الأحد ٢٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٩
بقلم فتحي العابد

بومباي عبرة التاريخ

الزائر المتامل لمدينة "بومباي" Pompei الإيطالية، والواقعة بالقرب من مدينة "نابولي" Napoli، لن يجدها مجرد قصة من قصص التاريخ أو سجلا تاريخيا لقطع أثرية نادرة، ولكن قوالب أجسام سكانها، أو تماثيلهم الإسمنتية بعد أن حلّ الغبار البركاني محل الخلايا الحية الرطبة لهن، تدل على آيات الله في الدنيا التي مازالت حية بيننا..
بومباي المدينة الرومانية التي عاشت في عهد الإمبراطور "نيروني" Nerone، والبالغ عدد سكانها 200.000 نسمة،40% منهم عبيد، كانوا أخر الخلق الفاسدين بعد قوم لوط. يقول المورخون أن هاته المدينة مع مدينة "إركولانو" Ercolano دمرهما بركان "فيزوفيو" Vesuvio القريب منهما عام 74م، واستمر حوالي 19 ساعة، وكان التدمير بطريقة غريبة، حيث بقي كل شيء في بومباي على حاله، فالجثث التي ظهرت خلال التنقيب عليها على نفس هيئاتهم وأشكالهم، وأهلكهم الله سبحانه وتعالي على مثل ما هم عليه، وهنا تأتي الإشارة القرآنية الرائعة لهذا الأسلوب من أساليب العذاب.. قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ يس67. قال البغوي في تفسير هاته الآية: "لو نشاء لجعلناهم حجارة، وهم قعود في منازلهم لا أرواح لهم".
أهل مدينة بومباي كانوا يمارسون الزنا والشذوذ حتى مع الحيوانات بعلانية أمام الأطفال، وفي كل مكان ويستنكرون من يتستر، وكانت توجد بها بيوت للدعارة في كل مكان، وتنتشر غرف صغيرة لممارسة الرذيلة لا يوجد بها سوى فراش، حتى إن الباحثين اليوم يعتبرون أن فن الخلاعة قد بدأ في هاته المدينة، وفجأة انفجر عليهم البركان وتساقط الرماد عليهم كالمطر ودفنهم تحت 75 قدم في أقل من جزء من الثانية.
حتى أن "فرانشيسكو الأول" Francesco I di Borbone ملك الصقليتين، صدم بما رآه من رسومات إباحية، عندما زارها مع زوجته وابنته عام 1819، واعتبرها مخالفة لاحترام الآداب العامة، ومن ذلك اليوم يحجر على الأطفال زيارة بعض الأماكن بسبب الرسومات الإباحية على الجدران، وحولت اليوم إلى معرض خاص مغلق لا يسمح بزواره باصطحاب الأطفال.
يقول عالم الآثار والبراكين "جيوزابي فيورالي"Giuseppe Fiorelli : أن أهل بومباي أحيطوا بموجة حارة من الرماد الملتهب تصل درجة حرارتها إلى 500 سيليزية، بصورة سريعة جدا حيث غطت 7 أميال إلى الشاطئ، وتظهر الجثث على هيئاتها وقد تحجرت الأجساد كما هي، وبكل الأوضاع بشحمهم ولحمهم.
كما أن الصور الملتقطة بطريقة المسح CT scanning التي ابتكرها جيوزابي فيورالي عام 1863، والتي تعتمد على إنتاج مقاطع متتالية يمكن دراستها والتعرف على ما بداخل المتحجرات.. أظهرت أن الحالة الصحية لأسنان الموتى كان جيدا، مما يعكس نظامهم الغذائي المعتمد على الخضار والفواكه والأغذية الصحية..
يتجلى لك وأنت تتجول بين مابقي من هاته المدينة المدفونة تحت الأرض، كيف تحولوا هؤلاء إلى حجارة في مكانها.. لدرجة أن أحدهم كان متكئا فلم يستطع النهوض.. وآخر كان جالسا فلم يستطع القيام... وعائلة تحجرت بكاملها وهي تتناول طعامها في تلك اللحظة، وهذا بسبب المفاجأة في العذاب وسرعة دفنهم في هذا الرماد البركاني الذي حولهم إلى حجارة نراها بأدق تفاصيلها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى