الخميس ١٣ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم سعاد حسين الراعي

الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير

كان الضوء الشاحب يتسلل عبر النوافذ العريضة لقاعة الطعام ببطءٍ حزين، كأنّه يخشى إيقاظ ما خلّفته الليلة السالفة من توترٍ دفين. جلس الجميع حول الطاولات في صمتٍ ثقيل، لا يشبه السكينة بقدر ما يحاكي هدنةً مؤقتةً أعقبت عاصفةً لم تخمد نيرانُها تماماً.

كانت أصوات الملاعق واحتكاك الأكواب تتردد بخفوتٍ حذر وسط ذلك الفراغ البارد، فيما انزوت ندى تحتسي قهوتها بصمتٍ مجهد، تحاول واهمةً إقناع نفسها بأن ما جرى بالأمس قد خبا وهجه، أو أنه على الأقل نأى قليلاً عن صدرها المثقل. وبينما كانت غارقةً في لُجّة أفكارها، لمحت إحدى النساء تشير إليها بإلحاح كي تقترب.

نهضت بترددٍ أملته الروح، وفي داخلها إحساسٌ غامض بأن ما ينتظرها ليس سوى امتدادٍ رديء لملحمة الأمس. وحين انحنت قليلاً لتصغي إليها، قالت المرأة بصوتٍ هامس، كأنها تبث سماً زعافاً تخشى أن يشاركها الآخرون سماعه:

ـ رئيسةُ وزرائنا امرأةٌ ساقطةٌ ومُنحطة… هي ومن معها مَن فتح أبواب البلاد على مصراعيها لهؤلاء اللاجئين، وتسبب بكل هذه الكوارث التي خرّبت بنيان البلد.

تأملتها ندى لثوانٍ طويلة دون أن يرتسم على تقاطيع وجهها أي انفعالٍ واضح.

لم تُفاجأ هذه المرة، ولم يشعل جوفها ذلك الغضب العارم الذي اعتاد أن يستعر في داخلها كلما طرقت مسامعَها كلماتٌ من هذا الصنف، بل كان الأمر بالنسبة إليها بمثابة لحظة انكشافٍ أخيرةٍ وحاسمة. ابتسمت ابتسامةً قصيرةً واهية، تحمل إرهاق إنسانٍ زهد في محاولة تبرير ما لا يريد الآخر فهمه، ثم قالت بهدوءٍ صاعق:

ـ الآنَ فقط، وضَعْتِ يدَكِ على حقيقةٍ لا تشوبُها ريبة… وهي أن هذا العداء ليس رأياً عابراً أو خوفاً مؤقتاً، بل هو عَرَضٌ لمرضٍ أعمق بكثير، شيءٌ يسكن الجذور المتأصلة، ويتسرّب عبر التربية، والذاكرة، والدم. أشكركِ جزيلاً، لأنكِ اختصرتِ عليّ المسافات، ووفّرتِ على روحي عناء البحث عن إنصاف.

ابتعدت ندى خطوتين، لكنها تسمّرت في مكانها فجأة، إذ شعرت أن الكلمات التي غصّ بها حلقها لم تعد تقبل الارتداد إلى سجن الصمت. استدارت نحو المرأة من جديد، ثم تقدمت نحوها هذه المرة بكامل إرادتها، لتدافع عن هويتها المستباحة، ولتضع أمام عينيها مرآةً صقيلة ترى فيها قبحَ ما تنطق به. انحنت قليلاً نحوها، وهمست بنبرةٍ وادعةٍ أربكت المرأة وزعزعت ثباتها أكثر مما يفعل أي صراخ:

ـ هل تعلمين؟ ... ان أمثالكِ هم من لا ينتمون حقاً إلى هذا المجتمع، ولا إلى أي مجتمعٍ يدّعي التحضر. لأن الحضارة البشريّة لا تُقاس يوماً بلون البشرة، ولا بأصل الإنسان العرقي، بل بقدرته الفطرية على رؤية الآخر كإنسانٍ مساوٍ له في الوجود. أما لغة الكراهية المقيتة التي تتحدثين بها أنتِ وأشباهكِ، فهي المقبرة التي ينتهي بها المطاف دائماً في مزبلة التاريخ… والأدلة التاريخية شواهدُ حيةٌ على ما أقول، إن أردتِ يوماً الرجوع والتأكد.

بقيت المرأةُ واجمةً لا تحير جواباً، بينما عادت ندى إلى مقعدها بخطواتٍ وئيدة، وهي تشعر في أعماقها بهدوءٍ غريب وشفاف لم تختبره منذ زمنٍ بعيد.

لقد كان ذلك الصفاء البارد والرفيع الذي يبلغه الإنسانُ حين ينفض يده تماماً، ويتوقف عن انتظار الفهم من أولئك الذين اختاروا العمى والجهالة طوعاً. كان هذا الإدراك، برغم قسوته، بوابةَ عبورها نحو التحرر والابتعاد عن منطق التبرير.

لم يكن انعزالُ ندى عن مجتمع المصحّة قراراً سهلاً، أو نزوةً عابرةً فرضتها بمحض رغبتها، بل كان بمثابة ردّ فعلٍ بطيء تشكّل في وجدانها تحت وطأة ما تجرعته من نظراتٍ شزرة ومواقفَ جارحة جعلتها أكثر تيقظاً وحذراً.

كانت تشعر، كلما أُكرهت على الجلوس بينهم، أن على كاهلها عبء الدفاع عن مشروعية وجودها قبل أن تنطق بكلمة، وأن عليها تبرير اختلافها ولونها حتى في أبسط تفاصيل عيشها اليومي. لكل ذلك، بدأت تنسحب بوقارٍ وهدوء من ضجيجهم الآسن حمايةً وصوناً لما تبقّى من توازنها الداخلي الهش.

وغدت تمضي ساعة الصباح التي تلي وجبة الإفطار وحيدةً في أحضان الغابة المتاخمة للمصحّ، تسير بين الأشجار الباسقة الطويلة التي بدت لها، برغم وحشتها وعزلتها، أكثر رحمةً ورأفةً من الوجوه الكثيرة التي صادفتها في القاعات.

كانت تحاول الائتلاف والاندماج مع ذلك الضوء المتسلل باستحياءٍ بين الأغصان، ورائحة التراب الرطب، وهدير الريح البارد الذي يلامس محيّاها وهي تعبر بين الجذوع الجافة، كأنها زفرات قديمة لا يريد أحدٌ من أهل الأرض سماعها.

في أثناء تجوالها اليومي ذاك، كانت كعادتها التي استحدثتها هنا، تتخلص خفيةً من حبوب العلاج الكيميائي التي أثقلت رشاقتها، وأربكت روحها الحرة أكثر مما خففت من وجعها. كانت تقذف بها بعيداً بين طيات الأعشاب البرية، فتنتبه إلى حركتها الطيورُ الصغيرة، تقترب منها بخفةٍ وحذر، تراقبها بفضولٍ بكرٍ بريء، ظنّاً منها أن ما تلقيه يدا هذه المرأة ليس سوى حباتِ طعامٍ شهي.

عندها، كانت ندى تطلق ضحكةً منثورة وحدها في المدى، ضحكة خفيفةً، صافية، تخرج من صدرها للمرة الأولى بعيداً عن غياهب التوتر وقاعات المصحّة المغلقة. ثم تنطلق مخيلتها إلى مساحات من الطفولة التي لم تمت في جوانحها تماماً، متسائلةً في سرها:

ـ ترى، ماذا لو ابتلعت هذه الطيور الفاتنة تلك العقاقير؟

هل ستنتشي وتُصاب بالسكينة وتغرد بصوتٍ أعلى شجواً؟

أم أنها ستغط في نومٍ عميق لأيام طوال فوق الأغصان؟

أو لعلّها ستستيقظ فجأة وقد تحولت بفضل السحر الطبي إلى مخلوقاتٍ أخرى؛ أكثر حزناً، أو أكثر حكمة وجودية؟

كانت تلك الأفكار الخيالية العابرة تمنحها لحظاتٍ نادرة من الخفة والتحليق، كأن خيالها وحده بات الدرع المتبقي القادر على إنقاذها من ثقل الواقع وبلادة التفاصيل.

ثم، بعد أن يهدأ رنينُ ضحكتها في المدى، كانت تطمئن نفسها بفكرةٍ بسيطةٍ وعميقة في آن: أن الطيور، وسائر الكائنات الحرة في الطبيعة، تعرف بفطرتها النقية ما ينفعها فتقترب منه مستبشرة، وتميز ما يؤذيها وينفث السم في جسدها فترفضه وتمضي في سمائها. وحين كانت تصل بنظرها إلى هذه القناعة، كانت تشعر بوخزةٍ خافتة تلسع قلبها، كأنها تسأل نفسها بصمتٍ موجع وعتابٍ مرير:

ـ لماذا يبدو الإنسان، برغم كل ما يدّعيه لنفسه من عقلٍ وحكمةٍ وفلسفة، أقل قدرةً من هذه الطيور الضئيلة على تمييز ما يجرح كرامته ويدمي روحه؟

* من رواية تحت الطبع


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى