هويّة الكاتب ودوافعه وأساليبه في كتابة القصة القصيرة والرواية
أبدأ بالحديث عن أهداف الكاتب من كتابته، وهو حديث له علاقة بهوية الكاتب، ثمّ امضي إلى الحديث عن صياغات الكاتب وأساليبه في هذه الصياغات وما يؤثّر عليها.
أهداف الكاتب من كتابته:
ما الذي يريده الكاتب حين يكتب؟ لماذا يكتب؟ ماذا يريد كاتب القصّة القصيرة من قصّته؟ ماذا يريد كاتب الرواية من روايته؟ الشاعر ماذا يريد من قصائده؟ لا شكّ أنّ هناك أكثر من هدف لكلّ كاتب، ولنقل ثلاثة على الأقلّ: أوّلا أن يحقّق ذاته فيما يكتب، حيث تحقيق الذات هو في قمة هرم ماسلو للحاجات. هناك عدّة أنواع من تحقيق الذات، وهذه الأنواع تتعلّق بهويّة الكاتب ومركّبات هذه الهويّة. كلّ اهتمام من اهتمامات الكاتب له تحقّق ذات مميّز ومختلف عن غيره. هناك ذات مهنيّة وهناك ذات معرفيّة وهناك ذات أدبيّة، مع إمكانيّة الالتقاء بين هذه الذوات.
الهدف الثاني هو الكتابة عمّا يشغل تفكيرك ووجدانك، مثل الكتابة عن الوطن أو عن التاريخ أو عن قضيّة اجتماعيّة أو عن المحبوب. الكتابة عن الوطن تزداد لدى الشعب الذي لم يأخذ حقوقه بعد، ولذلك يخرج منه كُتّاب يطالبون بهذه الحقوق، ليس فقط كتابا سياسيّين ومجتمعيّين وصحافيّين، بل أيضا الأدباء الذين يكتبون القصة والرواية والشعر. الكتابة عن التاريخ قد تكون تذكيرا بالأمجاد القوميّة، وبالتالي هي دعوة للاهتمام بالحاضر وللعمل على تحسينه. هنا أشير إلى أنّ لي رواية، في الطباعة لدى دار النشر الشروق، تطرق موضوعين من المواضيع السابقة، الوطن والتاريخ، فموضوعها هو تاريخ الشعب الفلسطيني في الداخل، من سنة 48 حتى بداية التسعينات من القرن الماضي. أيضا، هناك رواية سوف تمضي إلى دار النشر قريبا وموضوعها هو التاريخ الكنعاني بتقاطعه مع الحاضر. الهدف الثاني يمكن أن يرتبط بالانتماء، وخصوصا عندما نتحدث عن الوطن أو التاريخ، ويمكن أن يرتبط بالهويّة فهو يتعلق بما يشغل تفكيرك ووجدانك، هو يتعلّق بمن أنت.
الهدف الثالث من الكتابة هو أن يقرأك الآخرون، فتصبح معروفا لديهم. كم هو مهمّ أن يقرأ نصوصك الناس؟ الآخرون؟ من هم الآخرون الذين تريد أن يقرأوك؟ المحيط القريب؟ المحيط الأوسع؟ العالم العربي؟ العالم؟ أم أنّ طموحك لأن يقرأك الآخرون يتدرّج؟ يُسأل السؤال هنا: هل هو طموح فقط أن يقرأك الآخرون أم هو أيضا شرط من شروط تحقق ذاتك؟
الهدف الثالث من الكتابة يمكن أن يرتبط برغبتك في التواصل مع الآخر، وبإحداث أثر لديه، أو بجعله يستمتع بقراءة نصك كما يناقش فيالهو (Fialho, 2019)، حيث تذكر أن الدور التحويلي للأدب هو في المعاني الخاصّة التي يعطيها للقارئ الذي قد بتماهى مع أحداث النص الأدبي، فيصبح جزء من النص، بل يدخله، شاعرا أنّه أحد الأبطال.
بالإضافة إلى ما تقدّم، يمكن ربط الطموح، ضمن الهدف الثالث من الكتابة، بالهدف قبل الأخير من هرم ماسلو، وهو "الحاجة للتقدير" وأهمّها الإحساس بالمكانة، والحاجة هي بالأساس حاجة اجتماعيّة.
الحاجة للتقدير ترتبط بقضيّة أخرى من الممكن أن يهتمّ فيها الكاتب، وهي خلوده. هل يجب أن يهتمّ الكاتب بخلوده؟ هذا هو أحد مواضيع المجموعة القصصيّة "الكتابة على جسد من بلّور"، مثلا في قصّة "خلود الكاتب".
ماذا نعتبر الخلود بالإضافة إلى أنّه امتداد لتقدير الكاتب لنفسه؟ كثيرون في التاريخ أرادوا الخلود، وقسم منهم، إن لم يكن أغلبهم، لم يكونوا كتّابا. يبدأ جلجامش، بعد موت صديقه أنكيدو، بعد أن قتلا الثور السماوي، بالبحث عن الخلود، فيذهب إلى اوتنابشتم الذي حصل على سرّ الخلود. ماذا أراد جلجامش من الخلود؟ أن لا يأكله الدود مثلما أكل صديقه أنكيدو؟ أم أن يبقى حاكما لأوروك ومتحكّما فيها وفي ناسها؟ هل رغبته في الخلود هي شخصيّة أم اجتماعيّة؟
على ماذا يدلّ كون الشخص مهتمّا بخلوده؟ هل يريد أن يشبه الإله؟ هل من فرط تقديره لذاته يريد أن يبقِي نفسه على قيد الحياة لكي يفيد الناس. ماذا يريد الكاتب من خلوده؟ أن تبقى كتبه على لسان النّاس؟ في عقلهم وتفكيرهم؟ أن يبقى تأثيره على الخلق وعلى وجدانهم وأفكارهم؟ أن يكون أبا الطيّب المتنبي؟ كما في قصّة "خلود الكاتب".
لنقرأ الأسباب التي أعطاها أحمد أمين لنشر كتابه "فيض الخواطر" (صفحة 1):
هذه مقالات نشربعضها في مجلة «الرسالة» وبعضها في مجلة «الهلال» وبعضها لم ينشر في هذه ولا تلك. استحسنت أن أجمعها في كتاب؛ لا لأنها بدائع أو روائع؛ ولا لأن الناس ألحُّوا عليَّ في جمعها، فنزلت على حكمهم، وائتمرت بأمرهم؛ ولا لأنها ستفتح في الأدب فتحًا جديدًا لا عهد للناس به؛ ولكن لأنها قِطَعٌ من نفسي أحرص عليها حرصي على الحياة، وأجتهد في تسجيلها إجابةً لغريزة حبِّ البقاء، وهي — مجموعة — أدل منها مفرَقة، وفي كتاب أبين منها في وفي «أعداد».
ثم لعلي أقع على قراء مزاجهم من طبيعة مزاجي، وعقليتهم من جنس عقلي، وفنهم من فني، يجدون فيها صورة من نفوسهم وضربًا من ضروب تفكيرهم، فيشعرون بشيء من الفائدة في قراءتها، واللذة في مطالعتها، فيزيدني ذلك غبطةً ويملؤني سرورًا.
نرى أنّ أحمد أمين يريد أن يحقّق ذاته في قوله: «ولكن لأنها قِطَعٌ من نفسي أحرص عليها حرصي على الحياة، وأجتهد في تسجيلها إجابةً لغريزة حبِّ البقاء». من ناحية أخرى، قوله هذا يبين رغبته في خلود نفسه، إذ يتحدث عن غريزة حبّ البقاء. يتحدّث أحمد أمين أيضا عن رغبته في أن يقرأه الآخرون، ويتأمل أن تجد نصوصه صدى في نفوسهم وأن تفيدهم.
الكاتب والناقد، والكاتب والقارئ، والكاتب والناس هي مواضيع مجموعتي القصصيّة "الكتابة على جسد من بلّور". اهتممت في هذه المجموعة أن يظهر كل الفاعلين في القصّة والقصّ، من كاتب وراوٍ وقارئ وبالتأكيد الناقد. تهتمّ المجموعة القصصيّة بعدّة قضايا: كم يهتمّ الكاتب بالناقد؟ لماذا يهتمّ فيه؟ ما هو دور الناقد في التشجيع او عدم التشجيع على قراءة نص الكاتب؟ ما هو دور الناقد في انتشار نصّ الكاتب، وبالتالي في حاجة الكاتب للتقدير وكذلك في حاجته إلى تحقيق الذات؟
صياغات الكاتب:
قضيّة أخرى يمكن طرحها في هذا المقام، ولها علاقة بما سبق من أسئلة وأجوبة ممكنة عليها، هي: كيف تحدث صياغة الكاتب لنصّه؟ نفرّق هنا بين المؤثرات على هذه الصياغة وبين الصياغة نفسها. أكاد أكون واعيا لما يؤثر على صياغتي، وبنفس الوقت أكاد أكون غير واع لعمليّة الصياغة نفسها. أنا واع مثلا أنّي أريد دورا للمرأة فيما أكتب، أنّ لغة الكلام يجب أن تلائم الشخصيّة في القصّة أو الرواية، أنّ الرواية يجب أن تضمّ أنواعا مختلفة من التمثيلات. بنفس الوقت، أنا غير واع لآليّة كتابتي لمينى الجملة في النصّ. أعود مرّة وأخرى وثالثة للنصّ وأدقّقه، وأغيّر وأحوّل وأبدّل، في دورات قد تزيد أو لا تزيد.
أتساءل: هل الكتابة هي وحي؟ وهنا نسأل أيضا: ما هو الوحي، أعني وحي الكاتب؟ سؤال ضروري أيضا هنا هو: هل الكتابة يجب أن تأتي بعد تخطيط وتصميم، ثمّ البدء بالكتابة، ثمّ تفكير ما وراء، ثمّ تحسين؟ هل الوحي يتأثّر بالتخطيط، وبالعكس؟
لا يمكن تخطيط كلّ شيء قبل كتابة النصّ الأدبي، كما أنّه لا يمكن انتظار الوحي حتى يأتي فيكتب الأديب. البعض يحدّد خطوات واستراتيجيّات الكتابة، مثل بارووي ورفاقها (Burroway et al., 2019) الذين يقترحون آليات واستراتيجيات كتابة، مثل الاحتفاظ بمجلة كتابة او الكتابة الحرة أو كتابة أولى ثمّ تحسين.
في هذا السياق، يُطرَح السؤال أو السؤالان: كم وكيف يساهم الراوي في كتابة القصّة؟ أعني إلى جانب كاتب الرواية. كيف يؤثر الكاتب على الراوي؟ وبالعكس، كيف يؤثّر الراوي على الكاتب؟ أيّ تأثير يوجد لشخصيّات القصّة على الكاتب وعلى الراوي؟
يمكن القول بأنّ كتابة القصّة والرواية والشعر هي كتابة مركبّة وتساهم فيها عدّة عوامل، ومنها هويّة الكاتب، معتقدات الكاتب، طريقة كتابته، والنوع الأدبي الذي يكتبه.
أنا أخطّط تخطيطا أوّليّا للموضوع، مثلا، بالنسبة لرواية "الأحلام تخرج من مخبئها"، خطّطتُ أن تكون الرواية عن العائلة، وبشكل خاصّ عن جدّتي أو على الأقلّ أن تبدأ بجدّتي وترجع الأحداث إليها عبر الرواية. هذا التخطيط هو أوّلي. حبكة الرواية تتحدّد بمسارين، يتوازيان أحيانا ويتقاطعان أحيانا أخرى، المسار الأوّل هو التخطيط الأوّلي، والمسار الثاني هو لحظي، أقصد لحظات الرواية وتقدّم أحداثها. في المسارين يشترك في التحديد عدّة أشخاص، كما ذكرت سابقا، وهم الكاتب والراوي وشخصيّات الرواية. في حالة الرواية التي نتحدّث عنها، الكاتب حدّد موضوع الرواية، وهو العائلة وكذلك التاريخ، تاريخ العائلة، وبشكل أدق تصور الكاتب لتاريخ العائلة.
بدأت بكتابة رواية "الأحلام تخرج من مخبئها" قبل سنوات، وعندما رجعتُ إليها حذفت ثلثها على الأقلّ واستبدلته بنصّ آخر وأحداث أخرى. بدأت بالعائلة الصغيرة ثمّ توسّعت إلى العائلة الكبيرة، ثمّ دمجت الصغيرة مع الكبيرة. إن كان هناك تخطيط لهذا الدمج فهو تخطيط يقع على الحدود بين الوعي واللاوعي.
بما يتعلّق بالتخطيط، أردت في البداية أن أكتب عن إحدى الجدّات، ولكن يبدو أنّ الجدّة الأخرى استدعت نفسها، أو أنّ الكاتب استدعاها بسبب العلاقة التي ربطتهما في الواقع، أو انّ الراوي استدعاها بسبب اهتمامه بقصّ قصّة الجدّات. لم يستدعها الراوي وحدها بل استدعى أمّها التي ما زالت نفسها السابقة أو الباقية تسكن مكانها الأوّل في عرابة البطوف. امكانيّة أخرى هي أنّ الشخصيّة الرئيسيّة في القصة هي التي استدعت الشخصيّات بناء على الأحداث التي حدثت لها خلال الرواية. هل يمكن القول بأنّ أحداث الرواية في مرحلة معيّنة تستدعي أحداثها في مرحلة أخرى؟
مراجع:
أمين، أحمد (2012). فيض الخاطر، الجزء الأوّل. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. القاهرة.
Burroway, J., Stuckey-French, E., & Stuckey-French, N. (2019). Writing fiction: A guide to narrative craft. University of Chicago Press.
Fialho, O. (2019). What is literature for? The role of transformative reading. Cogent Arts & Humanities, 6(1), 1692532. https://doi.org/10.1080/23311983.2019.1692532.
