الثلاثاء ١٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩
بقلم سلوى أبو مدين

حصار الشقاء


من بين تلك الجموع الغفيرة التي كانت تقف على قارعات الطريق ظهرت ملامح قزم صغير ببشرة خمرية محترقة وملابس بالية، يحمل في يده قطعة قماش ممزقة متسخة وهو يجوب الطرقات بقدمين حافيين!

عند أول منعطف كان يستجدي أصحاب العربات ليتح له فرصة لمسح زجاجها.

وفجأة ظهرت عربة كبيرة فخمة المظهر ذات لون أسود قاتم فُتح زجاجها الخلفي وأخرجت منها يد سيدة تحمل أوراق نقدية همست للصغير فأقبل بخطى سريعة يلهث ويمد كلتا يديه لتناول المبلغ لم تصدق عيناه ما رأى ضم النقود الورقية إلى صدره وعاد مسرعاً إلى حيث كان يقف.

مرت لحظات عصيبة تحت حرارة الشمس القائظة ، وهو ساكن مكانه ينتظر إشارة من أحد السائقين.

كان منظر الصبي يدعو للشفقة فيداه الصغيرتان متسختان وشعره المسترسل على وجهه يكسوه الغبار!

وبين فينة وأخرى كان يمسح العرق المتصبب على وجهه بقطعة القماش المتسخة!

استرسل الصبي الصغير في حلمه الذي لم يدم سوى هُنْيهة وإذا برجل طويل القامة يرتدي سترة ذات لون بني فاتح يطلبه على الفور، فلم يتردد الصغير وهو يلبي النداء والسعادة تغمر وجهه الطفو لي.

فأشار الرجل بإصبع يده الطويلة إلى زجاج العربة المتسخ.. عندها فهم الصغير أنه يدعوه إلى مسح الزجاج.. فشمر عن ساعديه وقبض على قطعة القماش المتسخة بيديه الاثنتين وهو يأخذها يميناً وشمالاً ثم انتقل إلى الزجاج الخلفي..‍ ‍

بينما وقف الرجل ذو القامة الطويلة أمام حانوت يشتري منه بعض المستلزمات. ‍

لم تمر سوى لحظات حتى فرغ البائس من تنظيف الزجاج المزعوم غير أن المكافأة التي حصل عليها لم تكن في الحسبان فقد انطلقت صفعة مدوية على وجهه وصرخة استغاثة من الصبي المسكين عندما نظر الرجل إلى عربته فوجدها قد ازدادت اتساخا أكثر مما كانت عليه

وبدلاً من أن تصل يد الرجل إلى جيبه ليقدم له أجره كانت الصفعة هي الأجرة التي حصل عليها!

قفز بعدها الرجل هائجاً موبخاً يلعثم بكلمات كثيرة غير واضحة، بينما انهالت الدموع من عينيّ الصغير الكسيرتين!

وهو يبتعد رويدا رويدا عن مكانه المعتاد الذي كان يقف فيه كل يوم.

لم تكن هذه المواقف غريبة على الصغير إلا أنه اعتادها قبل ذلك.

ولكن المفاجآت التي تحدث كانت تسبب ألماً في نفسه.

مر يوم وآخر وغاب الصغير عن المنعطف الذي اعتاد الوقوف فيه كل يوم يستجدي هذا وذاك.

ولقد تبدل نمط الحياة التي عاشها البائس المتسول.. ورمت به الظروف إذا اصطحبه أحدهم ليعمل لديه في (مقهى شعبي) فغمرت الفرحة الصبي، وهو يحاول أن يبدو مقبول المظهر بحذائه القديم الذي غاصت فيه قدماه، والذي يبدو أكبر من حجم قدميه ورتق ملابسه، كان يستجيب لطلبات رواد المقهى بابتسامة حزينة منكسرة.

وبينما كان منهمكاً في عمله، استدعاه رجل ذو وسامة واضحة ومظهر أنيق؛ وهو يمد إليه يده بباقي النقود المعدنية.

فقد أشفق عليه مما رأى من المذلة والاستعطاف وحدثه بصوت خافت: دع ما تبقى لك.

استدار الصبي الصغير؛ في ارتباك وهمس: أرجو ألا يعلم صاحب المقهى بذلك فإنه سيحرمني أجرتي هذا اليوم وربما قام بطردي فأنا كنت أعيش حياة المتسولين وأنام على أرصفة الطرقات أرجوك يا سيدي ألا تفعل!

ُصدم الرجل وهو يستمع لكلمات الصبي الواجفة
!
كان الفتى في كل ليلة بعد أن ينهي عمله، يأخذ مكانا منزوياً في أحد أركان المقهى متلحفاً قطعة خيش قديمة ويتوسد ذراعه الصغيرة ويغط في سبات عميق من شدة الإجهاد والتعب.

وفي صبيحة اليوم التالي يستيقظ عند آذن الفجر ينفض ملابسه الرثة يمسح وجهه، ويبدأ عمله المعتاد برش المقهى بالماء وإعادة ترتيب كراسيها.

وسرعان ما يبدأ المقهى بالازدحام ورواده لا يكفون عن طلب المزيد من الشاي والقهوة والماء البارد والصبي الصغير يصغي للأوامر التي تنهال عليه دفعة واحدة، فيسرع وهو يجر قدميه المتعبتين بحذائه البالي الممزق!

أما صاحب المقهى فكان يتابع الصغير بعينيه العدائيتان ويراقبه بحذر ويتحين الفرص حتى يقع من الصبي زلة أو غلطة بسيطة، كي يعاقبه عليها.

في ذاك الحين اختفى الرجل الوسيم مدة من الزمن عن ارتياد المقهى الشعبي، الذي اعتاد أن يشرب فيه قهوته الصباحية.

وبينما كان الفتى منهمكاً في تلبية الطلبات وجد في زاوية المقهى شخصا ما يبتسم إليه فسرعان ما بادر برد الابتسامة لكنها كانت منكسرة.

فدعاه الرجل بصوت خافت قائلا: كيف حالك؟

صمت الصغير عندها وأجاب بعينيه اللامعتين بخير ، خشية أن يسمعه صاحب المقهى.

فقال الزبون: أريدك هذا المساء بعد أن تنهي عملك.. هل تستطيع؟

ـ وانتظر إجابة من الصغير !

غير أن الفتى أومأ برأسه وفهم ما يرمي إليه الرجل.

كان الرجل الوسيم قد فقد ابنه منذ سنوات، الذي راح ضحية حادث عندها شعر بمشاعر خفية تجاه.. الصبي الصغير، ولربما رأى فيه صغيره الذي فقده مبكراً.

غزت الفرحة ملامح الفتى غير أنه أخفاها في صدره خشية أن يراه صاحب المقهى العدواني الذي يجهر بصوته المخيف الأجش وهو يدعوه بكلمة يا هذا بدلا من مناداته باسمه!

لا سيما عندما يتعثر المسكين في خطاه فيجد ما لم يكن في الحسبان من التوبيخ والتقريع واللطم أحياناً!

أسدل الليل ستاره وأطفأت مصابيح المقهى في تلك الساعة المتأخرة
!
كانت تلك الليلة ذات قمر بازغ والسماء قاتمة إلا أن ضوء القمر جعلها تبدو منيرة وضاءة
.
خيال شبح صغير تسلل من مخدعه بعد أن أغلق أبواب المقهى، واتجه نحو الطريق العمومي وهو مرتبك يتلفت يمينا ويسارا

وبعد برهة من الزمن ظهرت قسمات رجل ذي وسامة واضحة.. حي الصبي الرجل بابتسامة فردها وربت على كتفه.. وقدم إليه كيس أزرق اللون كان يحتوي على سترة جديدة وحذاء، وضعهما ذو القلب الرحيم وقدمهما إلى البائس، الذي لمعت عيناه من شدة الفرحة وتردد في بادئ الأمر من أخذهما، ولكن بعد أن ألح عليه الرجل أخذهما وقدم ابتسامة شكر وعرفان لصاحب المعروف الذي غمره بعطفه وإحسانه..

وعاد مسرعاً حيث المقهى حتى لا يراه أحد!

لم يذق الفتى المحروم طعم النوم من شدة فرحته وقلبه يقرع أشبه بطبول متواصلة.

كان يتأمل ما بداخل الكيس، فمرة يرتدي الحذاء وأخرى يمسحه خشية أن يتسخ.. وكان يفعل ذلك مرات عديدة .. وبين المرة والأخرى يرتدي السترة التي كانت تبدو أكبر من جسده النحيل .
مرت ساعات طويلة وهو يتأمل تلك العطايا.. حتى غلبه النعاس فتوسد كيسه وغط في نوم عميق!

لم يدرك الصباح في ذاك اليوم حتى شعر بوميض حزمة ضوء تتجه نحو عينه اللوزيتين أفاق من نومه خائفاً مذعوراً.

فوجد قامة ضخمة تقف أمامه أعتقد في بادئ الأمر إنه مازال مسترسلا في حلمه وانه اصطدم بجبل شاهق.

وما أن أمعن النظر... حتى رأى صاحب المقهى الرجل الغليظ يقف عند رأسه، وهو يكاد ينفجر من شدة الغيط.. ويدعوه للوقوف على الفور!

ارتعد جسده الصغير وأخذ يعتذر ويتوسل ويبرر تأخره في الاستيقاظ، لأن الوقت داهمه فلم يشعر به.

غير أن صاحب المقهى.. لم يعير أي اهتمام لكلماته، والتي كانت تخرج متقطعة مرتعدة .

وكانت نظراته تحمل حنقا، وهو ينظر باتجاه الكيس الأزرق الذي توسده الفتى.

وفجأة انقض بجسده العملاق على الكيس الذي كان يتوسده البائس مثل طير جارح يريد أن يلتهم فريسته.

فقبض الصغير عليه بيديه الصغيرتين وضمه إلى صدره.

غير أن الجسد الضخم استطاع بقوته يأخذ الكيس وفتحه ليرى ما بداخله.

أخذ المسكين ينظر للرجل، الذي كانت عيناه يتطاير منهما الشرر وهو يعدد سترة، حذاء جديد وماذا أيضا؟

وألقى بهما في وجه الصغير المعدم!

صرخ بصوته الأجش: إنك لسارق؟

لماذا تعمل عندي .. ما دمت تملك كل هذا؟ يا لك من محتال كبير!

سترى شيئا لم تره طيلة حياتك.. أيها المشرد المعدم.

تلعثم الصغير وهو منكمش: ثم أردف هذه حسنة

قالها: بذعر شديد!

صدرت ضحكة عالية من صاحب المقهى ارتج لها المكان.

وألقى بالكيس في وجه الصبي الصغير.. ثم جذبه من ملابسه الممزقة.. وأخذ بكل قواه يصفعه حيناً ويركله أخرى، ثم ألقى به خارج المقهى!

توسل الصغير وهو يبكى بين يديه غير أن محاولاته باءت بالفشل!

عاد المحروم بإحساس أجوف يجوب الطرقات العامة يلهث تحت حرارة الجو القائظ يمسح جبينه ويستجدي أصحاب السيارات يطلب عطفا وإحساناً.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى