قبل أن يبيضَّ الأفق
تتكدّس الحقائب في صمتِ الذاكرة،
تتحسّس برودة الشتاء،
حيث يعدُّ الزمنُ أنفاسه
على حوافِّ الحقل النازح نحو البياض.
في تلك البقعة،
يبسط البياض سطوته،
تتدلّى العناقيد جافّةً كعهودٍ غابرة،
والريح تعزف بأصابعها الثلجية
على وتر الغابة المشدود إلى نحيب الأشجار،
تمحو آثار الأقدام،
وتترك العابرين تائهين
بين حطام خطاهم.
أيها الثلج...
يا وجه الفراغ الهادئ،
مهلًا...
امنحنا متّسعًا لجمع ما تبقّى
من أثرنا على الجدران،
لنطوي أشرعة الصيف ورائحة صمتها،
وندسّ طائرًا ورقيًّا
خطّته دموع الطفولة تحت وسادة حلمٍ قديم.
لم يعد في جعبة الدفء
سوى ظلٍّ شاحبٍ عند باب الرحيل،
ولا من جمرٍ في الرماد
سوى شرارةٍ ترفض الانطفاء.
حيث يثقل السحاب بالصمت،
وتتساقط الأقنعة عن زجاج المرايا،
لا يتردّد في الرواق
سوى صدى خطواتنا الخائفة.
نقبض على ما تبقّى من حلمٍ مهشّم،
ونعبر الجسر الهشّ نحو الضفّة المجهولة،
حيث الأفق أبيض بلا ملامح،
والمدن الراقدة في عمق النسيان
تتأهّب لارتداء بياضها الأخير.
هناك،
حين يقرع المطر أبواب الروح،
لن نكترث لاتجاه الريح،
ولا لاسم الندى المتروك على الشرفات؛
فكلّ ما نبغيه...
أن يعبر هذا الشتاء بسلام،
وألّا يلتفت الموت نحو مخبئنا،
نحن الذين لم نكن سوى أسطرٍ في قصيدةٍ
تخلّى عنها الوقت معلّقةً،
ثم غطَّ في نومٍ تتعثّر على أهدابه خطى المجهول.
