الاثنين ٢ آب (أغسطس) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

الطَّبيبُ البيطريُّ

في قريةٍ بائسةٍ عاشتْ على صراعِ القبائلِ بينَ الجزَّارينَ والحدَّادينَ والنَّجَّارينَ والخيَّاطينَ.. نشأَ الشّابُ بديعٌ في أُسرةٍ معقَّدةِ التَّركيبِ، بسببِ الانتماءِ القبليِّ ضمنَ أفرادِ العائلةِ!

كان الأبُ من قبيلةِ الجزَّارينَ، ارتكبَ جريمةً، فقتلَ أحدَ أفرادِ قبيلةِ الحدّادينَ، فأرادَتْ قبيلةُ القتيلِ الانتقامَ من قبيلةِ الجزّارين، لكنَّ العقلاءَ اتّفقُوا على أنْ يدفعَ القاتلُ فديةَ القتيلِ، معَ توقيعِه على صكِّ الدُّخولِ في مذهبِ قبيلةِ الحدّادينَ، فانتهَتْ المعضِلةُ، وعمَّ السَّلامُ بين الجميعِ، لكنّ المشكلةَ حلَّتْ في الأسرةِ، إذْ صارَ ربُّها لحّاميَّاً يُمارسُ شعائرَ اللَّحامينَ في مناسباتِهم، وربَّةُ الأسرةِ ظلّت على مذهبِ آبائِها وأجدادِها من الجزَّارين..

أمّا الأبناءُ فتبِعُوا ملَّةَ أمِّهم، ولم يُؤمِن أحدُهم بملَّةِ أبيهِ، رغمَ مرورِ سنواتٍ طوالٍ على هذهِ الحالِ! وليسَ ذلكَ بغريبٍ؛ لأنَّ الشُّبَّانَ الشَّرقيّينَ حينَما يقترِنُون بزيجاتٍ غربيَّاتٍ من غيرِ طوائفِهم، تستمرُّ العلاقةُ بينَ الزَّوجِ والزَّوجةِ على أمتنِ وشائجِها، لا يُعكِّرُ صفْوَها دينٌ ولا ديَّانٌ.. على نقيضِ ما يحْدثُ حينَما يتزوَّجُ شابٌّ شرقيٌّ فتاةً من ملَّتِه على سنَّةِ السَّماءِ، وعقْدِ أبي قَحْطبةَ، وشهادةِ اثنينِ ممَّنْ لم يُشاهِدُوا حاجةً.. ينْتهي الزَّواجُ بالفشلِ، وتطْغى نزعةُ الخلَاصِ من السِّجنِ الرَّهيبِ الّذي جمعَ بينَهما، فتُضطرُّ الزَّوجةُ إلى تغييرِ معتقدِها طلباً للحرّيّةِ والانعتاقِ منْ ذلكَ الزَّواجِ الاستِبداديِّ الّذي دفعَها إلى إنكارِ معتَقداتِ آبائِها وأعمامِها وأخوالِها وأجدادِها!
مرّتِ الأيّامُ وعبرَتْ أشرعةُ السِّنين، وشبَّ بديعٌ عن الطَّوقِ، وبدأَ فؤادُه بخفقَاتِ الحبِّ، وقد أصبحَ طبيباً بيطريّاً يُعالجُ جميعَ الأبقارِ الّتي تنْتمي إلى حظائرِ أهلِ القريةِ بشتّى قبائلِهم، ولمْ تتمرَّدْ بقرةٌ واحدةٌ على إبرتِه بحجَّةِ اختلافِ القبليَّةِ، ولم يحتجَّ ثورٌ على فحْصِه ضمنَ ذريعةِ اختلافِ الأصابعِ القبليَّةِ؛ لأنَّ الأبقارَ والمواشيَ أدركَتْ بفطرتِها أنَّ العِلْمَ الّذي ينهضُ بالحياةِ لا يحملُ أيَّ عباءةٍ قبليَّةٍ أو عرقيَّةٍ!

وقعَ قلبُ بديعٍ في حبِّ صبيَّةٍ من طائفةِ الحدّادينَ الّتي ينْتمي إليها والدُه، فتقدَّمَ للزَّواجِ منها، إلّا أنّهم رفضُوه!

 تدخَّلَ الأبُ لمعرفةِ سببِ الرَّفضِ..
 فأخبروهُ: أنتَ من مِلَّةِ قبيلتِنا على عينِنا ورأسِنا.. ولكنَّ ابنَكَ من قبيلةِ الجزَّارينَ!
 الأبُ: وماذا نفعلُ؟
 الأمرُ في غايةِ البساطةِ.. يجبُ أن يدخلَ بديعٌ في معتقداتِ قبيلتِنا!
 دعُونا نفكِّرْ! الأمرُ ليسَ بسيطاً كمَا تتخيَّلُون! فابني طبيبٌ، ولا يُؤمنُ بكلِّ ما يؤمنُ به سكّانُ القريةِ!

وذهبَ الأبُ ليُخبرَ ابنَه بديعاً بالأمرِ.. وبعدَ جدالٍ وسجالٍ طويلٍ، قرّرَ بديعٌ أن يَخطفَ حبيبتَه.. فأخبرَهُ الأبُ: أتريدُ أن نُقتلَ جميعاً بسببِ حبيبتِكَ؟!

انصاعَ بديعٌ لواقعِ الحالِ تحتَ تأثيرِ قوَّةِ الحبِّ، وقالَ في نفسِه: الغايةُ تبرّرُ الوسيلةَ.. أُؤمِنُ بدينِهم، ريثَما أظفرُ بمليكَتي.. وبعدَها لكلِّ حادثٍ حديثٌ!

تمَّتِ الخِطبةُ.. ثمَّ عُقِدَ القِرانُ على مذهبِ الحدّادينَ، ونشأتْ في الأسرةِ علاقاتٌ جديدةٌ ومذاهبُ مختلفةٌ.. الأبُ وبديعٌ وزوجتُه حدّادون.. وبقيَّةُ أفرادِ الأسرةِ جزَّارونَ!!

لم تؤثّرِ الحالةُ الجديدةُ في الوضعِ النَّفسيِّ لأفرادِها.. وعاشَ بديعٌ شهرَ العسلِ مع زوجتِه وحبيبتِه.. وظلَّ يُمارسُ مهنتَه في مداواةِ الدَّوابِّ، وكانتْ وسيلتُه في التَّنقُّلِ بينَ القُرى وأحيائِها بالدّرّاجةِ النَّاريَّةِ وخلفَه حقيبةُ العلاجِ الّتي تتراقصُ الأدواتُ في داخلِها كلَّما انطلقَ بديعٌ في رحلةِ البحثِ عن بقرةٍ منكوبةٍ أو عجلٍ ثائرٍ على قيُودِه أو ماشيةٍ تربَّصت بها الأمراضُ!!

ويَبدو أنَّ بديعاً بعدَ أنِ احتَسى خمرةَ الحُبِّ على صوتِ أبي الدّيكِ الجبليِّ معَ رفيقتِه، نسيَ أنّهُ ما زالَ تحتَ وطأةِ السَّكرةِ، فركبَ درَّاجتَه حينَ جاءَه اتِّصالٌ هاتفيٌّ بضرورةِ المثولِ في الحالِ؛ لمعاينةِ بقرةٍ اشتدَّ خوارُها، وراحتْ تنطحُ كلَّ مَن يقتربُ مِنها، فظنُّوا أنَّها أُصيبَتْ بجنونِ البقرِ، وهَذا ما دفعَ أهلَها إلى الاستِنْجادِ بالطَّبيبِ بديعٍ!

انطلقَ بديعٌ بدرّاجتِه يسابقُ نسماتِ الصَّباحِ، وتُخرسُ درَّاجتُه أصواتَ الطُّيورِ على جانبيِّ الطَّريقِ.. لكنَّ نشوةَ الخمرةِ جعلَتُه يطيرُ في الفضاءِ بدرّاجتِه، فيَهوي في وادٍ سحيقٍ، ويختنقُ الصَّوتُ، وتلفظُ الرُّوحُ أنفاسَها الأخيرةَ، وتُودّعُ عيْنا بديعٍ الحياةَ معَ أنفاسِ الصَّباحِ وتغريدِ الطُّيورِ.. ويتَعالى نعيقُ الغِربانِ، ويُخيِّمُ الحزنُ على القريةِ.. وتنطفئُ شموعُ الحبِّ أمامَ مُقلتيّ الحبيبةِ.. وتظلُّ في سيرةِ بديعٍ لحظةُ الوداعِ ومراسمُ الدَّفنِ.. أينَ يُدفنُ، وعلى أيِّ مذهبٍ سيُدفَنُ، وهُنا تستيْقِظُ رياحُ القبليَّةِ من جديدٍ.. هل يُدفنُ في مقبرةِ الجزَّارينَ.. أم يُوارَى في مقبرةِ الحدّادينَ!!
وهُنا اختَفى صوتُ العقلِ وتَعَالى صوتُ الرَّصاصِ.. لكنَّ بعضَ العقلاءِ وجدُوا حَلاً يُرضي الطَّرفينِ.. إذْ يُصلّى عليهِ عندَ الجزَّارينَ ويُمارسُون على جثَّتِه تراتيلَ شعائرِهم.. ثمَّ تُسلَّمُ الجثَّةُ إلى أهلِ زوجتِه.. حيثُ يُوارى مثواهُ الأخيرَ على مذهبِ حبيبتِه وأهلِها.. فتُذبحُ العجولُ الّتي كان يُعالجُها بديعٌ قرابينَ أمامَ مقامِه في حيِّ الحدّادينَ.. لكنَّ قبرَه الآخرَ في حيِّ الجزَّارينَ يظلُّ خاوياً.. إلى أنْ يحدثَ عرسٌ آخرُ، وتتمَّ الصَّفقةُ بدفنِ جثَّةٍ أُخرى حسْبَ ما يُتَّفقُ عليهِ!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى