الخميس ١٠ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٠
بقلم جميلة شحادة

يحدث في البنك

كنتُ أجلس أمام موظفة البنك لتنهي لي معاملة ما، لكنْ لم يكنْ بالإمكانِ إنهاء المعاملة قبل أن تسرقَ كلٌ منا دقائقَ من وقت الأخرى لنتجاذبَ فيها أطراف الحديث في الخاص والعام. وكيف لا؟! وقد ربطتني بها علاقة صداقة متينة لم يستطع مرورُ الوقت ان يُكلِح ملامحها، ولا حادثات الزمن أن تقوِّض متانتها. كان الوقت يسمح لنا بالحديث والدردشة؛ ففي ساعات ما بعد الظهر، وفي يوم لا يصادف تاريخُه الأول من الشهر ولا العاشر ولا العشرين، يسود مبنى المصرف قليل من الرتابة، وبعضٌ من الهدوء لقلة الوافدين اليه. بعد عشر دقائق من الدردشة التي لم تخلو من الضحكات، بدأت صديقتي سلام تحدثني عن إجراءات المعاملة التي جئت للبنك من أجلها، وتطلعني شفويا على بنودها المكتوبة على 4 صفحات بحروف تحتاج لعدسة مكبرة لقراءتها. وافقت على بنود المعاملة، ومسكت القلم الذي أمامي لأوقع الأوراق، فقطعت عليّ ذلك موظفة أخرى من ذات القسم في المصرِف خطَتْ نحونا بخطوات رشيقة، وعلى ثغرها ارتسمت ابتسامة عريضة. كانت تحمل بيدها هاتفا ذكيا من نوع "آيفون"، تنظر الى شاشته تارة، وتنظر نحونا تارة أخرى، الى أن وصلتنا. إنها آمال، أكثر موظفي المصرِف أقدمية، وقد حازت على ودِّ زبائنها واحترامهم لها لحسن تعاملها معهم، ولتواضعها مع جميعهم. لا يذكر أحد أن بشاشة آمال غابت يوما عن وجهها، حتى مع هؤلاء الذين عبستْ أحوالهم المادية فقطبوا جباههم في وجوه الجميع ولم يسْلم من عبوسهم حتى اولئك العابرون بالقرب من خيالاتهم.

ربتتْ آمال، المبتهجة، عند وصولها إلينا على كتفي بيدها وحيّتني، وبيدها الأخرى ناولتْ الهاتف الذي كانت تحمله لصديقتي سلام. نظرت سلام الى شاشة الهاتف وانفرجت أساريرها عن ابتسامة عذبة، ثم مدّت يدها لترجع الهاتف لآمال وهي تقول:

ما أحلاه! وقبل أن أسمع بقية كلامها، كانت آمال قد أعطتني الهاتف لأشاهد بدوري الصورة الظاهرة على شاشة الهاتف. نظرت الى الصورة، دهشتُ، وقلت بصوت خفيض:

- واو، فعلا حلو. لمَن؟ لابنتكِ؟

فأومأت آمال برأسها نحو صبية رقيقة تركتها تجلس أمام مكتبها في المقصورة الزجاجية المجاورة لمقصورة صديقتي سلام، لحين انتهائها من عرض الصورة علينا.
كانت الفتاة تجلس بهدوء، تنظر باتجاهنا هي الأخرى، وابتساماتها لا تفارق ثغرها. حسبتُ أنها طالبة في المرحلة الثانوية لنحول جسمها، والبراءة التي نمَّت عن تقاسيم وجهها. لكن آمال كشفت وَهم ما حسبته. إنها طالبة جامعية في السنة الأخيرة من دراستها لموضوع الاتصال في جامعة حيفا. قالت آمال.

عدتُ أنظر الى الفتاة. كانت جميلة، شعرها أسود حالك، فاقت حلكته حلكة ليل شتاء عاصف، فأظهرت هذه الحلكة لون بشرتها أكثر بياضا وبدا وجهها كأنه بدر يضيء عتمة الليل.

قالت آمال، وقد أومأت برأسها، مرة أخرى، الى الفتاة:

- للتوِّ أنهيت لها معاملة بقرض قيمته 12000 شيكل، جاءت تطلب قرضا من أجله.
ازدادت دهشتي وقلت بصوت يشبه الهمس:
- أَلأجله تستدين المال؟
وتابعتُ قائلة والدهشة ما زالت مسيطرة عليّ:
- هذا المبلغ يساوي قيمة رسوم سنة جامعية واحدة.
- نعم صحيح. قالت آمال وتابعت:
- لكن ما الغرابة في ذلك؟ إنها تحبه. إنه كما ترين، كلب جميل ومن فصيلة نادرة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى