من تراثنا العريق
عقدة الحب… من مرسى البحر إلى ذهب الذاكرة
كان البحر في الوجدان الجزائري أكثر من ماءٍ وأفقٍ أزرق؛
كان امتحانًا للقلوب، وميدانًا للشجاعة، ومساحةً للانتظار الطويل.
كانت النساء يقفن عند المرافئ، يحدّقن في الأفق، يلوّحن بصمتٍ لسفنٍ تحمل أبناءهن وأزواجهن نحو المجهو، وهن يرتدين الحايك الأبيض الجزائري الذي كان يرمز للسلام والحب والعفة.
في القرن السادس عشر، زمن ازدهار البحرية الجزائرية وهيمنتها في البحر الأبيض المتوسط، كانت السفن الجزائرية تجوب مياهه بقوةٍ وحضورٍ لافت. وقبل الإبحار من المرافئ، كان البحّارة يعقدون الحبال بعقدةٍ متينة، يثبتون بها السفن، ويتركونها علامةً رمزية تعبّر عن وفائهم لزوجاتهم وحبيباتهم.
لم تكن تلك العقدة مجرد تفصيلٍ بحريّ، بل كانت عهدًا صامتًا بالعودة؛ كأن البحّار يربط قلبه بالشاطئ كما ترتبط السفينة بمرساتها، وفي زمنٍ كانت فيه الرحلات طويلة ومحفوفة بالمخاطر، أصبحت العقدة رمزًا لثبات المشاعر، ووعدًا لا تفكّه العواصف.
ومع مرور الزمن، تحوّلت تلك العقدة من حبلٍ يشدّ السفن إلى شكلٍ جماليٍّ يشدّ القلوب. استلهم صاغة الذهب في القصبة العتيقة، تشابكها القوي، فصاغوه في الذهب، وصنعوا منه قلادةً حملت اسم "عقدة الحب الجزائرية ".
صارت قطعة الذهب هذه تختزن معنى الوفاء والارتباط الذي لا ينفصم، تمامًا كما في البحر، حيث تعني العقدة الأمان والثبات.
وقد تحوّلت "عقدة الحب "المستلهمة من العقد البحرية المتوسطية إلى رمز جمالي عالمي، فظهرت تصاميمها في الأزياء والإكسسوارات في السينما العالمية، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، عبرت "عقدة الحب الجزائرية "حدود الوطن، حتى ظهرت في أحد أفلام توم كروز، حيث ارتدتها الفنانة العالمية صوفيا هيلين من هوليود ونُسب اسمها آنذاك إلى هذا الطراز الساحر، في دلالة واضحة على أن الحُليّ الجزائري قادر على أن يلمع في أكبر فضاءات السينما العالمية.
وفي القرن التاسع عشر، انتقلت "عقدة الحب الجزائرية "مع الحِرَف والمهارة إلى الضفة الأخرى من المتوسط، حين أخذها الفرنسيون نموذجًا يُعاد إنتاجه في ورشاتهم، بعد أن بهرهم تفنّن صاغة القصبة في صنعها ودقّة نقشها، حتى صارت قطعةً تُصهَر في أفرانهم، لكن بروحٍ جزائريةٍ خالصة
ومع ظهور "عقدة الحب الجزائرية "في السينما العالمية، ارتفعت الطلبات على هذه العقدة المميّزة بشكل لافت، وأصبحت محطّ اهتمام دور الأزياء ومحالّ المجوهرات، بعد أن كانت حِكرًا على الأعراس الجزائرية والبيوت العتيقة. وهكذا تحوّلت من حُليٍّ تراثيٍّ محليّ إلى قطعة مرغوبة عالميًا، دون أن تفقد روحها الأصيلة
ومع تزايد الإقبال عليها، لم تبقَ "عقدة الحب الجزائرية "حبيسة القلادة، بل تحوّلت إلى تصاميم متعدّدة، فانتقلت من العنق إلى الأصابع والأذنين، لتُصاغ منها خواتم وأقراط تحتفظ بنفس الرمز المتشابك الذي يجمع بين الحبّ والوفاء. وهكذا أصبحت قطعةً عالمية الشكل، جزائرية الروح، مشهورة في أنحاء العالم رمزًا يتجاوز الزمن؛ قطعةً من ذهبٍ في العالم… لكنها في الذاكرة الجزائرية قطعةٌ من روح البحر
رمضان 2018.
