية أفلاطونية شهيرة تقول أن كل الإنتاجات المعرفية والأدبية والفنية التي يبدعها البشر، ليست في نهاية الأمر سوى تذكر واستحضار باهت لحالة أصلية توجد خارج العالم المادي. نظرية المثل تعتبر أن الحقائق الأصلية الساطعة، إنما توجد في عالم المعقولات فيما لا يمثل عالم المادة سوى الأشباح والظلال واللاحقيقة. لم أشكك في هذه النظرية قدر تشكيكي فيها وأنا أنهي هذا النص... لأن غندور وهو يبحث عن الحقيقة عبر الشعر لم يبتعد عنها كما قال أفلاطون بدرجتين..بل رسمها في أتم صورها بالكلمات.. فأتت الصورة مطابقة لذات..يشكل الشعر...صدى بوحها...في عالم مثقل بالرموز... والأحلام..والمآسي أيضا...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى