الأحد ١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦
بقلم عبد الكريم الزيباري

نسق التتابع المتوازي لعتبات النفي الرافضة - منال الشيخ أنموذجاً-

في قصائد الحداثة لا تجد شيئاً أكثر من الرفض، فالشعراء في أبراجهم العاجية غير راضين بهذه الحياة التي يقتات الإنسانُ فيها على أخيه الإنسان، لكل نصٍّ عتبة، ولكلِّ عتبة صورة تعقبه، وللصورة والعتبة خطين متوازيين في ذاكرة المتلقي، ومن عتبة إلى عتبة تنتقل الشاعرة بصورة مدهشة، كأنَّها تمشي على الماء، وفي انسحابي إلى الأمام وصعودي إلى الأسفل، نَطَطتُ بخفة على أوراق الشجر، وواصلتُ الهبوط ببطء، فتعثرتُّ بنص منال الشيخ(ليست شجاعة) [1]، حدث لي شيءٌ غريب، شبيهٌ بما حدث لدانتي أثناء سفرته، كوميديا الإنسان وكوابيسي ليست أحلاماً بل حقيقة يخافُ من ذكرها العقلاء، اعتدنا جثث الأطفال، كحبات الرمل، والناس تغدو فوقها وتروح، جلستُ في مكاني القرفصاء، التراب تحتي كانَ أريكةً من الجثث، في نادي نِكاية، وعند قدميَّ كانت يد الطفل كيد لعبةٍ ملطخة بالدم والتراب، فوليتُّ هارباً واستيقظت فيَّ صرخة شيماء، والكثير من النساء المغتصبات، في زمن صار قيام المرء بواجبه شجاعة تكاد تقترب من الجنون، وصار التألم سرا من أجل الآخرين شجاعة، في زمن من ليس معنا فهو ضدنا، والشجاعة في غير موضعها جنون، في زمنٍ صار الشجاع أندر من اليورانيوم على وجه الأرض وتشير الإحصاءات أنه منذ عام 1900 إلى عام 1963، كانت الكمية المستخرجة منه لا تتجاوز 80 غراماً فقط، وإذ تشير إحصائياتي الشخصية أنَّه منذ عام 2000 انقرض جنسُ الرجال، ذكورٌ ونساء فحسب، وكلُّ شجاعة في المرءِ تغني ولا مثل الشجاعة في الحكيم، والحكماء مثقفون، لكن الشاعرَ يعلمُ بأنَّه: يرى الجبناء أنَّ العجزَ عقلٌ وتلك خديعةُ الطبعِ اللئيم، ولكل مثقف طابعين متوازيين طابع العقل وطابعٌ آخر عليه رسم الدولار، ولأنَّ الجميع اتفقوا على أنَّ المثقفين أجبنُ الناس، فليس جبناً أن يحجم الشاعر عن كتابة ما يجول في خاطره من مشاعر حقيقية ساخنة!!!، خوفاً من أن لا يُدْعى إلى حفلة أو مهرجان، أو تُحجب عنه جائزة، أو تسحب، أو يطرد من وظيفته، وليس نفاقاً أن يكتب الشاعر خلاف ما يعتقد فأعذب الشعر أجبنه!! وليس يُعابُ المرءُ من جبنِ يومه، إذا لبس الشجاعةَ في زمنٍ لا يشربُ الحرُّ غير أكدار.

1 - العتبة الأولى: العنوان ليست شجاعة.. تعني النفي.. كـ (ليسوا رجالاً)عنوان أصيل يعتمد النفي ليغذي ثقافة المتلقي ويحفز أفق انتظاره، وفي الخط الموازي سيصطدم المتلقي بإلحاح شديد يدفعه لمعرفة الجواب عن سؤال يطرحه العنوان بصورة غير مباشرة (فما هي الشجاعة إذن؟) باعتباره علامة ثقافية جديدة كعناوين، لنبذ الجبن والخنوع، وقد قيل سابقاً المثقفون هم أجبن الناس، ولهذا يرتفع من كلِّ ألفٍ منهم واحد أو أقل. الوظيفة الرئيسية لهذه العتبة تنبثق من النفي وهي التحريض عن طريق التقريع. ومن الأصول الدلالية لشجاعة الشعراء الوهمية، قول النقاد أن المتنبي كان يقصد نفسه في بيت الشعر هذا:

وإذا ما خلا الجبان بأرض

طلب الطعن وحده والنزالا

وشنَّ أفلاطون هجومه على الشاعر بوصفه خالق أساطير، وقال في محاوراته (الإسكافي إسكافي وعامل البناء عامل بناء، والجندي جندي، ولا نريد لأحدٍ أن يكون كل هذا في نفس الوقت لذا توجب أن نكرم الشاعر ونرشه بالعطور على باب المدينة ونقول له أن لا يعود لأنه لا مكان له بيننا).

2- العتبة الثانية: بداية النص (خوفي أن أضيع/ ولا أعرف طريقاً للحرير) هاجس نفي ضياع الشاعر هو دال تأكيدي على الضياع، وخوفه من الضياع دال على أنَّه يشعر بأنَّه بدأ في الضياع، فنحن لا نعلن خوفنا إلاّ من الخطر المحدق والوشيك الوقوع، لكن من لا يخاف الضياع؟ وعتبتا (العنوان وخطاب البداية) (ليست شجاعة × خوفي) تمثلان غاية غواية كبيرة للمتلقي وبداية استدراجه وإذا كان العنوان بمثابة إعلان عن النص فإنَّ عبارات البداية بمثابة مذاق أولي للنص ليست شجاعة (جبن) بضمِّ الجيم، فالجبن للآخرين وللشاعرة الخوف، والأول مرض بغيض، والثاني حالة طبيعية.

3- العتبة الثالثة: عتبة الأسئلة السؤال الأول: العنوان-ليست شجاعة- يتضمن سؤالاً يطرح نفسه بقوة، كرد فعل لنفي الشجاعة، والسؤال هو (ما هي الشجاعة إذن؟)

والسؤال الثاني: ظاهر لا يحتاج استنباطاً:

كيف أفسر...

ملمس جلوسك على أريكةِ

نكاية

بُراقكِ المتدلي

من جرف نيل

أريكة نكاية، مركب جديد وأصيل ويقال نَكَأْتُ في العَدُوِّ نِكايَةً، وقولهم لا نُكيْتَ أي لا جعلك الله منهزماً مغلوباً، أي كيف أبرر قعودك بعد أن نَكَّى بنا العدو؟ كيف أبرر صمتك بعد أنْ استهجن الغريب البعيد؟ والسؤالان الثالث والرابع متتابعان ومباشران كذلك:

هل تعتلي سماءً تحت أقدام الشمس؟

هل ينبغي أنْ أعلِّم شفاهي الأسماء كلها

لأعرف اقتراف العناق

تعتلي (أنت) × ينبغي (عليَّ) أنا × أعلم (أنا) × شفاهي (أنا) × لأعرف (أنا).

والسؤال الخامس هو (كيف يعودون يا بلونت/ وقد وجدوا الثقب والجدار/ وحرقة التاريخ في علقة نظام) يتضمن نفياً فيه معنى التوبيخ والتنبيه على استحالة عودتهم بعد أن وجدوا:
الثقب × الجدار / الطريق × الهدف / الوسيلة × الغاية / العراق × الشرق الأوسط الجديد.

4- العتبة الرابعة: أفعال الأمر الثلاثة للمخاطب أنتَ لإنقاذ الأنا:(اقترب/ نضِّدْ على شاشة قدري تلك النظرات/ اختلِ/ بمسائي الدامي/ على معصمِ قدر غريب / لنا وطنُ يتيم)

اقترب × نضِّدْ × اختل / على شاشة قدري × مسائي الدامي × وطنٌ يتيم على معصم قدر غريب. لكن لماذا الوطنُ يتيم؟ لأنَّه ليست شجاعة، وليسوا رجالاً، والشعراء أنشدوا للفتح!!!

وفعلي الأمر الرابع والخامس انتفض ودع، يتضمنان الرفض والنفي أيضاً (وأقول/ أيتها الأمة العمياء/ أيها الرائي من وراء عقال وشماغ أعور/ انتفض مثل هذا النغم/ ودع الإزار يهفهف على متنٍ إرادة) نداء عام (أيتها الأمة) ونداء خاص يراد به العموم (أيها الرائي)، وفعل الأمر السادس كذلك(كفَّ عن بلع التأوه/ على يخوت من لحم سراجنا/ شيدها الصمت) صفتا الجبان هنا التأوه المبلوع، والصمت، يخاف حتى من التأوه، فماذا سنفعل به؟ وكما قال الشاعر:

إنَّ الجبان تعافهُ أحبابهُ

وأخا الشجاعةِ تصطفيه عداته

5- العتبة الخامسة: للمطرب الإنكليزي الرافض جيمس بلونت، والحكمة ضالة المؤمن، قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه (الغالبُ بالشرِّ مغلوب) [2] ، وقال أيضاً في تقريعه للجبناء:

أَيَّ يَومَيَّ مِنَ المَوتَ أَفِر

يَومَ لا يَقدِرُ أَو يَومَ قَدِر

يَومَ ما قُدِّرَ لا أَرهَبُهُ

وَإِذا قُدِّرَ لا يُنجي الحَذَر

فليس في الشجاعةِ حتف الشجاع، ولا نامت أعين الجبناء
من هذه المقولة نلخص الحكاية، الشاعرة منال الشيخ تقول: ليست شجاعة قتل الأطفال، وهدم البيوت، وحرق المصاحف في المساجد، واغتصاب النساء، هولاكو وحفيده تيمور لنك وجدهما جنكيز خان وهتلر وفرانكو جميعهم فعلوا هذا وفشلوا، والشاعرة الشيخ ويا للأسف تستشهد بمغنٍّ بريطاني اسمه جيمس بلونت، تقول الشاعرة: (لنا وطنٌ يتيم/ على إطلاله يغني جيمس بلونت/ فيما هجرَ أبناؤه مزمار الحي) والهمزة فوقية، في أطلاله، لا تحتية كما كتبت، ولكن قبل أن نستهجن ألا يحق لنا أن نسأل عن سبب هذا الاستشهاد، أليسَ فينا من يغني عن هذا المغنّي؟ المطرب يستهجن وحشية جيش يمثل وطنه، وأعرابنا لا يستهجنون وحشية المحتل، بل يدينون الضحية، ففي حرب لبنان السادسة، رئيس فنزويلا شافيز يطرد السفير الإسرائيلي والدول العربية ترفض حتى إدانة الحرب وتكتفي بتقديم النصائح لشعب يُباد ويقتل. والفرق هو أنَّ جيمس بلونت يرفض الظلم من خلال الوعي به وإدراكه واتخاذ موقف منه، ومنال الشيخ ترفض الظلم من خلال تعايشها معه كل يوم. وبلونت يدعو أبناء بلده للعودة إلى ديارهم، ورفض الشيخ يتضمن دعوة إلى التخلص من الظلم لتحقيق حياة كريمة ولكن كما قال الشاعر محمد إقبال، في نفيه الشجاعة عن الـ (نحنُ) من خلال تثبيت النقصان:

تنقصنا شجاعة الرسول

لا تنقصُ الرغبةُ في الوصول

6- العتبة السادسة: النجاح يشجع على الاستمرار، والاستحلاب يوازي الاستمرار، صمت الحملان فلم للمخرج جونثان ديمي للعام 1991 وبطولة أنتوني هوبكنز وجودي فوستر وفاز بخمس جوائز أوسكار، مما شجع المخرج على استحلاب جزأين آخرين منه (هانيبال/2001) والجزء الثالث والأخير (التنين الأحمر). كما استحلبت الشاعرة من مركب (أريكة نكاية) في بداية نصها، (أرائك صمتٍ للحملان):

وحرقة التاريخ في علقة نظام

كلُّ ما يستطيعون فعله

هو أن يموتوا مثلُ نبلاء التدخين

ويحلمون بكوابيس عيدٍ قادم

تركوا أرائك صمت للحملان

كانت جودي فوستر في الفلم محققة فدرالية، يقلقها من ماضيها أنَّها وهي طفلة صغيرة كانت ربيبة رجلٍ حاول اغتصابها ففرت منه، والفرار للطفل والعاجز والمناور ليس جبناً كما قال الشاعر:

فانظر بعينِ شجاعة فلتعلمنَّ

أن المقام بحيثُ فرارُ.


[1قصيدة لمنال الشيخ-نصوص ألف ياء-جريدة الزمان-العدد 2489 الأربعاء 5 شعبان 1427 30/8/2006.

[2الشيخ محمد عبده-نهج البلاغة-مكتبة النهضة-بغداد-1986-ص700.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى