الأربعاء ٣ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم سعاد حسين الراعي

كشك الحكاية

لم يكن الكشكُ القابع في تلك الزاوية من وسط المدينة، بالنسبة لأديب، مجرد جدرانٍ خشبية ضيقة تتراصّ بين جنباتها الصحف والمجلات؛ بل كان وطنًا مصغرًا أعاد فيه ردم الصدوع التي تغلغلت في روحه. هناك، بين رفوف الورق التي تعبق برائحة الحبر الساحرة، عثر على ملاذٍ آمن يلوذ به من لوافح الذكريات ووحشة الأيام الناتئة.

شيئًا فشيئًا، تحول ذلك المربع الخشبي الصغير إلى مدار وجوده الأول، بل لعله المكان الوحيد الذي استشعر فيه أن الزمن كفّ عن مطاردته الشرسة.

كان يشرع نوافذه مع خيوط الصباح الأولى، ثم يترك للنهار أن يخطَّ مشيئته في تحديد ساعة الإغلاق؛ إذ لم يكن أديب يخضع لصرامة الجداول، فقد يطول بقاؤه لو أنّ صديقًا قديمًا أطلّ عليه، أو استوقفه عابر سبيلٍ أضناه الشوق لحديثٍ دافئ، أو ربما باغتته فكرةٌ بكرٌ خشي أن تتفلت من بين أصابعه إن هو أرجأها إلى الغد. كان يدرك، بحسّه الروائي، أن الأفكار كائناتٌ سماوية شفافة، إن لم تقبض عليها في لحظة هبوطها الرهيف، حلقت في سدم النسيان بلا عودة.

هناك، خلف النافذة الصغيرة، كان يبيع الصحف، ويقلب حواف الكتب، ويكتب، لم تكن الكتابة لديه تزجيةً للوقت أو مهنة يتكسب منها، بل كانت الأداة الوجودية الوحيدة لترويض الألم العاوي في جَنباته؛ فبها يسكب على بياض الورق ما عجز لسانه عن بثّه للبشر، ويستنزل بالكلمات تلك السنوات التي ظلّت تتعقبه كظلٍّ ثقيل خانق لا ينفك عنه. فالإعصار، وإن هدأت طبوله في الظاهر، لم يغادره قط، بل ظل مقيماً في تجاويف ذاكرته إقامة الجمر المستعر تحت الرماد البارد.

لا يمكنه نسيان ذلك اليوم المشؤوم، الذي انفجر فيه اللغم تحت أقدامهم، لم يكن مجرد سطرٍ عابر في سجلات المعارك الحاشدة، بل كان الحدّ الزلزالي الذي انقسم عنده عمره إلى نصفين لا يلتقيان: ما قبله وما بعده. في ومضةٍ خاطفة ممزقة للكون، رأى رفاقه يتناثرون أشلاءً، ولعل تلك الأجساد الغالية التي تطايرت في الهواء كانت البرزخ الذي تلقى الصدمة وعصمه من الموت المحقق، غير أنها لم تستطع أن تنقذه كاملًا. خرج من الجحيم حيًّا، نعم، لكنه ترك ساقه اليمنى هناك، قربانًا في ذلك الحقل الملعون، ليحمل منذ تلك اللحظة في جسده علامةً فارقة لا تزيدها السنون إلا رسوخًا.

عُوّضت ساقه المبتورة بأخرى صناعية، لكن ما من معدنٍ أو بلاستيك بمقدوره أن يُرمم ما تبتلعه الحروب من أحلامٍ وأرواح. كان النزف الحقيقي أعمق بكثير من تخوم اللحم والعظم؛ كان يسكن غياهب النفس، في تلك المناطق القصية التي لا تصل إليها مباضع الأطباء ولا ترياق الأدوية. خمس سنوات من عنفوان شبابه تبخرت في أتون الخدمة العسكرية، في الوقت الذي كان يرقب فيه حياةً أخرى موعودة؛ حرمًا جامعيًّا يضج بالحياة، وقاعات دراسية مزدحمة بالمنافسة، ومستقبلًا وارفًا رسمه له والده منذ نعومة أظفاره.

حين التحق بالخدمة الإلزامية، كان يعد الأيام والأنفاس منتظرًا انبلاج فجر الخلاص ليرتمي في أحضان دراسته الجامعية ويحقق حلم والده الراحل.

بيد أن الحرب تمددت كليلٍ سرمديٍّ، وأجبرت جيلًا كاملًا على رهن أحلامهم في أدراج التأجيل والاستمرار في حراسة العدم. غير أن أديبًا لم يستسلم؛ كان ينطوي في أعماقه على عنادٍ وادعٍ يشبه عناد جذور الأشجار العتيقة التي تشق الصخور الصمّاء لتصعد نحو الضوء. انتسب إلى الجامعة بنظام التعلم عن بُعد، وواصل حفر مساره الأكاديمي رغَمًا عن كل شيء، حتى نال شهادة البكالوريوس في الأدبين العربي والإنكليزي. لم تكن تلك الشهادة مجرد صكٍ أكاديمي، بل كانت انتصارًا شخصيًّا ساحقًا على الركام، وبرهانًا ساطعًا على أن الروح قادرة على التحليق والنجاة حتى حين يُعاق الجسد ويُهزم.

وحين عاد إلى بيت العائلة القديم، ألفاه أكثر اتساعًا ومداعبةً للذكريات مما تركه، لأن الغياب يوسّع المدى ويفسح للأمكنة أن تتنفس. كانت الجدران مأهولةً بظلال أحبته الذين عبروا، وفي طليعتهم الأب الذي نذر حياته لتربيته بعد أن غادرت الأم رحيلًا بلا رجعة. كان يلمح طيف أبيه في كل زاوية؛ في المقعد الخشبي القديم، وفي رفوف الكتب المرتبة بعناية، وفي الممرات المستسلمة للصمت.

كان يستحضر رنين صوته كأنه يربّت الآن على كتفه، يطعمه بحنوّ، ويساعده في مراجعة دروسه، ثم يجالسه مساءً ليسكب في مسامعه قصصًا وأساطيرَ مبتكرةً، ساحرةً تفتح أمامه عوالم من التخييل الرحب.

ومن رحم تلك الأماسي الدافئة، وُلدت شخصية الأديب الكامنة في دمه؛ إذ ارتضع شهد الحكايات وسِحرها أولًا، راح يخطّ عوالمه الخاصة وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، مضيفًا إليها من فيض خياله ما يجعلها أرحب وأجمل من الواقع الضيق نفسه. كان يقرأ نصوصه الغضّة أمام رفاق صفه، فيستمعون إليه بدهشةٍ عارمة ويغدقون عليه بتصفيقهم الحار. أما والده، فقد رأى فيه بذور عبقرية روائية قادمة، فأهداه دفترًا خاصًّا بالكتابة، وقطع له وعدًا بأن يرى مدوناته النور يومًا ما. وبالفعل، أوفى الأب بنذره، حين نشر تلك القصص مزينةً بتخطيطات ورسوم خطها بيده الحانية، مختارًا لها عنوانًا حفر مجراه في قلب الصبي:

"مغامرات أديب". كان ذلك الإصدار هو باكورة مولوده الأدبي، والجسر الملكي الذي عبر فوقه نحو مجرات الكلمة.
ومنذ ذلك الزمان، لم يفارق ذلك الكتاب حضنه، حتى في أكثر ليالي الجيش قسوة ووحشة. كان يخبئه بين ثيابه كتعويذةٍ مقدسة، أو كشعلةٍ من روح أبيه تقيه غوائل العتمة. أما القلم، فكان الصديق الأكثر وفاءً ونبلًا؛ لم يخذله قط، ولم يتبرم منه في أشد لحظات انكساره وجسده العليل. ومع ذلك، لم تكن الكلمات، على قدرتها السحرية في تضميد الندوب، كافيةً على الدوام لدحر غول العزلة؛ فقد كانت الوحدة، في بعض الليالي الباردة، تبدو حربًا ضروسًا قائمة بذاتها، لا تقل ضراوةً عن تلك الحرب التي بترت ساقه.

وفي إحدى الليالي التي تكاثف فيها الصمت واستبد بها الأرق، زاره والده في رؤيا بلغت من صفائها وجلائها حد اليقين. لم يأتِ طيفًا من غبار الماضي، ولا صورةً باهتة استحضرتها لوعة الحنين، بل تجلى بكامل هيبته وطمأنينته، مشرق المحيا، يفيض بذلك الدفء الكوني الذي طالما احتمى به أديب من صقيع العالم.

جلس الأب إلى جواره كأنما لم يمرّ بينهما برزخ الموت، وأخذ يحدثه بصوته الرخيم الذي لم تستطع السنون كتم رنينه في وجدان الابن.

حدثه عن الكشك المهجور القابع هناك في قلب المدينة، ذاك الذي انطفأت أنواره منذ رحيله وظل موحشًا كقلبٍ ضلّ خفقانه. ثم عرض عليه الفكرة بأسلوبه العذب الذي اعتاد أن يناقشه به، كأنه ما زال ذلك الأب البصير الذي يرى ما لا يراه ابنه.

أخبره أن الكشك لم يُوجد ليكون مجرد حيزٍ تجاري لبيع الورق الميت، بل ليكون محرابًا تطل منه على أرواح البشر؛ حثّه أن يبعث فيه النبض من جديد، ويتركه يغصّ بالوجوه والحياة والأصوات، وأن يجلس هناك يستمع للعابرين، البسطاء، الحالمين والمنكسرين، يصغي لزفراتهم، ويمنحهم أذنًا واعية وقلَمًا منصفًا شجاعًا. قال له إن عليه أن يكتب عن أفراحهم المرتجفة التي تمر خفيفةً كنسمة فجر، وعن أحزانهم الكثيفة التي لا تلمحها عين، وعن مخاوفهم الوجودية، وأحلامهم التي تقاوم الإنطفاء كل يوم.

وكان أديب يتلقف الكلمات مأخوذًا بهذا التدفق النوراني، فيما أردف الأب قائلاً: "لا تعتصم بالعزلة يا بني، ولا تهرب من الناس. اقترب من تلافيف حيواتهم، ففي تقاسيم وجوههم ستعثر على ملامحك التي أضاعتها الحرب. ستجد كينونتك فيهم، وسيصبحون امتدادًا لروحك، كما ستغدو أنت سادن حكاياتهم. وحين تكتب عنهم، لن تمنحهم حبرًا على ورق، بل ستهبهم قبسًا من ذلك النور الكامن الذي استودعه الله في قلبك". مدّ يده وربت على كتفه مشجعًا.

كانت لمسةً مثقلةً بالحنان، حارةً ونابضة بالآدمية، إلى الحد الذي جعل أديبًا يشعر برعشةٍ مقدسة تسري في أوصاله. تاق أن يتشبث بتلك اليد إلى الأبد، أن يضمها إلى صدره ويقبلها بجوع الابن اليتيم، غير أن المشهد بدأ يتلاشى وينحل برفق، كضوء الفجر الغسق وهو يذيب آخر نجمة في الأفق.

استيقظ مبهوتًا. ظل لوهلةٍ شاخصًا في فراشه، وصدره يمور بفيضٍ من السكينة واليقين العجيب. ولأول مرة منذ أعوام، استشعر أن السحب الداكنة التي كانت تحجب دربه قد انقشعت. نهض من فوره، ومضى بخطى ثابتة نحو قلب المدينة.
كان الكشك رابضًا في مكانه كشيخٍ وقور يحرس الذاكرة بانتظار عودة صاحبه. أخرج المفتاح من جيبه، وأداره في القفل ببطء شديد. فانفتحت الأبواب لتستقبله رائحة الزمن؛ مزيج عبق من الورق العتيق، والخشب المعتق برائحة القهوة والذكريات.

طفق ينفض غبار السنين عن الأرفف، متعمدًا أن يبقي على الروح الحية للمكان؛ صورة والده المعلقة قبالة النور وهو يحتضنه طفلًا بعينين تفيضان شغفًا، مكتبه الصغير الذي شهد حواراتهما العميقة، صينية القهوة النحاسية والفناجين التي خُيل إليه أنها ما زالت دافئة بأنفاس أبيه. حتى دفاتر الحسابات القديمة تركها في مواضعها كأجزاء من نصٍ مقدس لا يجوز المساس به.

توقفت يداه فجأة، وترقرقت في عينيه دموعٌ بلورية تحت الضوء الشحيح.

لم تكن دموعًا للوعي بالفقدان، بل كانت دموع امتنانٍ باذخ لرجلٍ غاب جسدًا، وظل يمسك بيده ليرشده إلى الصراط كلما تاهت به السبل.

وفي صبيحة اليوم التالي، وبعد أن بث في الكشك روعته القديمة، علق فوق ناصيته لافتةً أنيقة كتب عليها بخطٍ كوفيٍ جليّ:

"كشك الحكاية"

وحين وقف يتأمل الحروف طويلًا، أدرك في عمق وعيه أنه لم يفتح مجرد كشكٍ مهجور، بل فتح بوابة الانطلاق لروحه وحياته من جديد."


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى