متنفَّس عبرَ القضبان «182»
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 ؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، ليعرفوا الحقيقة كاملة من مصدر أوّل دون تأويل، وبعدها أتصل بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّب عبد الرحمن عمرو: "ألف شكر لك أستاذ حسن... الأهالي والمهتمون دائما ينتظرون كتاباتك عن زيارات الأسرى... أعانك الله وحفظك... أستاذ حسن كلماتك وطريقة كتابتك عن الأسرى تترك أثراً إيجابياً وعظيماً جداً جدا في مجتمع الأهالي والأسرى وهي كلمات مجد في سجلك وتاريخك المشرف ... الله يفك أسر جميع إخواننا الأسرى".
وعقّب د. جمال أبو نعاج: "جزاك الله خيرا أستاذ حسن، وقد اختارك رب العالمين لتكون رئة المعتقلات في السجن، وحمام زاجل يعبر الحدود لنقل رسائل أمن وأمان إلى أطراف الخبر"
وعقّب الناقد رائد الحواري: "كما يفرح الأهل وتفرح الأسيرات ويفرح الأسرى، نحن القراء أيضا نفرح عندما نقرأ مثل هذه النصوص التي تؤكد تمسك أسيراتنا وأسرانا بالأمل، بالمستقبل والحرية. يعطيك العافية حسن".
وعقّبت الأسيرة المحرّرة د. سرين صعيدي: "الأستاذ حسن الإنسان بقلبه وفكره وضميره قبل وصفه بأي صفة مهنية أخرى، صوت من غيّبوا قسرا عن عالم الشهادة فكان لهم العين الباصرة والصوت الصارخ والنور المنساب في حلكة الظلام بين أقبية الزنازين، والهواء النقي المنبعث من عالم الأحياء للمدافن بين جدران العفن والرطوبة.
برؤيته كنا نشعر بدفء بيوتنا ورائحة أحبابنا المتعلقة بملابسه والمنهمرة في كلامه ورسائله، كانت وما زالت زيارته تستحق كل العناء الذي نلاقيه في الخطوات القصيرة الموصلة إليه، فهي الجسر الواصل بين مدافن الأحياء وعوالم الأحياء، ولحظة انبعاث الروح في الجسد من جديد.
دمت الصوت الصارخ بالحق والضمير الحي بين كل من ماتت ضمائرهم ونبضة القلب بين قلوب لا نبض فيها ولا حياة".
"مُعالجة الدامون"
التقيت ظهر يوم الخميس 22.01.2026 في سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب بالأسيرة هناء محمد حسن البيدق (مواليد 22.1.1978، نوبا/ الخليل، رام الله)، والدة أمير ومحمد وحمزة وحازم، معالجة تقويم عمود فقري ومهندسة حاسوب.
بعد التحيّة أوصلتها معايدة زوجها بشار وأولادها بعيد ميلادها، وأنّهم جهّزوا كعكة شوكلاطة تنتظرها على بوابة السجن، فدمعت عيناها وعقّبت "يا ريت تكون كبيرة وتكفّي لكلّ الصبايا".
حدّثتني بداية عن "قمعة الملاعق" صباحيّة الأربعاء؛ داهمت قوّات (اليماز)، مدجّجة بالسلاح، كل الغرف وصادرت الملاعق البلاستيكيّة لأنهم اكتشفوا أن الصبايا يستعملنها لعمل السلطة. لا أكثر ولا أقلّ!
مراقبة الغرف بالكاميرات 24 ساعة مش صحّي. ناقص لزومات شخصيّة، شامبو، صابون، مواد وأدوات نظافة، بتهرّبوا من الأشياء الصحيّة.
محبوسات 23 ساعة بالغرفة، أسوأ من السيّئ. فش أدوية، نوعيّة الأكل (مش بس الكميّة) سيّئة جداً.
فش فرشاية شعر، عزلوا صبيّة مع رش بالغاز لأنها تأخّرت بالحمام، وعاقبوا صبيّة ثانية لأنّ اسمها كان مكتوب ع البرش (تبيّن لاحقاً أنّه اسم مشابه من حبسة سابقة).
هناء تعالج الصبايا بعد القمعات.
هناء في غرفة 5؛ برفقة لينا وزوز، كرم موسى[1]، مياس عرمان، آلاء عبده وانتصار عواودة.
رهن الاعتقال منذ 07.09.25؛ الساعة 3 الفجر، مداهمة البيت مع قوات كبيرة، لمعسكر بيت إيل، ومنه إلى عوفر، وإلى الجلمة (58 يوم عزل، موت)، ووصلت الدامون يوم 03.11.
طلبت إيصال رسائل للعائلة؛ زوجها بشار: سلّم عليه وبحبّه كثير ومشتاقة له كثير ويطوّل باله على الأولاد، آسفة لأني مش موجودة معهم. حمزة وحازم: ادرسوا منيح واهتموا بمستقبلكم. محمد: ادرس وظل بالدبكة والسباحة ومشتاقة أرجع أصحّيك الصبحيات. أمير: استمر بالرسم وبدّي إياك دايما متفوّق، مبسوطة من الجائزة الدولية.
سلام لكل إخوتي وأخواتي، مبروك عُمرِة فاطمة وجوزها، ومبروك لمحمود ولادة الحفيدة آية. وسلام خاص لأخوات زوجها ولإخوته محمد وعيسى وعبد الله ويحيى. ولكل صغار العيلة، فرداً فرداً.
طلبت إيصال رسائل الصبايا لأهاليهن؛ شيماء خازم، ميسر هديبات، هناء حماد، سالي صدقة، انتصار عواودة، لينا وزوز، بنان أبو الهيجا، حنان البرغوثي [2]، ياسمين شعبان، ولاء طنجي، أسيل حماد وشيرين الحمامرة.
وطلبت إيصال سلامات لصاحباتها؛ شادن ومها ووفاء وميساء وفريق "إمشي تعرّف على بلدك".
حين افترقنا قالت: "يجب تدويل قضيّة الأسرى".
"فش ملابس ع مقاسي"
بعد لقائي بهناء أطلّت الأسيرة نائلة إبراهيم جميل سراديح (مواليد 10.11.1970، عين سلطان/ أريحا) بخطى متثاقلة.
حدّثتني بداية عن الاعتقال؛ 24.12.25، عالعشرة ونص بالليل، داهم الجنود البيت، طلّعوني دفش ببوز النمر وزتّوني على أرضيّة الجيب، عندي دِسكات بالرقبة وبالعمود الفقري وبالركب، ومقدرتش أرفع إجري عالسيارة، وزني 148 كيلو، دفشوني دفش. وبعدين صاروا يتمسخروا: نُطّي، نطّي ويضحكوا. معاملة سيّئة جداً. نيّموني برّا بالبرد، وثاني يوم أخذوني ع الشارون، المعاملة سيئة جداً جداً، تفتيش مهين غصباً عنّي، مع تهديد (إذا بترفضي بندخّل جنود عليك).
انتزعوا بالقوة سنسال ذهب، إسوارة فضّة وحلق ذهب. شلّحوني مشبك الشعر والعباية. 5 أيام بالشارون، بدون حرام ولا شي.
نائلة في غرفة 4؛ برفقة ولاء طنجة، شيماء أبو غالي [3]، شاتيلا أبو عيادة، بنان أبو الهيجا، آمنة سويلم، يمامة الهرينات، سلام كساب وسهير زعاقيق. (شيماء وولاء وشاتيلا بناموا ع الأرض).
حدّثتني عن "قمعة الملاعق" صباحيّة الأربعاء؛ مبارح سحبوا كل الملاعق من الغرف. كيف بدنا نوكل؟
فش ملابس ع مقاسي. الصبايا خيّطوا من الحرامات أواعي ع شان ألبس.
ما بعطوني أدوية رغم الأمراض.
سلّم على الكل وطمّنهم عليّ.
بطريقي للمغادرة أطلّت من غرفة الانتظار قائلة: "وصّل ولادي، صلّوا وادعوا لي"
"ضحكة الحريّة"
بعد لقائي بهناء ونائلة أطلّت الأسيرة اليمامة إبراهيم حسن هرينات (مواليد 19.12.2002، يطا/ الخليل)، طالبة غرافيك.
حدّثتني بداية عن الاعتقال؛ يوم 08.09.2025، السادسة صباحاً، اقتحمت البيت قوّات كبيرة مدجّجة بالسلاح، اقتادوني لمعسكر كريات أربع، ومنه إلى المسكوبية، 38 يوم رعب برعب، تخلّلها 3 تحقيقات، ليلة بالشارون كلها مدافشة، ومنها إلى الدامون.
أوصلتها سلامات العائلة والصديقات؛ رسالة والدتها "بحبك حب ما بعدو حب ديري بالك على حالك إن شاء الله تطلعي بسلامه بستني بهاذ اليوم اللي أشوفك فيه عملتلك ثوب حلو كثير عشان تلبسيه بس تطلعي أورانج على بيج مع أخضر والزنار أطلس على كم وسط"، وروان: "حبيبتي يمامة اشتقتلك كثير يا سلطانة "يا ناطح الجبل الأشم بقرنه ... رفقاً بقرنك لا رفقاً على الجبل"، وسجى "يا شعشبونة اشتقتلك كثير"، فضحكت وقهقهت لسماعها. ليش صارت أمّي محضّرة فستان الترويحة؟ مين حكالها إنّي مروّحة بكرا؟". ضحكة الحريّة.
ليش ملّفي مش مفتوح 5 أشهر بدون ما حدا يفحصه؟ ليش الملف مع محاميّة جديدة؟
حدّثتني عن "قمعة الملاعق" صباحيّة الأربعاء؛ مبارح سحبوا كل الملاعق من الغرف لأنّهم اكتشفوا إنّا عملنا فيها سلطة، وعن التفتيشات والمضايقات والمسبّات، ونقصان الأواعي.
اليمامة في غرفة 4؛ برفقة بنان أبو الهيجا، سلام كساب، سهير زعاقيق، شاتيلا أبو عيادة، شيماء أبو غالي، نائلة سراديح، ولاء طنجة وآمنة سويلم (شاتيلا وشيماء وولاء بناموا ع الأرض).
حفظت سورة آل عمران وانتقلت لسورة النساء. معنويات عالية (مع ضحكة وابتسامة عريضة).
سلّم على أبوي (كثير مشتاقة، والبنات صاروا ينادوني: يا بنت علايا) وإمّي وإخوتي وطمّنهم عليّ. جداً مشتاقة، ما يقلقوا عليّ من البرد. وعلى بلقيس وبراءة (انبسطت بشوفتها بالمحكمة، ما توقّعت. رجعت معصّبة ع شان موضوع المحامية. المترجم صار يترجم بيني وبينها وتضايقت كثير). سلموا كثير على إبراهيم ابن أخوي (البنات صاروا يعملوا زيّو – شهيق/ زفير)، آية/ أيّوش وعبود (كثير بوسات) وعاصم وشاهين وياسمين وزيد الصغير (ما شفتُه! ديروا بالكم على موضوع المحامي ع شان ما يصير معي زيّ إيمان.
طلبت إيصال رسائل الصبايا؛ إباء الأغبر، شيماء أبو غالي، آلاء عبده، ماسة غزال [4]، فرح أبو عياش (بدها تفاصيل قضيتها)، سالي صدقة (بدها إمها تيجي ع المحكمة بشال أزرق)، بشرى قواريق، بنان أبو الهيجا وحنان/ أم عناد.
بطريقي للمغادرة قالت: "تنسوناش".
لكُنّ عزيزاتي هناء ونائلة واليمامة أحلى التحيّات، والحريّة لكن ولجميع أسرى الحريّة.
الدامون/ حيفا كانون الثاني 2026
[1] تحرّرت كرم موسى يوم 24.06.26
[2] تحرّرت حنان البرغوثي يوم 14.05.26
[3] تحرّرت شيماء أبو غالي يوم 26.04.26
[4] تحرّرت ماسة غزال يوم 26.02.26
