وضْعُ الشيء مواضعه
هل قرأت شيئاً للجاحظ ؟
إذا كان ذلك، فلا بدّ أنك عرّجتَ في مطالعتك على قصّة - معاذة العنبريّة -،بطلة إحدى قصص بخلاء الجاحظ . ولعلّي اذكّر بها على سبيل الفائدة والموعظة والظرافة ، ولِما فيها من تقارُب مع ما سأسرده بعدها من حيث الفكرة ، بالرغم من بعض التبايُن.
معاذة هذه أهدى إليها أحد أقربائها أضحية، لم تدرِ كيف تفعل بها. وهي حريصة كلّ الحرص على أن تضع الشيء مواضعه، دون إضاعة لأيّ جزء من تلك الأضحية، فرأت أن القرن يُجعل كالخطّاف، والمصران لأوتار المندفة، والعظام فإنّها تكسر وتُعرّق ثمّ تُطبخ، وما ارتفع من الدسم فإنّه للمصباح والأدام والعصيدة وغير ذلك، ثمّ تؤخذ العظام فيوقد بها، والجلد والصوف ففيهما وجوه كثيرة، أمّا الفرث والبعر فحطب عجيب إذا جُفّف، أمّا الدم فلم تدر ما تفعل به.
وهي عالمة أن الله ما وضع شيئاً إلا وفيه فائدة ، ثمّ لاحت لها بارقة فكرة عجيبة، وهي أنها ستلطخ القدور الشامية بها، وذلك لتزيد من قوّتها.
ومضى على أضحيتها تلك ستة أشهر، وسُئلت عن قديد الشاة. فأجابت: لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم
المعرّق معاش، ولمّا يأت وقت القديد بعد.
هذا عن معاذة، ولكن ماذا عن صاحبنا الذي أراد التقرّب إلى الله بأضحيته، عندما سُئل عن كيفيّة توزيع أضحيته. قال: لعائلة أبي محمّد قسم منها وذلك لأنّهم قدّموا لنا في العيد الماضي - فخذاً –برمّته، ولا أريد أن تكون صحيفتي سوداء عند زوجته، التي ما فتئت تذكّرنا وبشكل غير مباشر بالذي قدّمته لنا يوم أضحية زوجها، والقسم الآخر – لفطّومة – فهي لم تذق طعم اللحم منذ زمن، و - لقدريّة - التي تصرّ على أن تتناول الحساء صيفاً شتاء فقط، وحرّمت على نفسها أكل اللحم، وذلك لأنها عندما ذهبت مع زوجها مرّة إلى المدينة، وأكلت الشواء شعرت على إثر ذلك بدوار في رأسها، ولذلك أرغب في أن تتعوّد أكل اللحم، عسى ألاّ تشعر مستقبلاً بصداع في رأسها، وكذلك لعمّتي ولخالتي ولأبي حسين ...
هذا عن صاحبنا الذي أراد المثوبة من الله بتوزيع أضحيته على أقاربه، والأغنياء من أصحابه، دون الاهتمام بالفقراء المساكين الذين هم أحقّ بها من غيرهم، فهل وضع الشيء مواضعه.
وصورة أخرى أثارت انتباهي، هي صورة رجل تقادم في السن، ما رأيته مرّة إلاّ وهو مرتدٍ ثوباً، قد حرص كلّ الحرص على زخرفته وتوشيته، بقطع شتّى تتنافر مع اللون الأساسيّ للثوب، حتّى أني كنت أقع في حيرة لمعرفة اللون الأساسيّ للثوب، حتّى الحذاء أصرّ صاحبنا على رقعه بألوان زخرفيّة متنوّعة. وإن سألته عن سرّ افعله، لأجابك قائلاً: ليس باليد حيلة، فأولادي، نأوا عنّي وبَقيت بمفردي ، وزوجتي لا حول لها ولا قوّة، وما وجدتُ أحداً اقترب مني، وأعطاني بعض النقود، لأسدّ بها رمقي على أقلّ تقدير. هذا ما يجيبك به، وإن أطلتَ من طرح الأسئلة عليه، فإنه ينتفض واقفاً، ويبتعد عنك، وهو يتمتم بكلام لا تستبين معناه، وإن أردت أن تعرف نظرة الناس له، فهي ليست إلاّ نظرة ازدراء واحتقار، لشحّه الشديد، ونكرانه جميل الناس الذين يمدّونه بالأموال واللباس وغيرذلك . فهل وضع صاحبنا هذا الشيء مواضعه؟
هذه الصورالثلاثة بالرغم من التباين الذي فيها، لكنّها ترتبط ببعضها بسمة واحدة، ألا وهي البخل، جعلتني أغبط الجاحظ لانتقائه لصورة معاذة وغيرها في كتابه البخلاء، وجعلتني أرى أنّ معاذة تمثُل أمامي لكنّها بثوب رجل وأن أدعو بأن يجيرك الله ويحميك ونفسي من البخل.
