الخميس ١٥ آب (أغسطس) ٢٠١٣
بقلم موسى إبراهيم

نساء 7

(30)

شَعَرَتْ بالفرحِ حين جلس إلى جانبها، دسّت جَسَدها النحيلَ في المقعد، وانزلقت قليلا للأسفل كي تراقبه بصورة أوضح، لا يشبه ذلك الذي غادرها منذ عامٍ مخلفاً وراءَه فتاةً عاشقةً مفجوعةً بحبِّها المزيّف..بعد أن غادرها..فسقت عن أمر الحب..وانحرفت في عقلها الباطن عن فكرة العيب والحرام..كسرت في عقلها الباطن حاجز التعرّي أمام الرجل..وسمحت للشهوة بأن تمر عبر عقلها الباطن إلى حيث تشاء...وقتما تشاء..ما زالت تظهر العفة للمحيط الخارجي..أراح على المقعد وغرق في نوم عميق ..هي تراقب وهو يصفر شخيرا ..مال رأسه نحوها..إنجذبت أنوثتها نحوه..قررت أن تنام كي تلاحقه في أحلامه..عله يراها..غفت..رأت حلماً .. سريراً وشرشفاً أبيضاً..هي وهو .. والشيطان ينتظر.. حملت منه ثم استيقظت عندما وصلت الحافله..استيقظت بكامل رونقها..لا تشعر بتأنيب الضمير ولا ذنب الشرف..كان قد غادر .. إكتأبت..أصيبت بالحيرة..
قالت في عقلها الباطن: "الحمد لله على نعمة الأحلام"

(31)

تكوّمت فوقَ سريرها، كأنّها سربُ حمامٍ أبيضٍ سقط في شِبَاكٍ ضيّق، تنتفضُ غضباً وحزناً، ذاك الرجل الأهوج، اقترب منها وظلّ يحدّق فيها حتى ذابت خجلاً، فانزلقت قدمها وجُرِحَتْ. غداً لن أنظر إليهِ أبداً، سأتجاهل نظراته الشهوانية إلى عباءتي السوداء! في اليوم التالي خرجت من مصلّى النساء بعد صلاة العشاء، تبحث عن السيارة بين أكوام من السيارات، صادفته في طريقها إلى السيارة، مصادفة كانت سيارته متوقفة إلى جانب سيارتها، اقترب منها بهدوء ثمّ لمس جسدها بيده، فاستشاطت غضباً وسخطاً عليه، وركلته بساقها ثم صرخت فيه ووبّخته كثيراً، لم يعر المصلّون اهتماماً لهذا الموقف! ذهبت في اليوم التالي إلى شيخ الحارة تسأله: يا شيخ .. هل يجوز أن أصلّي في بيتي..؟ فأنا أخشى على نفسي من الزنا. فأجابها بالرفض، كيف تترك الصلاة وهي فريضة! خرجت ليلتها إلى صلاة العشاء كعادتها، أوقفت سيارتها، همّت بالخروج منها، لولا أن تداركها فما أن انتبهت حتى كان جالساً بجانبها في السيارة، خافت على نفسها، حاولت الخروج من السيارة أقفل الأبواب وأمسك بها بين ذراعيه. في صباح اليوم التالي، أصدر شيخ الحارة فتوى تسمح للنساء الحسناوات اللاتي يخفن على عفّتهن وشرفهنّ من الوحل أن يقرنَ في بيوتهنّ.

(32)

قذفتهُ الحياةُ إلى قارعةِ الحظّ السيء، فالتهمهُ الضياعُ ولاكَ أحلامَهُ حُلُماً حُلُماً، كانتْ أحلامه تُهرَسُ بينَ فكّي حظّهِ السيّء حُلُماً يتلوهُ حلمٌ حتّى فقدها كلّها. هي متسوّلة، ترتدي عباءةَ الحزنِ والفقرِ والهمّ والجوعِ ومسؤوليّة إطعام إخوتها السبعة، تغرِقُها الشّمسُ كلّ يومٍ بشلّالاتها الحارقة، صيفٌ كافِرٌ لا يعرف الرحمة، تماماً مثل هؤلاءِ الذين يمرّونَ بجانبها بسياراتهم الفارهة ولا يتنازل أحدهم لإلقاءِ نظرة شفقة أو قرشاً واحداً حتى. جمالها الربّانيّ لم يشفع لها أمامَ الحياة والقدر، لأنّ الحياةَ لا تعيرُ انتباهاً لجمالِ امرأة، ولا لجيبِ رجل. مرّ بسيارتهِ القديمة وتوقّف مصادفةً أمامَ إشارة المرور الحمراء، نظرَ إليها، نظرت إليه، إبتسمَ ابتسامةَ من يعرفها منذ زمن، خافت وانتظرت يدهُ حتى تخرجَ من النافذة، من نظرةٍ أولى ظنّت أنّه مختلفٌ عنهم، هو أدنى وأخطر، هو أشرّ من مرّوا بها مذ أن اتخذت هذا المكانَ محراباً لصلواتها اليومية بين يديّ الحياة، هذا هو الجزاء، ذَكَرٌ يشتهي جَسَدها المُنهَك بالتعبِ والحرّ والعرقِ وفحش الخذلان. أنزلَ نافذة السيارة، ومدّ إليها يدهُ، مضمومةً كانت، كأنّه يخبّئ لها صَدَقة. أقبَلَتْ تزحفُ عباءتها خلفها وكأنّها تجرّها للخلف، خوفاً عليها وخوفاً منه، أو حرصاً على غبار الرصيف الذي اعتاد خيوطها وانتشى بسوادها. مدّت يدها تنتظرُ الهدية، فُتِحَتْ يدهُ السمراء، كانت رسالة .. كُتِبَ فيها: "هل تَقبَلينَ الزواجَ من رجلٍ لا يملكُ في هذه الدنيا إلا صوراً لكِ يلتقطها في كلّ صباحٍ ؟ يخبّئ الحنين لكِ خوفاً من رائحة التسوّل وحرصاً على سمعةِ العائلة وذِكرى حبيبةٍ خائنة"

(33)

العيد يأتي كالمطر، لا يفرّق بين فقيرٍ وغنيّ، إنه كرم الله على عباده، ربّما كانت هي الطفلة الوحيدة في هذا الحيّ المزدحم بالأطفال السعداء بقدوم العيد، كانت الطفلة الوحيدة التي لم يهديها العيدُ الفرح كما أهداه للجميع. صباح يوم العيد، استيقظت على أصوات المصلين في المساجد يكبرون ويهللون، اللهُ أكبرُ كبيراً .. والحمدُ للهِ كثيراً .. تساءلت هي بطفولتها البريئة: "كيف يكون الله أكبر ..؟" لم تجد إجابة، خرجت إلى الشارع، ثيابها ليست جديدة، لم يوقظها والدها ويقبّلها ويهديها شيئاً في العيد، لم توقظها والدتها وتهديها قبلة العيد، إنها الطفلة اليتيمة، التي لم ترَ والديها منذ وُلِدَت. في الشارع حيث يسكن فرح الجميع وعلى وقع صوت المفرقعات وأغاني الأطفال ترحيباً بالعيد، في الشارع حيث يتسارع البشر إلى عيد ربّ البشر، كانت تقف وحدها، تُسنِدُ ظَهرها للاشيء، تهرول روحُها خلف ضحكاتهم، تكاد تلتقط فرحة، لكنها دائماً تفشل، حزنها يقف لها بالمرصاد، يُتمها الكافر يتربّص بها، جلست القرفصاء، أسلمت لكفّيها وجهَهَا وأنصتت لفرح من بعيد، ما زالت تسمع "اللهُ أكبرُ كبيراً"، مرّت السيّدة الثريّة بجانبها، لم تكترث لها، غابت خلف باب منزلها الكبير، وأغلقته. إعتدلت الطفلة، همّت بالرحيل، ودّعت الفرح من بعيد، شتمت العيد، تفلت في وجه الصباح، لعنت اليُتم، ومضت إلى مخدعها أسفل الجسر، تعثّرت قدمها بورقة زرقاء، نقود بقيمة لم تحلم بها يوماً، إلتقطتها والتفتت يمنة ويُسرةً لم ترَ أحداً، ضمّتها إلى صدرها، أخفتها في جيبها، وأكملت طريقها .. أوقفها الفرح : "كلّ عامٍ وأنتِ بخير .." إعتذر لها اليُتم، تجمّعت السعادة إحتفاءً بها، هتف العيدُ : "اللهُ أكبَرُ كبيراً"


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى