السبت ١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم أحمد الخميسي

كلمة سحرية تتحدى الزمن

الزمن يتحرك وبعض الكتب الجيدة تبقى . تحرك الزمن طويلا نحو ألفي عام وجرف معه قصورا ، وعواصم ، وأسماء ملوك ، وسير حروب ، ولم يستطع أن يجرف معه اسم " لوكيوس أبوليوس " صاحب " تحولات الجحش الذهبي " . وانقضى نحو مائتي وخمسين عاما ومازالت أعمال " جوناثان سويفت " مقروءة .

للكتب خاصية عجيبة كأنها العمل السحري الوحيد الذي يبطل سير الزمن ولا ينتهي أثره ، يتحرك الزمن أعمى ، ويجرف كل شئ أمامه ، ثم تفاجئه من خلفه بعض الكتب سليمة لم تمحى سطورها . العام الذي نودعه كان حافلا بكتب كثيرة جيدة . وحين أعود بالذاكرة إلي تلك الكتب ، بشكل انتقائي لا أكثر ، أتذكر رواية " في انتظار البرابرة " للكاتب جي كوتزي الحائز على نوبل عام 2003 ، التي يقول فيها إن : " كل المخلوقات تأتي إلي العالم حاملة معها ذكرى العدالة " ، ويواصل كوتزي بحثه عن تلك العدالة التي يولد الناس بذكراها في هذه الرواية ، وفي رواية أخرى صدرت عن دار الهلال هي " حياة وزمن ما يكل " . وقد اختتم العام أيامه الأخيرة برواية جابريل جارثيا ماركيز القصيرة " " ذكريات عن نسائي الحزينات " التي ترجمها طلعت شاهين . وفي تلك الرواية الممتعة يؤكد ماركيز أن الحب أحد أسرار الأدب العظيم التي تجعله باقيا .

في روايته يتساءل ماركيز ذلك الشيء الرئيسي الذي تصبح رحلة الزمن من دونه حالة خواء ، وفراغ مؤلم ، ومجرد تواجد في الزمن ، بلا معنى ، حتى لو كان ذلك التواجد محاطا بالشهرة والشبع والطمأنينة ؟.

يتخير ماركيز – في بحثه عن إجابة - بطله الراوي عجوزا بلغ التسعين ، صحفيا معروفا ، يحيا وحيدا ، لأن علاقاته الغرامية العابرة لم تدع له وقتا للحب .

يحس هذا العجوز فجأة أن عليه أن يعب من نهر الحب ، وأن يمنح نفسه ربما للمرة الأخيرة ليلة عشق مجنونة مع مراهقة صغيرة . تساعده على تحقيق غرضه صاحبة بيت لهذه الأعمال يعرفها منذ زمن بعيد ، وتعد له ما أراده : صبية في الرابعة عشر من العاملات الفقيرات في مصنع لحياكة أزرار القمصان . أرادها العجوز عذراء ، لأنه لم يكن يفتش عن ليلة حمراء ، بل عن حب طاهر ونقي ، حتى أنه رقد إلي جوارها مرة واثنتين دون أن يلمسها .

يقع العجوز في غرام الصبية ، ويقول لنفسه : " كنت أعرف دائما أن الموت حبا أمر مسموح به فقط في الشعر ، إلي أن اكتشفت أنني أنا نفسي العجوز ، الوحيد ، كنت أموت حبا " . هذه الصبية الصغيرة تحيل حياته إلي شئ آخر تماما ويغير حبه لها من " التوجهات الروحية لمقالاته الأسبوعية "، ويصبح كل ما يكتبه لها هي ، أيا كان الموضوع الذي يكتبه ، ومن أجلها هي صار يبذل في كل كلمة حياته كاملة ، ويقرأ على سمعها مخطوطاته ، ويحكي لها حياته .

الحب الذي ينشده ماركيز : " ليس الجنس ، لأن الجنس مجرد إرضاء للنفس عندما لا يحصل الواحد منا على الحب" . الحب عنده اكتمال الكائن بنصفه الآخر بالمشاركة والفهم . يقول ماركيز : " لا تموت دون أن تجرب جمال حمل عبء الحب " ، ويقول : " ليس أتعس من الموت وحيدا " ، ولهذا تقول إحدى نساء الرواية : " إنني أنظر الآن إلي الأيام الخوالي ، وأرى طابورا من آلاف الرجال الذين مروا بسريري ، وأجد أنني على استعداد لأن أدفع روحي ثمنا للبقاء مع أسوأ من فيهم " . يحاول ماركيز أن يجعلنا نكتشف معه الحقيقة التي يعرفها منذ زمن ، وهي أن الموت ، والوحدة ، هما قدر الإنسان ، وليس للإنسان سوى الحب يواجه به ذلك القدر، وبفضله يصبح لكل شئ معنى ، حتى وإن كان ذلك الحب " عبئا " .

إن الحب ، أو قصة اكتمال الكائن ، هي أحد الأسرار التي يتحدى بها كل عمل عظيم حركة الزمن . ويدعو ماركيز الناس لكي يدركوا أن عليهم أن يبحثوا عن ذلك الشعور الملهم قبل أن يفوتهم قطار الزمن ، وإلا أصبحت الحياة مجرد زمن " للتقلب على النار ومواصلة شواء النفس " . والأعمال والكتب التي تبقى هي تلك الأعمال التي تدفعك لفتح نوافذك والتطلع إلي السماء بحثا عن نجم يومض بعيدا ، ويلمع وهو يصهر نفسين متباعدتين في بوتقة واحدة ، بحيث يغمرك الندم على كل ساعة مرت في حياتك من دون هذا الشعور الملهم ، ومن دون جمال ، وقلق . من كتب العام الماضي تجنبت الإشارة إلي الأعمال الجميلة التي صدرت عندنا ، لأن التوقف عندها دون غيرها أمر انتقائي بحت . فلنأمل أن يأتي العام القادم بكتب أكثر ، وأجمل .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى