الأسرة في عصر الرقمنة
الأسرة في عصر الرقمنة: بين التقارب الافتراضي والتباعد الواقعي
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، أصبح التواصل الرقمي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. الهواتف الذكية، وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة الفورية جعلت العالم قرية صغيرة. ولكن، هل هذا التطور قرب أفراد الأسرة أم زاد من الفجوة بينهم؟
التواصل الأسري: قيمة تتجاوز الأجيال
لطالما كان التواصل الأسري حجر الزاوية في بناء مجتمعات متماسكة. فهو يُعزز الترابط، يُنمي الشعور بالأمان، ويغرس القيم الأخلاقية. ولكن مع دخول التكنولوجيا حياتنا بشكل مكثف، بدأ التواصل التقليدي يتراجع لصالح الرسائل النصية والمحادثات السريعة.
تأثير التكنولوجيا على العلاقات الأسرية:
1. التواصل السطحي: أصبحت المحادثات مقتصرة على رسائل قصيرة خالية من المشاعر العميقة.
2. العزلة الاجتماعية: يقضي الأفراد ساعات طويلة على هواتفهم، مما يقلل من الوقت المخصص للحوارات العائلية.
3. التشتت الذهني: حتى أثناء التجمعات الأسرية، يبقى الهاتف هو الأولوية.
الجوانب الإيجابية للتكنولوجيا:
لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا ساهمت أيضًا في تعزيز الروابط الأسرية، خاصة بين الأقارب البعيدين جغرافيًا. المكالمات المرئية والمحادثات الفورية سهلت البقاء على اتصال، ولكن يبقى السؤال: هل هذه الأدوات بديل حقيقي عن اللقاءات الواقعية؟
كيف نحقق التوازن؟
1. تحديد أوقات خالية من الأجهزة: تخصيص وقت يومي أو أسبوعي للتواصل الأسري المباشر.
2. أنشطة مشتركة: ممارسة أنشطة عائلية مثل الألعاب أو الطبخ أو الرحلات.
3. تعزيز ثقافة الحوار: فتح مساحات آمنة للنقاش وتبادل الأفكار داخل الأسرة.
التحديات الاجتماعية المعاصرة:
إن أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات هو الانفصال العاطفي الناتج عن الاستغراق في العالم الافتراضي. تزداد حالات العزلة والاكتئاب بين المراهقين بسبب قلة التواصل الفعّال مع الأهل.
دور المؤسسات المجتمعية:
يمكن للمدارس، الجمعيات، والإعلام أن تلعب دورًا كبيرًا في التوعية بأهمية التواصل الأسري وتعزيز قيم الترابط.
بات من قبيل التكرار الحديث عن أهمية الأسرة وما تلعبه من أدوار مؤثرة، وما تقوم به من وظائف حيوية تسهم بمجملها في استقرار البناء الاجتماعي ككل، لكن مثل هذا الطرح وغيره من طروحات مماثلة لا يمكن أن يدفعنا إلى تجاهل تلك التغيرات الجوهرية التي أصابت البناء الأسري برمته في الآونة الأخيرة، في ظل ما طرأ من مستجدات حضارية وتطورات تكنولوجية متنوعة ومتلاحقة، استتبعها تفاقم بعض المشكلات المجتمعية بصورة لافتة عن ذي قبل، وبالتأكيد لم تكن الأسرة بمنأى عن هذا كله.
لقد حولت التطورات المتلاحقة عالم الاتصال إلى ضرورة حياتية يمكن أن نطلق عليها (ضرورة الرقمنة)، فلم تعد الرقمنة نموذجاً مثالياً أو أملاً مستقبلياً نصبو إلى تحقيقه؛ بل أصبحت -مثل نمط الحداثة المعولم الذي خلقها- قدراً محتوماً لا بد من الدخول إليه والانخراط في شبكاته المعقدة.
ويرتبط مفهوم الاتصال الرقمي بجانبين: يتعلق الأول بمفهوم الاتصال الذي يشير إلى وسائط نقل المعلومات، ويتعلق الثاني: بالجانب الرقمي الذي يشير إلى المادة الذكية التي تحملها هذه الأجهزة أو التي تبث من خلالها والطرق المختلفة لتلقيها.
عصر الرقمنة بين الفوائد والخسائر
تؤسس الرقمنة عالم جديد يمتزج بالعالم الواقعي، ويصبح جزءاً منه، رغم أنه يفرض عليه من الخارج. وأصبح من الضرورة أن يطور الإنسان من نفسه ومن قدراته ليتوافق مع هذا العالم الجديد، لئلا يتهمش ويدخل الهوة الرقمية Digital Divide أو العجز الرقمي، واهتمت العديد من الكتابات السوسيولوجية بأوضاع الأسرة العربية على خريطة المجتمع الرقمي، وتواتر الحديث بين الاستخدامات والفرص والتحديات. وبخاصة أن المجتمع الرقمي يعج بالصفحات، والمجموعات، والقنوات، وألعاب الفيديو والمواقع الإلكترونية والإعلانات والصور والكتب المرقمنة. وانقسمت الآراء بين مؤيد لإيجابيات العصر الرقمي وبين معارض يرى فيه السباق والهرولة والشراهة الاستهلاكية التي لا تنتهي والتي تأخذ العالم إلى مناطق تبدو مجهولة بالنسبة للأشخاص العاديين. وإن بدت معلومة بالنسبة لقطاع الشبكات وبرامج الحاسوب والذكاء الاصطناعي والضفائر الإلكترونية، بينما تظل المجتمعات الأكثر فقراً والأقل قدرة منتظرة في ركن بعيد.
وتؤكد الدراسات في هذا الصدد أن الحياة العصرية قد تعقدت نتيجة للتطور التقني والتفجر المعرفي الهائل وثورة المعلومات المدهشة، الأمر الذي جعل حياتنا مليئة بالاضطرابات النفسية وأشكال القلق المختلفة، كل ذلك يلقي على كاهل الأسرة أعباء ومسؤوليات متزايدة لتخفيف وطأة الظروف القاسية عن أفرادها، مما يجعلها ملاذاً روحياً يُلجأ إليه هرباً من صعوبة الحياة العصرية وتعقيداتها.
إذ يلعب التواصل الأسري والتفاهم بين الزوجين دوراً حيوياً في تحفيز قدرات الإنسان على العمل وجعلها أكثر فعالية، كما يحمل في طياته السرور والسعادة، أو على العكس تماماً يؤدي إلى إثارة الأحقاد والضغائن.
ويتزايد استهلاك الفرد والأسرة والمجتمع لتكنولوجيا العصر الرقمي يوماً بعد يوم، على مستوى العالم عام 2021، حيث تحتل أفريقيا المركز الثالث على مستوى قارات العالم استخداماً للإنترنت بنسبة 11,5 %، وبحسب المناطق الجغرافية تبلغ معدلات انتشار عالم الإنترنت في أفريقيا 43.2 %.
وأشار موقع We are social في يوليو 2021 إلى أن عدد سكان العالم المشتركين في الإنترنت بلغ 4,8 مليارات نسمة بنسبة 61 % من سكان العالم، ويستخدم قطاع كبير من هؤلاء السكان الهاتف النقال بنسبة 92 % من جمهور الإنترنت حول العالم، وتشير الإحصاءات أن عدد مستخدمي الفيسبوك 2,85 مليار فرد، واليوتيوب 2,29 مليار، والوتساب 2 مليار، والإنستجرام 1,4 مليار.
وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً رئيساً من الحياة اليومية التي تحولت بدورها إلى حياة رقمية. وقد بينت العديد من التقارير ارتفاع نسب الاستخدام والاشتراك في منصات التواصل الاجتماعي، فهناك أكثر من 55 % من المستخدمين العرب لتلك المنصات.
وأشار تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات عام 2020 إلى التفاوت بين الذكور والإناث في النفاذ للإنترنت والمجتمع الرقمي، فاستخدام النساء أقل من الرجال بنسبة 17 %، والفجوة أوسع في البلدان الأقل تقدماً.
التحديات والفرص التى تواجه الأسرة العربية
حين نستقرئ التحديات نجد أن العولمة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة العربية في مجال التنشئة الاجتماعية، لما تحمله من عوامل التهديد للخصوصيات القومية والهوية الثقافية وتكريس آليات الهيمنة الفكرية. وبالرغم مما حققته وسائل الاتصال الحديثة في ظل العولمة من إلغاء للقيود والحدود والرقابة على حركة المعلومات والأفكار واختراق للأسوار الجغرافية والسياسية والإعلامية؛ فإنها تفرض تحديات جسيمة على مؤسسات الضبط الاجتماعي، وفي مقدمتها الأسرة في المجتمع العربي. وتكمن الخطورة في استهدافها فئة الأطفال والشباب، الأمر الذي جعل الأطفال أكثرة عرضة داخل الأسرة لمضامين تعكس الازدواجية والتناقض بين الواقع المعاش وبين الواقع المتخيل والمنقول لهم عبر المنصات. أما الشباب فانتشر بينهم الترويج لأنماط من السلوك والقيم والمفاهيم والعلاقات غير الأصيلة، وذات البعد الثقافي التغريبي، الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة والتضاد بين الأجيال، وصرفهم عن الكثير من الواجبات الأسرية والتعليمية والعملية،
وباتت هذه الوسائل المؤثر والمرجع الأول لمعلوماتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم، وجعل الكثير منهم أسرى غرف نومهم الخاصة في كل الأوقات، فقل التفاعل مع أفراد الأسرة، وخرقت وسائل الاتصال الخصوصيات، وفي البيوت أصبح كل فرد يستخدم هذه التقنيات دون حسيب أو رقيب، حتى قل الوقت الذي يقضيه الفرد مع أسرته، وحدثت العزلة والفجوة (الصمت المنزلي) وقلة الحوار والمناقشات بين أفراد الأسرة.
وهذا ما أسفرت عنه نتائج دراسة (إيمان عبدالحكيم رفاعي) عن عدم تحقق دور الأسرة في حماية الطفل من مخاطر المحتوى الرقمي المعروض، ومخاطر الإنترنت، أو تغير السلوك السوي للطفل، كما أشارت النتائج إلى عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطي درجات أولياء الأمور في المدينة والريف.
كما أشارت دراسة (أسماء فتحي السيد) أن الأسرة في العصر الرقمي غير مهيأة وغير مؤهلة لتوعية الأبناء، وأنها في حاجة إلى مزيد من التدريب والتأهيل والتنمية لمعارف ومهارات العصر الرقمي، وأكدت (إلهام العويضي) في دراستها أن الآباء والأمهات في رعاية الأبناء تحتاج التوجيه، والمتابعة، والرقابة، والتنظيم لوقايتهم من مخاطر (الإنترنت).
وقد أسهم الإعلام الرقمي في تعزيز الجمهور الفاعل والإيجابي، باعتباره جزءاً من صناعة الخبر وتقاسم المعلومات، كما يفتح فرصاً جديدة للمشاركة الفاعلة، وهو ما أسماه (هابرماس) الديموقراطية التشاركية أو التداولية، وتفعيل مفهوم المواطن الديموقراطي والحكومة الديموقراطية، وسهولة التعبير عن الآراء والاتجاهات الفكرية وتحسين الفعالية السياسية عبر المدونات والاستفادة من الفضاءات الرحبة في رصد ردود الأفعال تجاه القرارات والسياسات ومناقشة قضايا المجتمع المعاصرة.
كذلك ترویج المخدرات الرقمیة في شبكات التواصل الاجتماعي، وتتمیز المخدرات الرقمیة التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي (الموسيقى الصاخبة) بتأثیرها في الدماغ، بشكل یقترب من تأثیر المخدرات بمختلف أنواعها، إذ تؤثر تلك الموسیقى في سامعها، وتفصله عن الزمان والمكان، فهي تغیر الوعي عند الإنسان فتوجد مزاجاً یحاكي ما تؤدي إلیه الأدویة الترفیهیة والمخدرات بأنواعها،
لتمثل شكلاً من أشكال الإدمان المعاصر، فهذه الجرعات الصوتیة تؤثر سلباً على الصحة العقلیة والجسدیة، والاستخدام المفرط للأصوات المحفزة یمكن أن یؤدي على المدى الطویل إلى اضطرابات في النوم أو القلق.
وقد زادت أهمية الدور التعليمي لمنصات التواصل الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد- 19، وساعدت الطلاب في التنمية الذاتية، وتعزيز الإبداع والمعرفة من خلال تبادل المعلومات وعقد الاجتماعات والندوات Online، وظهر التعليم الرقمي نتيجة حتمية للتطور التكنولوجي لوسائل الإعلام والاتصال، وأصبح لزاماً على المؤسسة التربوية والأسرة أن يتماشيا معاً مع هذا التطور، مع تزايد الحاجة للمهارات الرقمية من أجل تأمين وظائف المستقبل.
