شهادة «أم جميل» الفخرية

، بقلم جورج سلوم

آهٍ يا كاتيا..ويطلبون منك الكثير

يطلبون منكِ أن تكبري وأنت أكبر منهم جميعاً

- ما هكذا تجلس المرأة!..

هكذا قلن وقالوا...

قبّحكم الله جميعاً.. كاتيا بعفويتها تجلس كيفما تريد.. وجلوسها أجمل وأشرف وأصدق من جلساتكم الكاذبة

هي إن فردت ساقيها للريح ببراءة الطفلة.. لا تعرف أنّ عيونكم الشيطانية تخترق تنورتها الحمراء..

وهي إن حكّت ساقها فالسبب أن ساقها تحكّها فقط..حكّة انفعالية..حكة طفلية وطفولية قد يكون سببها طفيلي أو ناموسة داعبتها..هي لا تثير غرائزكم ولا تلقِ بالاً لما يدور في خلدكم..لا تريد إغراءكم ولا إثارتكم..وتحكحك ساقها كأي إنسان نائم في فراشه وتحت شراشفه وبين يدي خالقه فقط

كاتيا أظافرها شفافة كأي طفل.. وقصيرة ومقضومة بأسنانها تحت رحمة الخجل.. أظافرها طرية وغير ملونة.. مشرشرة الحواف.. ولا تعرف ظفراً اصطناعياً ملصوقاً فوق جيفة ظفر قاس تختبئ تحته كل الموبقات.. لذلك حكّتها غير مخرّشة.. ولا تجرف أظافرها زيف المراهم والمطريات الجلدية المتراكمة.. اتركوها تحكّ بشرتها الغضّة بسلام وشفافية الأطفال تقولون لها:

- ماهكذا تضحك المرأة..ماهكذا تأكل بوجود الرجال..ما هكذا تمشي..

يريدون إعادة صياغتها وقولبتها بالشكل الذي يريدون.. يريدون نقلها من طفلة بريئة إلى امرأة مغناج بين ليلةٍ وضحاها.. يريدون تحويلها وتجهيزها وتحضيرها لتكون زوجة وبينها وبين الزواج أشواط وسنوات ومراحل بكت كثيراً عندما نتفوا شعيرات ساقيها بعقيدة السكّر.. وحلقوا تحت إبطيها.. ألمٌ كثيرٌ يا ماما.. آه لماذا تعذبينني هكذا؟.. ولكن الآه يبتسمون لها مقتنعين أنهم يعملون لمصلحتها.. يريدون تنعيمها وتلميعها..لتجهيزها للهدف الأعظم.. الزواج هم مستعجلون.. ولا يريدون طبخها على نار هادئة..يريدون تحويل البنيّة ذات الأربعة عشر عاماً لإمرأة متكاملة جاهزة

دهنوا وجهها بالمساحيق..لفلفوا شعرها كما يليق..

صارت أكبر..وأطول بالكعب العالي عندما وقفت أمام المرآة لوحدها..فرحت بالشفاه الحمراء الجديدة..والرموش الثقيلة..أعجبتها لمعة البشرة في الساق الصقيلة..

صارت كاتيا يومها امرأة جاهزة (للاستعمال)!

وصارت تخجل من أبيها إن غيّرت ملابسها فتغلق الباب..صارت تدقّ الباب على أبويها النائمين في الفراش..ولا تفتح حتى يفتحون لها..لأنها صارت تحسب حساباً لما يجري في غرف النوم المغلقة كانت فيما سبق تحب أن تنام بين أبويها..تحسّ بالأمان والدفء..كانت تظن أنهما ينامان مع بعضهما ليلعبان فقط قبل النوم..واليوم تعرف أنه غير مرغوب بها بينهما..
صارت تنام لوحدها..وتقفل بابها على نفسها..

صارت كاتيا كما يريدون..امرأة جاهزة..(للاستعمال)..

صارت تتفرّج على أفلامٍ عاطفية..وتقرأ كتباً رومانسية..صارت تحلُم أحلاماً من نوع آخر..ليست طفلية..أحلاماً تنجب الأطفال أمها تسحبها إلى المطبخ للتعلم..فنون الطبخ أهم من المدرسة على ما يبدو..وعمل القهوة وطريقة تقديمها للضيوف أهم من أي واجب مدرسي..
وصديقات أمها ونظراتهن الفاحصة والعلامات التي يسجّلنها في دفاترهن..أهم من علامات كل المدرّسات في المدرسة..وشهادة حسن السلوك تأخذها من الجيران وليست من ناظر المدرسة ما عادوا يسألونها عن واجباتها المدرسية اليومية..

عندنا ضيوف اليوم على العشاء..استعدي للمواجهة ولو كان عندك امتحان في الرياضيات غداً..هذا الامتحان بين الضيوف أهم يا كاتيا على ما يبدو

سنذوق القهوة من يد عروستنا..هكذا طلبت أمُّ جميل

كاتيا كما علّموها وقدّمتها على صينية الفضة..وشربوا وقالوا..عسل..لأنها وضعت إصبعها في القهوة..وهي لم تضع إصبعها حضنتها أم جميل وقبّلتها مراراً..أجلستها بجانبها..قامت أيضاً بتحضيرها..يومها شمّت رائحة أم جميل وعرفت أنها تختلف عن رائحة أمها..وعرفت في قرارة نفسها أنها ينبغي أن تعتاد على الرائحة الجديدة وعندما عرّفوها على جميل (الذي تمّ تحضيره مسبقاً)..وجدت فيه رائحة أمه وأجلسوها بجانبه على سبيل التجربة..وقالوا:

- سبحان الله..خُلقا لبعضهما..إنها إرادة الخالق لقد تم تجهيز كل شيء للهدف المبرمج..الزواج
و شهادة أم جميل هي الهدف وليست الشهادة الإعدادية!

علّقوها على جدرانكم كوسامٍ تربوي تفخرون به..وشهادة أم جميل لا تحتاج أختاماً وتوقيعاً من وزير التربية..ففيها بصمات أمها وجدّتها تراجعت كاتيا في مادة الرياضيات..وأصبحت علامات أم جميل أكثر أهمية من كل المواد العلمية والأدبية في الصيف القريب..كانت الزغاريد قوية وطاغية على مسامعها في ليلة الزواج..ولم تسمع زغاريد جارتها التي نجحت ابنتها في الإعدادية أصبحت كاتيا امرأة وزوجة كما يريدون وعندما زارت بيت أهلها بعد شهر من الزواج..بحثت عن كتب المدرسة في مكتبتها فلم تجدها..

كانت الغاية من المدرسة أن تتعلم القراءة والكتابة فقط كما يبدو لتقرأ كتاب (فن الطبخ)
وكتاب (كيف تسعدين زوجك) وصفحة الأبراج..

الغاية من المدرسة أن تتعلم كيف تكتب على صفحة الفيس بوك..والواتس أب..وكفانا إبداعاً
وأن تساعد ابنها القادم في تعلم الأحرف الأبجدية فقط..ليغدو رجلاً مثقفاً في الصف الثالث الابتدائي وأن تعيد الكرّة في تجهيز ابنتها القادمة للزواج..اعتباراً من الحيض الأول!

وكل البيوت العربية فيها لوحتان محفورتان في الوجدان..من لم يكن كأبيه لا خير فيه..والجرّة تقلبونها على فمها فتكون البنت كأمها

مبروك عليكم..شهادة (أمُّ جميل) الفخرية


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف