قراءة نقدية في (الملك هوالملك) لسعد الله ونوس
(نحن نبدع النصوص حين نقرأها، ونحن،
بالقراءة، نقيم حياة النصوص، أونشهد على
موتها.)
[ يمنى العيد. في معرفة النص.ص:5 ]
عندما ندخل عالم النص الأدبي، نجد أنفسنا أمام صرح عظيم غامض يحتاج منا وقتا وجهدا، وآليات للوقوف عند خفاياه وكنوزه.. صرح لا ندري أنخرج منه كما دخلناه، أم نخرج منه وقد سكنتنا قضاياه وهواجسه، وأمتعتنا فنياته وجمالياته، وراودتنا دلالاته ورموزه.
ومسرحية:(الملك هوالملك) لسعد الله ونوس من النوع الثاني الذي تخرج منه وقد ترك في نفسك أثره، بل إنه ليشدك إليه ويفرض عليك قراءات عدة لا تطابق إحداها الأخرى تماما وإن كانت تشترك في الأساس. فلا يمكن الإحاطة بعالم النص الناجح بقراءة واحدة، كما لا يمكن أن ندخل صرحه ونحن نريد شيئا محددا ينطلق من خلفية ثقافية أواجتماعية أوسياسية. فالعلاقة بين النص الأدبي والقارئ يجب أن تكون علاقة ود وحوار كما يرى ياوس، فالنص يطرح تجربة هي تجربة الكاتب، والقارئ يملك تجربة في سياق ما من سياقات الحياة، فإذا اجتمعت التجربتان على مبدأ الحوارية فإن القراءة عندئذ تخلق عالما جديدا من المتعة. ويمكن أن نوضح المسألة بشكل آخر ونقول: إن النص الأدبي هومن بعض جوانبه جملة من المثيرات التي تستدعي من القارئ استجابات معينة، بحسب القارئ ونوع القراءة، هذه الاستجابات تتجسد في أشكال شتى من أهمها إنتاج النص الجديد الذي نسميه النص النقدي الذي يشتغل على النص الأدبي وينطلق منه.
و(الملك هوالملك ) مسرحية أدرجها النقاد ضمن المسرح المرتجل، الذي لا يحتكم إلى التنظيم المعهود الذي تتقمص فيه الشخصيات أدوارها وكأنها حقيقية من الواقع، بل تحرص هذه على إشعار المتلقي بأن الأمر يتعلق بـ ( أمثولة تساعد على فهم بعض ما يجري في الواقع واتخاذ موقف منه.)(1) لهذا نجد ما يشبه الجوقة على نمط ما نراه في المسرح الشعبي، كما نجد بها أيضا روح الحكاية يشبه إلى حد بعيد ما في ألف ليلة وليلة.
ويدور النص أساسا حول (لعبة) تتخذ أبطالها من واقع سياسي سيء، فالملك يضجر ويقرر أن يعابث رعيته لينفس عن ضجره، وهوملك ظالم متجبر، يختار ضحيته وهورجل مخبول كان تاجرا فدار عليه الزمان بفعل ما لحقه من أعدائه، حتى أصبح يتوهم أنه سيصبح ملكا يملك البلاد والعباد، ويتمكن من الانتقام من أعدائه شر انتقام. يقرر الملك أن يحقق لأبي عزة حلمه ليوم واحد ليسري عن نفسه، غير أنه يصاب بصدمة، فأبوعزة ما إن ينصب ملكا وهميا حتى يقبض على الأمور بيد من حديد، ويتقمص دور الملك بجدارة فائقة، وما من خطوة يخطوها الملك(الجديد) في إدارة المملكة إلا وتزيد الملك الحقيقي عجبا وحنقا، حيث يكتشف أن دوره يمكن يقوم به أي كان، حتى وكان مخبولا. وحين يصل إتقان أبي عزة لدوره كملك ذروته، يكاد الملك يصاب بالجنون، فيسعى إلى إيقاف اللعبة التي كان يظن أنها ستمتعه، بل إنه ليقرر أن اللعب والحلم والخيال ممنوعة.
ويكشف جلوس أبي عزة على عرشه الوهمي عن خطين متوازيين:
1- يظهر إمعان الملك في إرهاب شعبه وخصومه، حتى أنه يقرر التخلص منهم بنفسه بدلا من أمر السياف بفعل ذلك، وكأن فعلا كهذا فيه من شفاء الغليل ما لا يكون في بلوغ خبر قتلهم إليه.
2- يظهر جماعة من المتمردين على الحكم يخططون وينظمون في الخفاء لقلبه والقضاء على صاحبه، وهم من العامة، يتنكرون في أزياء حمالين ومتسولين. وتنتهي اللعبة، ويراجع كل واحد من الشخصيات دوره ووهمه، ولعل الملك كان أكثرهم كرها لذلك الدور،لأنه غامر بأمر كل شيء فيه ممكن إلا اللعب.
وإذا نحن حاورنا النص وجدناه يكشف عن تجربة عميقة، فالحلم والواقع يتلازمان.. يلامس أحدهما الآخر حتى لا نكاد نفرق بينهما. فالملك الحلم والملك الواقع يتطابقان، يتصرفان بالطريقة نفسها، بل ربما وجدنا الحلم اكثر تجسدا من الواقع، وأكثر قسوة منه. فهل يعني هذا أن مجتمع التنكر يجسد تشاؤمية الإنسان ويأسه من التغيير؟
إن الجواب بالإيجاب عن سؤال كهذا لا يشكل في الواقع إلا قراءة ضمن قراءات محتملة، والجواب بالنفي قراءة أخراة. كأن مطابقة أبي عزة للملك في التصرف والشعور ينبئ بيأس من البحث عن تغيير يأتي برياح جديدة تخصب المجتمع، طالما أن كل شخص يلبس رداء الملك ويمسك الصولجان ينفصل عن الآخرين، ويصبح في عالمه فريدا. أوكأن تلك المطابقة تعني من جانب مخالف أن الخلل في الرعية التي لا يأتي التغيير من داخلها، فتنتظر موت الملك وتولي آخر، دون أن تحقق الغرض الذي علقت آمالها عليه.
لا نستطيع – حقيقة – أن نعتبر إحدى القراءتين السابقتين هي الصحيحة دون غيرها، كما لا يمكن أن نصدر أحكاما على النص وكأن لنا سلطة عليه، إن لنا الحق أن نستنطقه وأن ندرسه (ابتغاء استكناه قضاياه الفنية في اتساعها وتشعبها وتعمقها واعتياصها جميعا.)(2) وسواء خرجنا بما يسرنا أوبما يخيب آمالنا، يكون فعل القراءة قد تحقق، وتكون نتائجه مثمرة.
هذه نظرة ياوس الذي انتقد المناهج المعاصرة التي تعاملت مع النصوص من موقف شروط وخطوات محددة (3)، فأضحت تلامسها دون أن تغوص في عالمها الواسع. ومسرحية ونوس هذه ليست مسرحية ترفيهية ولا تعليمية، إنها بدقيق العبارة مسرحية فنية تعج بالقيم التي تحتاج منا إلى وقفات للكشف عنها.
إن ضجر الملك الخانق ورغبته قي التسلية قد يبدوطبيعيا لأنه يحدث لكل شخص، لكن عندما تمتد التسلية لتكون على الرعية فهذا يطرح علامة استفهام. يقول الملك:
– لا يروي حاجتي أن أسخر من وزيري، ما أحتاجه هوسخرية أعنف وأخبث.. أريد أن أعابث البلاد والناس. (4)
ويقول وزيره في لحظة صدق حين يخلع رداء الوزارة للتنكر:
– حين أخلع ردائي أشعر نوعا من الرخاوة تدب في بدني.. تخور ساقاي، وتصبح الأرض أقل صلابة. (5)
أما عبيد فيقول، وهويقص ما حدث في مشاجرته مع بائع الفواكه:
– ... وأبعدوه عني، ومع هذا استطعت أن أحتفظ بتفاحة. (6 ) ويقول أبوعزة، وهوفي أوهامه الملكية مخاطبا عرقوب:
– أقدر فيك الهمة،ولكن أخاف ألا تصلح للوزارة، إن الأصل يحول بينك وبينها. الوزير ينبغي أن يكون من أصل كريم، يجمع الحسب والنسب إلى الجاه والسلطان، أما أنت.. ولا تزعل من كلمة الحق، لست في النهاية إلا واحدا من الدهماء، أوإذا شئت من عامة الناس. (7)
هذه الأقوال التي جاءت على ألسنة شخصيات المسرحية تعبر عن قيم كثيرة سائدة، لكنها تتحد جميعا لترسم صورة لما أسماه الكاتب: ( مجتمع التنكر) أين تكون اللاحقيقة هي الحقيقة والزيف هوالأصل.
يرى ياوس أن القراءة تتطلب من فاعلها الوعي والقدرة (8) وهما عاملان لهما وزنهما، فنحن في زمن تمرر فيه الأفكار العظيمة في رداء بسيط وأخاذ، والوعي هوإدراك الشيء على حقيقته من خلال قراءة عميقة تستحضر العناصر الثقافية والاجتماعية للفرد، والقدرة هي امتلاك الأدوات التي تنجح فعل القراءة، وبهما نستطيع أن نمحص المعارف والقيم، وأن نستطيع مواجهة الفكر الوافد المضاد أودعم الفكر الواعد المنتج.
في هذا الإطار يجدر بنا أن نطرح هذا السؤال: إذا كانت (الملك هوالملك) مسرحية سياسية بالأساس، تتخذ الملك موضوعا لها، فهل يعني هذا أن المشكلة في الملك؟ وهل المسحة العربية التي أضفاها الكاتب على المسرحية لكونها محبوكة على نمط ألف ليلة وليلة – كما قلنا سابقا –يعني أن نظم الملك الفاسدة حكر على العرب؟ إن القراءة الواعية ترفض مثل هذه الأحكام، رغم تطابقها مع الواقع. إن النص الأدبي لا يجب أن يوجه الوجهة التي نقبلها نحن فقط، بل ينفتح على قراءات أخرى لها مصداقيتها أيضا لأنها تستند إلى مستويات مختلفة. إن كل نص أدبي بقدر ما تتعمق مجاهله وتتولج دواخله وتستطيل الإقامة بين ظهرانيه يعطيك من الثمرات والنتائج أوالاستنتاجات ما لا يعطي غيرك إذا قصر أوأقصر، ثم يعطي في مقابل ذلك غيرك ما لا يعطيك إذا قصرت أوأقصرت. (9) هذا التقصير الذي يتحدث عنه الدكتور مرتاض ما هومن أحد أوجهه إلا محاولة حصر النص في دلالة محددة تتفق مع ما يريد القارئ.
–
وانطلاقا من فكرة الحوارية مع النص، تأتي ظاهرة الإحالية، التي هي القراءة الربطية التي تجعل القارئ والكاتب يجتمعان على مجموعة من الصور والأخيلة والمواقف، ويسميها أحمد حيدوش بتعليق القراءة، ويعرفها بقوله:" هي أن النص يجعل القارئ بين جملة وجملة أخرى يستعيد تجربة ما، وينطلق هذا من فكرة دينامية الخيال، أي أن الصورة الفنية والمكان الأليف والذكريات ليست معطيات ذات أبعاد هندسية، بل مكيفة بخيال وأحلام يقظة المتلقي."(10) هذه الصور الإحالة في نص ونوس كثيرة، خذ مثلا وضع أسرة أبي عزة بأبعاده الثلاثة:
ـ أبوعزة غارق في الخمرة والأحلام الممزوجة بالأسى والمرارة.
ـ أم عزة تمرغ وجهها في الذل لتعالج آثار انحراف الزوج.
ـ عزة الضحية التي لا حول لها ولا قوة، تعيش بين حلم جميل، وكابوس مرعب.
فهل ترتبط هذه الصور في ذهن المتلقي فقط لمجرد كونها أوضاعا اجتماعية؟ أن القراءة الفنية ترفض هذا الزعم، وتخرج بالصورة عن دلالتها المحدودة إلى آفاق رحبة.. آفاق المجتمع أوالمجتمعات في علاقاتها السياسية والاجتماعية المتشابكة. إن ظلال الصورة لتتشعب في ذهن القارئ لتكون لها تلك اللذة التي تحدث عنها رولان بارت.
لكن وضع أسرة أبي عزة ليس هوالوحيد الذي يحيلنا على الأخيلة الغنية، فوضع الوزير الخائف على مركزه، الباذل أقصى ما يمكن لثني الملك عن قرار التنكر، ألا يترك في ذهن القارئ صورة لكل متمسك بالمصالح ولوعلى حساب الآخرين مكرسا مبدأ (أعض عليها حتى الموت ). إن هذه الصور وغيرها التي استفزت الكاتب، تستفز القارئ أيضا، تجعله مشاركا الأول في إعمال الصورة في الذهن وتصور آثارها حتى يصل الأمر بالقارئ إلى القول:(كان علي أن أكتب ذلك، أوهذا ما كنت أريد أن أقوله ولكن الكاتب سبقني إليه.)(11)
هذا الكلام يقودنا إلى نظرية الوقع عند ايزر، فالبنية الشعورية للقارئ تتحد بالبنية اللفظية للنص، فتولد وقعا جماليا ما في موضع ما منه. والوقع هوالأثر الذي يتركه النص في القارئ بناء على وضعية مرجعية عنده، لكن الوقع يختلف من متلق إلى آخر، بحسب الذوق والوعي.
يلفت انتباهنا في نص ونوس تلك اللافتات الخمس عشرة التي يفتتح بها المشاهد، وهي اختزال للأحداث في عبارات مركزة وموجعة، يقول بعضها:
* عندما يضجر الملك يتذكر أن الرعية مسلية وغنية بالطاقات الترفيهية.
* محكوم على الرعية أن تعيش الآن متنكرة.
* أعطني رداء وتاجا أعطك ملكا.
أنها لافتات تشكل في النهاية جملة الأفكار التي تعالجها المسرحية، وهي كما نرى ليست بريئة، بل تومئ إلى معاني واسعة ومثيرة. فالأولى تكشف عن مدى الاستخفاف بالشعوب المغلوبة على أمرها، حين تختزل في مجرد كونها وسيلة للتسلية والتخفيف من ضجر القوي. لهذا يحكم على الرعية أن تواجه هذا الاستخفاف بالتنكر المضاد، لتخطط لانتقامها واسترجاع عزتها، في هذا الإطار تحمل الألفاظ طاقاتها التعبيرية في سبيل رسم صورة قريبة إلى واقع الناس.
أما اللافتة الثانية فهي أكثر اللافتات استدعاء للتأمل، وهي أكثرها احتقارا للملك، وأعنف هزا لشعور الرعية، فما الملك في النهاية إلا رداء وتاج.. كل واحد إذن من الرعية يصلح ملكا إذا امتلكهما، كما كان الحال مع أبي عزة،بل إن الفرد من الرعية قد يكون أكثر دهاء ومكرا، وأكثر قدرة على اكتشاف الخبايا المحيطة بالملك. إنه تجريد للملك من أية ميزة عن رعيته، حتى ليصل الأمر في النهاية إلى هذا السؤال المحرج: لماذا إذن وجود الملك؟
أما على مستوى الشخصيات، فتتربع شخصية أبي عزة على رأس قائمتها، فبين الخبل والدهاء، وبين الوهم والواقع تأتي شخصيته لتضع القارئ أمام صورة لجاذبية الملك وإغرائه وسطوته. أن أبا عزة الضحية ليس هوأبا عزة الجلاد، ففي الحالة الأولى كان شاكيا من سطوة الآخرين وظلمهم متمنيا لوكان له سلطان على أعدائه فيذبحهم كالخراف انتقاما لما حل به بسببهم،لكنه في الحالة الثانية يجرم الشاكين المظلومين ويعاقبهم، ثم يلتفت إلى أعدائه الحقيقيين فينصفهم ويقربهم. أهذا منطق الحكم في النهاية؟ أي تغيير إذن ترجوه الرعية إذا لم تبادر إلى الأخذ بزمام أمرها؟
ثم تأتي اللمسة الحكائية في النص لتضفي طابعا متميزا له عبقه التاريخي، ومرارته الواقعية، الأمر الذي جعل الدكتور علي الراعي يقول عن هذه المسرحية أنها (أعذب رشفة من نبع التراث الشعبي ارتشفها كاتب عربي.)(12) وإذا كان هذا الحكم مقبولا فنيا، فهل يعني ذلك أن مشكلة الملك في عصرنا امتداد طبيعي لتلك التي في عصر هارون الرشيد؟ يجيب ونوس نفسه عن هذا قائلا: (أما الملك والملك، الأول والثاني،والثاني والأول، فيمكن باستمرار ومكررين اللعبة مرة بعد مرة أن نغير أحدهما مكان الآخر وتبقى الحتمية واحدة لا تتغير. هنا ليس الجذري أن نستبدل هوية بهوية وما من إبدال حقيقي، بل إبراز تلك الاستمرارية الطاحنة التي هي وحدها حقيقة وملموسة.)(13)
وأخيرا.. هل صدمنا من خلال (الملك هوالملك) بهذا الطرح الجريء الذي وضعنا أمام الواقع التنكري، أم أننا وجدنا أنفسنا أمام عمل هومرآة فنية لما يعيشه الإنسان في مثل هذه المجتمعات؟ وهل تركت فينا ظلالها لنطرح قضيتها من جديد ونستكنه خلفياتها، أم أنها مجرد محاولة لإحياء التراث القديم والتسلية بمخزون الماضي؟
[1]
