الاثنين ٢٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٢
بقلم رمزي حلمي لوقا

السابق

المشهد الثاني

نفس الزنزانة السابقة، المسجونان نائمان،

يدخلُ المَعمَدان مُكبلاً بسلاسلٍ ثقيلةٍ ، يقوده سجانٌ عملاقٌ إلى الداخل، يتحركُ بصعوبةٍ على المسرحِ ويقول بصوته المتهدج العميق

(المعمدان) :

ألَم تَسمَعُوا صَوتِيَ ال (لا يَمِلُّ)
ولا يَستَكِينُ
ولا يَنزَوِى تَحتَ نِيرِ الصَّلِيبِ وقَهرِ البَلَايَا
ألا لَيتَ صَوتِى يَجُوبُ الفَيَافِى
ويَستَصرِخُ القَلبَ
ألَّا يُجَارِى فُجُورَ
الزَّوَانِى و عُهرَ البَغَايَا
أعِيدُوا صُرَاخِى لَدَيهِ
ـ سَلِيل الأفَاعِى ـ

أَلم تَعلَمُوا وِزرَ كَسرِ الوَصَايَا
زَنَيتُم على العَرشِ
يَا أَيُّهَا المُسرِفِونَ
الذِّينَ استَحَلُوا نَوَاهِى الإلَهِ العَظِيمِ الذى قد
تَجَلَّى لِمُوسَى
على أرضِ مِصرَ
وأعطَى الشَّرِيعَةَ
نَبعَ العَطَايَا
أعِيدُوا صُرَاخِيَ
عِندَ المَلِيكِ
الَّذِى يَسفَحُ الَمَوتَ
بَينَ الخُدُورِ وعِطرِ الصَّبَايَا
أنَا المَعمَدَانُ
الَّذِى يُزدَرَى
فِى بِلَاطِ المُلُوكِ
وعند القصُورِ
و بَينَ الرَّعَايَا
أنَا المَعمَدَانُ
الَّذى يَصرُخُ الآن قَيدَ السُّجُونِ
تَسَامَيتُ
عَن كُلِّ هذا المُجُونِ
الذى تَصنَعُونَ
بِرِجسٍ تَخَضَبَ بَينَ الحَنَايَا
أعِيدُوا صُرَاخِيَ
قُولوُا بِعَزمٍ لِهذا الشَّقِيّ
ألم يُكفِكَ ال (لا يُجَاهَرُ) خَطوًا
فَتُعطِى سفُورًا لِأُمِّ الخَطَايَا
لِمَاذَا تَخَذتُم هَوَانًا
وقُبحًا دُرُوبًا
لِيُقذَفُ فِيهَا نَزُيفُ الحَكَايَا
تَشَظَّى على الدَّربِ نَامُوسُ مُوسَى
و كُنتُم صُدُوعًا بِهذى الشَّظَايَا

(تتلصص سالومى من خلف الباب وتناجى في همسٍ خيال يوحنا الذى استند على الحائط بحيث لا يراها)

(تقل كثافة الإضاءة على يوحنا

بينما يزداد وهجها على سالومى التي تضم ذراعيها حول صدرها في وجد وهيام وتتحرك في شبه رقصٍ هَادئ)

(سالومى) :

شَفِيفٌ
كَدُهنٍ مُصَفَّى
وخَمرٍ يُوَفَّى
يَمِيسُ
على سُرَّتِى
كالمَرَايَا
كَنَهرٍ دَفُوقٍ
حَمِيمٍ
كَ (أردُن)
يُطَفِّى لَهِيبِى
ويُورِى صِبَايَا
مَتَى يَا حَبِيبًا
تَلِفُّ ذِرَاعَاكَ خَصرِيَ شَوقًا
كَأنِّى بِجَنبَيكَ
نَبعُ السَّبَايَا
تَحِجُّ إلَيكَ
النُّجُومُ بِعَطفٍ
إلى مِنكَبَيكَ
وتَرنُو
عَرَايَا
أغَارُ مِن
الأُمسِيَاتِ اللَوَاتِى
عَرِفنَ البَرَارِى
وطَعمَ الجَرَادِ
وشَهدَ العَسَل
ما رَفِقنَ لِحَالِى
تَفَحَّص
رَقِيقٌ جَمَالِى
عَمِيقٌ أسَايَا
تَدَثَّرتُ
فى ثَوبِيَّ المِخمَلِي
ورُمتُ اقتِرَابًا
لِعَلِّى أُرَوِّى
بَدِفءٍ عُرَايَا
تَسَلَّلَتُ
فى غَبشَةِ الفَجرِ
أدنُو
وقَلبِى شَرِيدٌ
يُلَبِّى نِدَايَا
رَأيتُكَ طَودًا مَهُوبًا
تَدَثَّرتَ فى ثَوبِكَ
ال(لا يُدَانَى) اشتِهَاءً
وقُربًا
وأغمَضُتُ عَينِى لِتَيَارِ نُورٍ
تَخَطَّى رُؤايَا
تَمَايَلتُ يَا سَيِّدِى المُستَبِد
كَأنِّى هُلَامٌ
تَزَلزَلَ فى سُكرِهِ والزَّوَايَا
تَرَاقَصتُ حَتَّى تَهَامَيت وَردًا و مَاءً طَهُورًا
يَذُوبُ احتِرَاقًا
ويَسطُو بِكُلِّى شحُوبُ المَنَايَا
عَبِيرُكَ أشهَى
مِن الشَّهدِ يَا صَبوِتِى واختِمَارِى
وضَمِّى وذَمِّى
وبَعضُ انشِطَارِى
كَأنَّى هَزِيجٌ مِن العِشقِ يَهذِى
ويَنعِى مع اللَيلِ فَجرَ احتِضَارِى

(يلتفت يوحنا على وقع هذا الهسيس فيراها فيصرخ بعد أن أدرك إنها لا بد أن تكون سالومى بنت هيروديا زوجة هيرودس أنتيباس، التى تقترب من الباب الحديدى الذى يفصل بينهما)

(المعمدان):

إذًا أنتِ
يَا طِفلَتِى
بِنتِ تِلكَ العَقُورِ
التى أوقَعَت سِحرَهَا
فَوقَ رَأسِ العَجُوزِ
فَأولَغَ فِيهَا وُلُوغَ الضَّوَارِى

(سالومى):

كَمَن يَدَّعِى مِثلَ تِلكَ الفَضِيلَةِ
يَا سَيِّدَ المُشتَكَى والتَّعَدِّى
وأنتُم جَمِيعًا بِهَذا السُّعَارِ

(المعمدان):

كَمَن جِئتُكُم فى رِدَاءٍ مُوَّشَى
وفى إصبعِى خَاتَمٌ من عَقِيقٍ
فَلَستُ حَقِيقًا بِهذا العِثَارِ

(سالومى) :

إذًا تَدَّعِى أنَّكُم ذَاهِدُونَ
بِتِلكَ المُسُوحِ
وهَذِى الخِرق
قد كَرِهنَا أَعَاجِيبَكُم فى الجِبَالِ
وحَولَ السّفُوحِ وبَينَ البَرَارِى

(المعمدان):

إذًا تَسمَعُونَ صُرَاخِى إلَيكُم
ولا تُنصِتُونَ ولا تَعمَلُونَ
كَصَوتٍ كَظِيمٍ أتَينَا إلَيكُم
فِصِرنَا لَدَيكُم لُصُوصَ الدِّيَارِ

(سالومى):

وأنتُم إذًا لَيسَ فِيكُم نَبِيٌّ!
إذًا كُنتَ تَعلَمُ ما فى الصُّدُورِ
ألَم تُدرِك الآن أَنِّى أُرِيدُكَ
مِثل السَّوَاقِى ومَوجِ البِحَارِ

(تلتصق سالومى بالباب الحديدى، وتتحرك كالأفعى اشتهاءً وشبقًا، ويلين صوتها ويلين ويلين ، بينما إبتعد يوحنا وأعطى ظهره لها بحزم وصرامة وعنف)

(المعمدان):

إذًا فَاسمَعِى يَا ابنَةَ الهَالِكِينَ
أطِيعِى شُرُودًا
وتِيهِى بِعَارِكِ
كَرَايَاتِ رُومَا
تُرَفرِفُ كَرهًا
عَلى سُورِ يَافَا
وفَوقَ الصَوَارِى

(سالومى):

أهَذَا يُوحَنَّا طَرِيدُ البَرَارِى
بِهَذَا الشُّمُوخِ وهذا الجَفَاءِ
كَأنِّى إلى فَارِسٍ مِن حَدِيدٍ
كَفُرسَانِ رُومَا
كَفِرعَونِ مِصرَ
وأنَّى لَدَيهِم رَحِيقَ
الجَوَارِى

(المعمدان):

وهَذَا يُوحَنَّا رَبِيبُ البَرَارِى
يُنَادِى بِعَزمٍ
أفِيقُوا سَرَيعًا يَا أيُّهََا الرَّاقِدِونَ
الذِّينَ استَهَانُوا بِأقوَالِ مُوسَى
وهَبُّوا خِفَافًا لأرضٍ بَوَارِ

(سالومى):

تَعَالَى لِتَنظَرَ حَالِى
وشَكوَايَ يَا سَيِّدِى المُشتَهَى مِن عَذَارَى المُلُوكِ
ورَطِّب جَبِينَكَ فَوقَ الوِثَارِ

(المعمدان):

أُهِينَت بَنَاتِ القُصُورِ العَذَارَى
بِفِعلٍ مُشِينٍ
وقَلبٍ يَتُوقُ لِبِئس المَدَارِ

(سالومى):

بَنَاتِ الملُوكِ
تَحَمَّمنَ عِطرًا
وزَهرًا نَدِيًا
ويَبذُلنَ نَفسًا
إذا ما رَغِبنَ
بِغَيرِ انتِظَارِ

(المعمدان):

وتَأبَى السَّمَاءُ إبتِعَاثَ الدَّنَايَا
وتَأبَى النُّفُوسُ اجتِرَارَ البِعَارِ

(سالومى):

كَأنِّى أنَا الزَّهرَةُ النَرجِسِيَّةُ
أضِيعُ اشتِهَاءً بِهذِى القِفَارِ

(المعمدان):

زُهُورُ البَرَارِى يَذُوبنَ
احتِرَاقًا بِحَرِّ النَّهَارِ
ويُلفَحنَ فى زَمهَرِيرِ الشِّتَاءِ
بِبَردِ اللَيَالِى
ونَوَّاتِ رِيحٍ
ووَخزِ الجِمَارِ

(سالومى):

ومَن يَفتَدِى زَهرَةَ الشَّوقِ مِن رِبقَةِ المَوتِ والحِصَارِ
لِعَلَ الحَبِيبَ
يُلَبِّى نِدَائِى
يَمِدُّ الأَمَانِى سمَاطًا شَهِيًا
نَبِيذًا وخَمرًا
فَأنسَى كَمَا المَوتِ عَارِى

(يبدأ يوحنا فى توجيه خطاب التبكيت للوالى بصوت أعلى متجاهلا عن عمد توسلات سالومى له التى مازالت تناجيه بضعف الأنثى)

(المعمدان):

أُنَادِى عَلَيكُم
أمَا تَسمَعُون
ثَعَابِينَ رُومَا
أفَاعِى اليَهُودِ
وحَيَّاتِ تِلكَ القصُورِ العِظَامِ
أفِيقُوا لِصَوتِ البَشِيرِ النَّذِيرِ
أفِيقُوا لِصَوتِى
كَأضوَاءِ بَرقٍ سَيَأتِى الهَلَاكُ
وأبوَاقِ رَعدِ سَيَأتِى الخَلَاصُ
فَتُوبُوا لِتَحيُوا
هَلُمُّوا إلَيَّ اللهِ أهل الدِّيَارِ

(سالومى):

أقم عَثرَتِى يَا مَلِيكَ الفُؤَادِ
تَعَالَ لِأعلِنَ فِيكَ انتِصَارِى

(المعمدان):

سَيَأتِى
سَيَأتِى
سَيَأتِى المَسِيَّا
سَيَأتِى قَرِيبًا
وتَأتِى سَرِيعًا دُهُورُ الفَخَارِ
سَيَأتِى الذى لَستُ أهلًا
لِأرفَعَ عَنهِ سيُورَ الحِذَاءِ
لَقد جَاءَ نُورًا
لِيَعلُو ويَثبُت
ونَزوِى جَمِيعًا
كَبَعضِ البُخَارِ

(سالومى):

أَتَعرِفُ كَيفَ تَكُونُ القُصُورُ.!
وكيفَ عَلَى العَرشِ يَبدُو الوُلَاةُ.!
و كََيفَ تَعِيشُ بَنَاتِ المُلُوكِ.!
وكَيفَ نُمَارِى حَيَاةَ الوَقَارِ.!
لِأجلِكَ يَا سَيِّدِى ـ لَستُ أدرِى ـ
تَرَكتُ المَعَالِى
تَسَلَّلتُ لَيلًا
تَنَازَلتُ حَتَّى ظَنَنتُ انتِحَارِى

(المعمدان):

أنَادِى عليكم
أمَا تَسمَعُون
أيَا أيُّهَا الرَّاقِدُون الزّنَاةُ
أفِيقُوا وعُودُوا
وخَلُّوا بَعِيدًا دُرُوبَ الدَّمَارِ

(تثور سالومى فجأة قبل أن تغادر المكان في غضب شديد، بينما يوحنا يستمر في توبيخه العنيف)

(سالومى):

إذًا هَالِكٌ أنتَ يَا بَربَرِيَّ الطِّبَاعِ
رَبِيبَ السُّجُونِ
طَرِيدَ البَرَارِى
بَلِيدَ المَشَاعِرِ
مُثُيرَ الزَّوابِعِ
مِثل الغُبَارِ

(المعمدان):

أعِيدُوا لَدَيهُم
صُرَاخِى عَنِيدًا
أعِدُّوا طَرِيقًا بِدَربِ النَجَاةِ
وخُوضُوا صِرَاعًا بِهذا الغِمَارِ

(سالومى):

إذًا فَانتَظِر
جَمرَ كَيدِ النِّسَاءِ
ولا تَشتَكِى بَعدَ هذا الفرَارِ
كَذِئبٍ حَبِيسٍ إلى محبَسَيكَ
ظَلَام القُبُورِ
وبِئس المَسَارِ
سَتَبكِى كَأنثَى
بُكَاءَ الثَّكَالَى
وتَعرِفُ حَقًا عَظِيمَ اقتِدَارِى
فَدَارِى
إذَا شِئتَ
بَعضَ اضطِرَابِكَ
لَكِن بِرَبِكَ
أَنَّى تُدَارِى
كَغَيمَاتِ بُؤسٍ
تَجُولُ افتِخَارًا
فَتُمحَى كَحَرفَينِ فَوقَ الجدَارِ
فَعَجِّل إذا شِئتَ مَوتًا مُرِيحًا
وجَنِّب طِبَاعَكَ بَعضَ الصَّغَارِ

(المعمدان):

أُنَادِى عَلَيكُم
أما تَسمَعُونَ
أذِيلُوا المَوَاتَ الذِى بِالصِّدُورِ
وتُوبُوا لِتَحيُوا بَدِيعَ الجِوَارِ

النص ليس له علاقة بالقصص الدينى،أو التاريخى، وكل السياق أدبى

محض من مخيلة الكاتب وليس له علاقة بأي معتقد دينى أو رواية تاريخية

ملاحظات

خدور:جمع خدر، وهي الستارة تحتجب خلفها النساء

بنات الخدور:العذارى

البغايا:نساء يمارسن الدعارة

يسفح؛يسفك:يسيل او يريق

يزدرى:يحتقر

يميس:يتبختر ويختال

عُرى: جمع عروة


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى