لذة النص وتشظي المعنى
شكل مفهوم «لذة النص» عند رولان بارت امتدادا طبيعيا للتحولات الكبرى التي عرفها النقد المعاصر، ولا سيما تلك التي سعت إلى زعزعة مركزية المعنى الواحد وتقويض سلطة المؤلف بوصفه المرجع النهائي للنص. فالنقد في كثير من تجلياته الكلاسيكية والنسقية، انصرف إلى تتبع الأنساق والبنيات وآليات الاشتغال الداخلي، وظل ينظر إلى العمل الأدبي باعتباره بنية قابلة للتفسير والضبط تستمد دلالتها إما من سياقاتها الخارجية وإما من انتظامها الداخلي، حتى غدا النص موضوعا للشرح والتصنيف والتأويل العقلي. غير أن هذا التصور حسب رولان بارت لم يكن قادرا على الإحاطة بالأثر الخفي الذي يحدثه النص في القارئ، ولا بالعلاقة الملتبسة التي تتجاوز حدود الفهم إلى فضاء الافتتان واللذة والاضطراب.
يتداول الخطاب الثقافي العربي مفهوم «المتن» في نطاق دلالي واسع، غير أن رولان بارت يقف عند هذا المفهوم من زاوية مخصوصة، حين يجاوره بمفهوم الجسد، فيغدو المتن قابلا لأن يتخذ تسميات متعددة تبعا للحقل الذي يدرك من خلاله، فثمة «جسم التشريحيين»، و«جسم علماء وظائف الأعضاء»، و«الجسم المرئي». غير أن بارت لا يكتفي بهذه التحديدات التي تخضع الجسد لمقتضيات العلم أو الإدراك الحسي، بل يضيف إليها جسدا رابعا يتصل بما يسميه «جسم المتعة»، وهو جسد تحكمه العلاقات الإيروتيكية ويتجاوز الوظيفة الفيزيولوجية المحضة. ومن ثم، فإن النص في تصوره لا يدرك من خلال ظاهره المباشر، كما أن اللذة الجسدية لا يمكن اختزالها في مجرد الحاجات العضوية؛ إذ تقوم اللذة النصية على انفتاح النص على مستويات خفية من الإثارة والانجذاب والافتتان. وعلى هذا الأساس، يقيم بارت تنظيرا نقديا يجعل العلاقة بين النص والجسد علاقة تأسيسية، بحيث تغدو القراءة تجربة حسية تتعلق بالرغبة.
ويميز بارت في هذا السياق، بين نمطين من اللذة: لذة عامة ترتبط بالإفراط"في النص وإلى كل ما يتعدى فيه وظيفة اجتماعية وكل اشغال بنيوي"¹ ولذة خاصة تتصل"بجزء من اللذة الكلية، وذلك كلما وجب علي ان اميز بين الابتهاج والامتلاء والراحة، عن الارتجاج والزعزعة والضياع التي تميز المتعة"² ويكشف هذا التمييز عن وعي نقدي دقيق بالفارق القائم بين حالة الطمأنينة الجمالية التي تفضي إليها بعض النصوص، وبين الاضطراب الذي تهبه نصوص أخرى للقارئ، حيث لا تعود القراءة فعل استقرار، بل تصير تجربة خلخلة وتفكيك.
من جانب آخر يلحظ بارت صعوبة بالغة في الفصل الحاسم بين «اللذة» والمتعة»، فقد صرح بنفسه"لذة أم متعة؟ لا زال ثمة تأرجح اصطلاحي ولا زلت أتعثر وأخلط عند التمييز"³ لذلك يطرح جملة من الإشكالات النظرية التي تتقصى الحدود الملتبسة بين المفهومين، فيتساءل"هل اللذة إلا متعة دنيا والمتعة إلا لذة قصوى؟ أفليست اللذة غير متعة لحقها الوهن، وقبلت ثم حرفت عبر تسلسل من المصالحات أم هل المتعة إلا لذة عنيفة مباشرة؟"⁴ وهي أسئلة تكشف عن الطبيعة الإشكالية للمفهومين، وعن تعذر إخضاعهما لتعريف نهائي أو تصنيف مستقر.
حسب بارت يقدم التحليل النفسي مرتكزا رئيسا يؤسس للتعارض القائم بين نص اللذة ونص المتعة "فاللذة قابلة لان تقال والمتعة غير قابلة لذلك. المتعة غير قابلة للقول/تقال في الداخل وهي ممنوعة/ تقال بيننا"⁵ فالمتعة بحسب هذا التصور، تظل عصية على القبض اللغوي الكامل، إذ تنتمي إلى منطقة تتجاوز حدود التلفظ المباشر، بينما يمكن للذة أن تدخل مجال الخطاب والتصريح. وقدم مثالا على ذلك بقولين أحدهما للاكان والآخر للوكير.
ومن هنا فإن الكاتب والقارئ، متى تحررا من أسر المتعة بوصفها تجربة منفلتة من القول، أمكنهما أن يصرحا باللذة وأن يؤسسا ما يسميه بارت «نصوص اللذة». وفي مقابل ذلك يذهب بارت إلى أن النقد الأدبي التقليدي قد انصرف غالبا إلى نصوص اللذة، وأعرض عن «نصوص المتعة، لذلك ظل يعلق على أعمال فلوبير وبروست وستاندال"الذي عُلق عليها تعليقا لا ينفذ"⁶ من غير أن ينفذ إلى ذلك البعد الانفعالي العنيف الذي تنطوي عليه تجربة المتعة.
انطلاقا من هذا التصور، يرى بارت أن النقد ينشغل أساسا ببعدين اثنين: التاريخية والانتقالية، في حين يظل الحاضر الإخباري وفضاء المتعة خارج دائرة اهتمامه. ومن ثم تغدو الثقافة في منظور النقد مادته المفضلة، شريطة أن تكون منزاحة عن راهنية الحاضر.
مسرد المراجع:
¹- ص27 - لذة النص - ترجمة فؤاد صفا - منشورات الجمل.
²- ص27 - لذة النص - ترجمة فؤاد صفا - منشورات الجمل.
³- ص8 - لذة النص - ترجمة فؤاد صفا - منشورات الجمل.
⁴- ص27 - لذة النص - ترجمة فؤاد صفا - منشورات الجمل.
⁵- ص29 - لذة النص - ترجمة فؤاد صفا - منشورات الجمل.
⁶- ص29 - لذة النص - ترجمة فؤاد صفا - منشورات الجمل.
