السبت ١٢ شباط (فبراير) ٢٠٢٢
بقلم نجيب طلال

محطة الشمال «تلك باريس»

أغلب المدن الأوروبية، تتوفر على محطات قطار تبهر إلى حد بعيد بجماليتها واتساعها وخدماتها وحركتيها الدؤوبة، لكن ل(محطة الشمال/ Gare du Nord) التي تم بناؤها سنة 1864 نكهة خاصة، نكهة تاريخية تهدف لإبهار كل من يرتادها من أول نظرة، أما في حقيقة الأمر، تبهر كلما مررت منها، تفرض عليك التأمل في واجهتها التي تبدو كلوحة تشكيلية، هذا إن كنت ذواقا أو فنانا مبدعا أو عاشقا للمعمار وزخرفه، بالإضافة إلى تاريخها العريق الذي تنطق به جدرانه وتماثيله التسعة (09) المنتصبة بشموخ في أعلى واجهة محطة، تبدو للمرء أنها زينة وتزيين، لكن تلك التماثيل لم توضع ولم تطرح عبثا، بل ترمز إلى (08) مدن أوروبية رئيسية، والتي يربطها القطار، من هذه المحطة. وأما التمثال (التاسع) المتمركز وسطا، يرمز إلى مدينة باريس، لكن بكثرة الازدحام والحركية الدؤوبة، لا تكتشف الوجه الخفي للمحطة، لكن تلمس في ساحة بوابتها الكبيرة، سماسرة يتربصون بك من أجل تقديم خدمات متنوعة، كاقتناء سيارة الأجرة، أو عملية الصرف وتبادل العملة، أواقتناء شقة في فندق، إذ لا تفرق بين هذا فرنسي أم إفريقي أم روماني أوإيطاليا، بألبسة مختلفة بين الأناقة والأسمال، لكن أغلبهم يتسكعون ويتسولون بين مدرجات المحطة وخارجها، رغم المراقبة الشديدة للشرطة الإقليمية والبلدية،ومظاهر الحياة المتفردة التي تضم العباد بعضهم ينتظر قطاره، وبعضهم يترقب وصول أبنائه أو أحد أقاربة والبعض الآخر يرتكن للراحة واستغلال ’’الويفي’’ المسترسل مجانا، لكن حقيقة المحطة التي تكشف عن الوجه الآخر لباريس، وعن واقعها البئيس، جولات متكررة ليلا، لترى وتعيش ما لم تعيشه نهارا! آلاف السكارى المدمنين والمهووسين بالكحول والخمرة ومشتقاتها الفتاكة للأمعاء والشرايين، يتحركون بين جنبات المحطة شرقا وغربا، سكارى ومتشردين ينامون بين زوايا أبواب المحطة وغيرها ويفترشون الإسمنت أوعلى البلاستيك أوالورق المقوى ! ومخبولين نساء ورجالا منتشرين بشكل مريب ومخيف في محيط المحطة، في كل الفصول! وبعضهم يحمل أمتعته كأنه مسافر، وليس بذلك.

تلك باريس، فمحطة الشمال/ Gare du Nord: تعج بالمئات من نماذج بشرية غـريبة الأطوار، والسلوكات، ترميهم منطقة) باربيس/ Barbés) أومنطقة) لاشابيل/ Lachapelle) أو منطقة (كوت دور/ Goutte d’Or) تعيش مكرهة بين جنبات المقاهي والحانات والمطاعم المجاورة أو المواجهة للمحطة، وما بداخلها لأسباب مختلفة، تحاكي واقعها اليومي المرير، في عزلة عما يحدث من حولها. ولكن يقتاتون من"حسنات"و"إكراميات المارة والمسافرين، والعجيب في الأمر، أن هنالك قاعتين للمسرح (مسرح لابوصول / Théâtre la Boussole) قريبة جدا من المحطة، والأخرى من خلفها بأمتار (Théâtre des Bouffes du Nord) محترمين ولا وجود لمتسولين أو متشردين يحيطان بأبوابهما، هل هنالك صرامة في إبعادهم، أم طبيعة الحياة الباريسية تفرض احترام قاعة الفن والإبداع؟ فالسؤال المطروح، يأتي في سياق، ليس هنالك احترام لبوابة الكنائس المنوجدة بين الأزقة والشوارع؟ ورغم هذا الواقع المقلق، في فضاء باريس، هنالك جمعيات مدنية واجتماعية، تحضر قبل طلوع الفجر بسيارة تحمل كل أنواع الفطور، لتقدمه كمساعدة للمعوزين والفقراء والمشردين، الذين يتجولون وينامون و يتخذون من المحطة وكرا(أو) أوكارا، لحياتهم.

فعالم المتشردين ومختلي العقل والمتسولين والمدمنين على الخمور بباريس، ظاهرة خطيرة وفي ازدياد مضطرد، نتيجة التطور الحضاري والاتساع العمراني والتحولات الاقتصادية وضغوطها. وبالتالي فالسلطة الباريسية لا تخفي هاته الحقائق ولا تخيفها هاته الظاهرة، أو تحاول نفيها، بل كثيرا ما تستغلها علنا. عبر صور فوتوغرافية أو تشكيلية، طبعا من خلال الجمعيات والتي تقوم بعرضها في قاعة البلدية أو في الساحات العمومية وغيرها. والأروع: فالعَـوائد المالية لتلك المعارض تعود للمتشردين والمتسولين، بطرق من الصعب أن أفهمها، لأنها شأن خاص لمدينتهم أو محيطهم.......


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى