السبت ٢ أيار (مايو) ٢٠٠٩

كيف يمكن قراءة إسرائيل الأخرى؟

بقلم: فايز الباكوري

قليلة هي الدراسات التي تصدر في العالم العربي عن اسرائيل مقارنة مع ما تصدره اسرائيل من دراسات ومتابعات عن العالم العربي. وهذه حقيقة لا يستطيع أن يخفيها أي باحث أو دارس عربي مهما كان موقعه. أضف إلى ذلك أن الاحصائيات الدولية تُشير بخجل إلى أن ما ترصده الحكومات العربية من ميزانيات للبحوث الاكاديمية والعلمية يصل إلى 0.4% فقط من الناتج القومي، بينما ترصد اسرائيل لمعاهدها ومؤسساتها الاكاديمية والبحثية ما نسبته 4.5% من ناتجها القومي. ليست هذه المعطيات لإظهار الفارق فحسب إنما لدق ناقوس الخطر في محافل صناع القرار والاكاديميات العربية لوضع خطة جوهرية وأساسية لدراسة اسرائيل ما دام العرب مقتنعين أنهم سيعيشون مدة طويلة من الزمن في صراع مع الدولة الصهيونية المزروعة في منطقتهم.

وبكوني من المهتمين بالشأن السياسي وخاصة الصراع الاسرائيلي ـ العربي/الفلسطيني قرأت في نهاية هذا الأسبوع كتابا جديدا صدر عن مركز الجزيرة للدراسات والبحوث بعنوان "اسرائيل الأخرى ـ رؤية من الداخل" لجوني منصور. وتبينت في هذا الكتاب أن واضعه لم يترك مجالا وميدانا ذي صلة بالمشهد الاسرائيلي إلا وولجه من باب الوقائع والحقائق الرقمية والبينات، مستندا بمعرفة عميقة، كما يظهر من التعاطي مع المواضيع، على ما يصدر في اسرائيل من دراسات وبحوث ومقالات بصورة جارية يوميا.

وتبينت أيضا أن المواضيع المطروحة ليست من باب الشعارات إنما من باب توضيح ما يجري في اسرائيل وما يتوجب على العرب فهمه من مكونات هذا الكيان السياسي الاستعماري.
وبودي التوقف عند نقاط عدة ومحدودة ليس من باب إغفال أهمية بقية المواضيع، إنما لتبيان اسلوب العرض وكيفية تحليل المواضيع ومتابعة نبض الشارع الاسرائيلي يوميا وساعة بساعة، مما يساعد في فهم منظومة الحياة السائرة في هذا الكيان، وبالتالي السعي إلى التخلص من ظاهرة جهل اسرائيل.

لفتت نظري مسألة التوتر الشديد الذي يسود الشارع الاسرائيلي من قضية الخطر الدمغرافي. ففي حين تعتمد الابحاث العربية عامة مسألة التعامل مع هذا الموضوع من منطلق أن العرب الفلسطينيين سيصبحون الاكثرية العددية في فلسطين التاريخية مما سيساعد على تآكل اسرائيل، يبين المؤلف أن هذا التوجه خاطئ وهو عبارة عن إضاعة للوقت الثمين في التعاطي مع كيان غريب عن المنطقة، وانتظار فرج السماء! يبين أن الامر ليس بهذه الصورة فحتى لدى الفلسطينيين سواء في اسرائيل او في اراضي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة ستشهد تراجعا في الولادات حتى نهاية الربع الأول من القرن الحالي، وستعمل اسرائيل على توجيه موجات من الهجرات اليهودية وغير اليهودية إلى اسرائيل، وهذا ما يؤكده الكاتب بأن ظاهرة الترانسفير تأخذ مسلكا جديا، وأن السياسة الاسرائيلية تنادي بالخوف من تفاقم عدد الفلسطينيين على حساب تفوق عدد اليهود في فلسطين التاريخية. والواقع بحسب وجهة نظري كمتتبع للشأن الاسرائيلي ـ الفلسطيني أن مسألة الدمجرافيا خطيرة بالنسبة لاسرائيل وستجني من ورائها مكاسب سياسية وتعاطف دولي من منطلق ان خطر الزوال يحدق بالشعب المختار،وعلى المجتمع الدولي رعاية شؤون هذا الشعب كي لا تعود مأساة ما تسميه الماكينة السياسية الاسرائيلية بالمحرقة.

أما الموضوع الثاني الذي أود التوقف عنده والإشارة إليه بقوة وهو الأمني/ العسكري الاسرائيلي. يطرح واضع الكتاب جوني منصور تصورا بأن اسرائيل تسير بخطى حثيثة نحو عزل ذاتها عن الفلسطينيين ببناء الجدار العنصري، وبإعادة بناء قوتها الحربية وفق معطيات جديدة في أعقاب هزيمتها في لبنان في عامي 2000 و2006 وعدم تحقيقها منجزات تذكر في عدوانها الآثم على غزة. ولكون الشأن العسكري معقد فإن الملف الايراني يقلق حياة الساسة الاسرائيليين كثيرا ويهدد وجودهم لكونه يكشف مستقبلا عن قوة اسرائيل النووية وعن اصرار اسرائيل لإخلاء منطقة الشرق الاوسط من هذا السلاح الفتاك والابقاء عليه لديها، لتبقى هي صاحبة التفوق العسكري في الشرق الاوسط. لهذا يرى الكاتب أن اسرائيل لن تترك هذا الملف جانبا بل ستسعى الى تنفيذ عملية عسكرية معقدة لضرب ايران، أو لضرب بعض المنشآت النووية فيها، وتحاول جذب بعض الدول العربية إلى جانبها لتكون صورة جديدة بأن الخطر ليس على اسرئايل من النووي الايراني بل على العرب ايضا، وبهذا ستصبح اسرائيل جزءا من الشرق الاوسط الجديد. ولنتذكر ان من طرح هذه الفكرة ما هو الا شيمعون بيرز رئيس الكيان الصهيوني.

أما عن الملف الفلسطيني فيبين الكاتب مضي اسرائيل في عملية تفتيت القضية كما تفعل في تفتيت العالم العربي بخلق نزاعات اقليمية وطائفية ومنطقية بطرق واساليب غير مباشرة مما سيؤدي حتما إلى تراجع خطير في تماسك مشروع الأمن القومي العربي وهو من اهم الضرورات لبقاء العالم العربي محصنا وقويا ومنيعا. وهذا الاستنتاج يصيب فيه الباحث بأن اسرائيل لا يمكنها ان تعيش وسط بيئة عربية قوية ومتحدة بعضها مع بعض، لذلك يكون السعي الى تنفيذ نظرية التفتيت والتمزيق والتي ستؤدي حتما إلى خلق مشاكل وصراعات بين الدلو العربية أو جهات عربية مختلفة. وينوه الكاتب إلى أن اسرائيل تعد العدة لشن سلسلة من العمليات الحربية الواسعة أو المحدودة في عدة مواقع في الشرق الاوسط، بعد ان تبين لها بكل تأكيد أن الجيوش العربية لم تعد مستعدة للحروب، لهذا ستكون حروب اسرائيل ضد منظمات عسكرية كحزب الله ومنظمة حماس في غزة وضد مواقع نووية في ايران أو في غيرها من الدول العربي والشرق أوسطية.

ومن خلال قرائتي للملف الاقتصادي والاجتماعي في الكتاب المشار إليه أعلاه يبين الكاتب أن اسرائيل لن تترك جمهورها يتضور جوعا بالرغم من انها تسير حثيثا نحو خصخصة القطاع العام وتحويل الاقتصاد إلى شركات خاصة محلية اسرائيل وعالمية، إلا أنه يبين أن مظاهر العولمة التي تفشت في اسرائيل تساعد اسرائيل في اخرتاق العالم العربي تحت مسميات شركات اجنبية باستثمارات اسرائيلية، وهذه النقطة باعتقادي يجب ان ينتبه إليها كل سياسي ومسؤول لأنه ساعة سيطرة الاستثمار الاجنبي على الاقتصاد العربي يتحول العرب إلى عبيد ومستأجرين لدى الانظمة السياسية الغربية عامة وامريكا خاصة. واعجبني الربط الذي يقدمه الباحث بين خصخصة القطاع العام وبين تحويل شركات ومصانع اسرائيلية إلى الاردن ومصر وتركيا وشمالي العراق كجزء من الهيمنة الاقتصادية وبالتالي السياسية. وواضح أن نقل شركات خارج اسرائيل سيترك ظلاله على الواقع الاجتماعي في اسرائيل خاصة للطبقات الضعيفة والمتوسطة، وبالتايل ينصب كل الاقتصاد في خدمة الآلة العسكرية، إذ أن موازنة اسرائيل من الاموال والمخصصات للصناعات السعكرية تبلغ نسبا عالية تكون على حساب ميزانيات وزارات وقطاعات اخرى كالتعليم والصحة والبيئة وبالتالي تشهد اسرائيل تآكلا في مؤسساتها الاجتماعية على حساب الإبقاء على قوتها وتفوقها العسكري. وبالرغم من كل هذا فإن الضمانات الاجتماعية لن تجعل المجتمع الاسرائيلي متباكيا.

طبعا يعالج الباحث قضايا اخرى كيهودية الدولة ومركبات الدمقراطية في اسرائيل ومسألة اليهود في العالم والعلاقة بين المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة وبين العرب الذين يعيشون في اسرائيل، إلخ من المواضيع، إلا أنني، كما أشرت سالفا وددت التوقف عند مواضيع مفصلية يطرحها الكتاب لأبين أهميته في كشف صور ومشاهد دقيقة عما يجري داخل اسرائيل وفي اروقة الحكم هناك، وأن أشدد على كون هذا الكتاب مصدر معرفة وتحليل تساعد صانعي القرارات ومتخذيها في العالم العربي للتعامل مع هذا الكيان.

وبناء عليه فإن المعرفة أساس مواجهة المستقبل، والكتاب يضع بين ايدي قراءه رؤى من داخل اسرائيل بهذا الخصوص.

اعتبر أن الكتاب مفيد ومقتضب في ابوابه وعلى الاكاديمية العربية الاستفادة من بحوث بهذا المستوى، وعدم الاكتفاء برصد أو ترجمة. فالبحوث برأينا تستجيب مع متطلبات الأمة العربية، وبدون البحوث لن تتبلور لدينا صورة عن اسرائيل وبالتالي لن نتمكن من مواجهتها، بل بالعكس ستتابع في إظهارنا كمتخلفين وارهابيين.

بقلم: فايز الباكوري

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى