الثلاثاء ٢٨ شباط (فبراير) ٢٠٠٦
بقلم زكريا شاهين

المسافات الباردة - رواية زكريا شاهين - قسم 7

ليلة القبض على ألأشياء جميلة

انتصف الليل، ولم نيته حديث الشافي ووليد..
دخل أحد الرجال مسرعاً وهمس في أذن وليد بكلمات قليلة قال بعدها وليد:
إن المرقط الآن يجتمع مع الرجال في بيت الشيخ الكبير، سنعرف كل شيء في الغد، إنه الاجتماع الأخير لوضع خطة الهجوم على المعسكر، نحن نعرف ذلك، إن أحد خدم المعسكر يعمل معنا.. على كل حال، الرجل سيأتي عند الفجر ويخبرنا بكل شيء.. وإذا لم يتمكن من الحضور، فلن يبقى أمامنا سوى الاتصال بالمرقط والاتفاق معه على أن يكون عملنا مشتركاً.. عليك أن تحضر صباحاً، ثم نرى ماذا سيحدث..
نهض الشافي، ثم ودع الجميع، رافقه وليد إلى باب الكهف، ثم عاد إلى الداخل..

المرقط.. وصل إلى بيت الشيخ حيث الرجال بانتظاره، بإيجاز كبير شرح لهم المرقط خطة الاستيلاء على المعسكر..
قال:

الهدف معروف.. كذلك تفاصيل المكان.. أما الزمان فسيكون الجمعة ليلاً، أي بعد ثلاثة أيام.. لماذا.. لأن العساكر يخففون من الواجبات والحراسات، ثم هل نسيتم أنهم ينحرون الخراف التي نسلمها لهم كل يوم جمعة، إنهم لا يتركون منها شيئاً، ولو استطاعوا لأكلوا العظام.. يأكلون حتى التقيأ.. ينامون بعدها كالبغال المنهكة من التعب تماماً.. يبدأون عند الظهيرة، وبعد الغروب بقليل يكونون قد تعبوا من الطعام والشراب.. أما أنتم فتتحركون من القرية عند الساعة العاشرة مساءاً، الحادية عشرة أكون والخدم قد تمكنا من مستودع الذخيرة وبعض الجند، تصلون حينها.. تنزلون من الجبل، عليكم ألا تأتوا من بوابة المعسكر تحسباً للمفاجآت.... ساعة أخرى وأنا واثق بأن كل شيء سيكون على ما يرام..

أما عن الحركة، تتوزعون على ثلاث مجموعات حميد وعبد الرحمن في مجموعة، والشيخ مسعود والاثنان اللذان يعملان معه في مجموعة أخرى، أما الحارس وعثمان فيشكلان المجموعة الثالثة، بالطبع، أنتم طليعة المجموعات، إذ عليكم بالغد أن تختاروا لكل مجموعة ما استطعتم من رجال يلتحقون بها، يبقون على مسافة لا تتجاوز العشر دقائق.. مسلحين بالهراوات والعصي والسكاكين.. وما يمكن حمله، كذلك بنادق الصيد..

أما من هم داخل المعسكر.. أي أنا والخدم.. فسنقوم بتقييد المجموعتان المكلفتان بحراسة مدخلي المعسكر، كذلك سنستولي على مستودع الأسلحة، ثم نقوم بنقل بعضها إلى أطراف الجبل من أسفل بالقرب من الجدول، حيث تتسلمها المجموعات الثلاث حين نراها على الأرض هناك.. وعندما تتسلمون البنادق تكمنون خلف الصخور الكبيرة، فإذا سار كل شيء حسب الخطة، فإننا لن نطلق طلقة واحدة، أما إذا حاول أحد من الجنود المقاومة خاصة بالقرب من خيمة الضابط الكبير، فستتولى المجموعة الأقرب إطلاق النار، أما المجموعتان فعليهما إطلاق النار في الهواء بغزارة، عندها يظن الجند أن عدد المهاجمين كبير، فيستسلمون خاصة وأنهم لن يكونوا في وضع يؤهلهم لخوض قتال..

إشارة التحرك نحو الكمائن، ستكون تلويحاً بالنار من مشعل سأحمله، سأكون قرب خيمة الضابط..
إن ظروف النجاح متوقفة على مدى دقة التنفيذ وسرعته، لكن لا تنسوا الرجال الذين عليهم الانضمام للمجموعات الثلاث..
قال الضرير.. سأقوم بتبليغ الرجال ذلك..
وافق الجميع على ما جاء في الخطة، لم يناقشوا الأمر كما توقع المرقط، حتى الحارس فإنه لم يقل شيئاً.. كان المرقط يخشى أن تضيع خطته في خضم اختلاف الآراء، لكن المسألة مرت بسلام..
في اليوم التالي، لم يأت المرقط في الصباح كعادته لاستلام المؤونة، بل حضر جنديان للقيام بهذه المهمة، قالوا أنه متوعك، وأن الضابط الكبير أعفاه من مهمته لهذا ليوم..
إنه يخاف عليه.. وضحكا كثيراً..

لم يهتم القوم كثيراً للأمر.. فالمرقط ألمح بذلك حين أخبرهم بأن الموعد سيكون يوم الجمعة.. ثم إن كل شيء معد تماماً..
أما في الطرف المقابل.. حيث استقر أصحاب الكهوف المسلحين، فقد جاءتهم تفاصيل الخطة من المكلف بذلك..
في اليوم التالي.. حضر الشافي إلى الكهف.. أخبره وليد بما كان من أمر الاجتماع في بيت الشيخ الكبير، وعن تفاصيل خطة المرقط.. معترضاً على أنها أشبه ما تكون بعملية انتحار حقيقية.. ذلك أن هنالك شيئاً لا يعرفه المرقط..

هل إن في الأمر سوءاً؟ تساءل الشافي..
قال وليد:

إن الخدم الذين سيعتمد عليهم المرقط، ليسوا واثقين من أنهم قادرون على المشاركة.. إن بعضهم متردد، والبعض الآخر خائف جداً.. إنهم حتى الآن لم يشوا للضابط بما يعرفون، لكنهم قرروا الوقوف موقف المتفرج، فإذا نجح المرقط.. انضموا إليه، وإذا ما فشل، وهذا حتماً ما سيحدث إذا لم يشاركوا، فإنهم يتجنبون غضب الضابط والجند..
أشار الشافي بضرورة إعلام رجال القرية بالأمر.. فالمرقط لم يغادر المعسكر هذا اليوم.. والمسألة دقيقة جداً.. لكن وليد رفض ذلك قائلاً:
لدي حل آخر..

ماهو؟ قال الشافي
سنهاجم فجر الجمعة، فلا فرق بين الجمعة ويوم آخر، فهم متعبون كل ليلة، وكل ليلة تمر يقضونها في اللهو والشراب..
خط على الأرض خطاً يمثل الجدول الفاصل بين صفي الخيام، ثم رسم بعض النقاط التي انتصبت فوقها تلك الخيام، جلس الرجال حول ما خط على الأرض، ناقشوا الأمر حتى منتصف النهار.. العسكر – البنادق- الخدم، خيمة الضابط الكبير، كل شيء..

ثم اتفقوا على فجر الجمعة يوماً للخلاص..
مضى اليومان المتبقيان والرجال يستعدون للمعركة، اعدوا كل شيء بدقة، كان وليد يشرف على كل شيء.. والشافي لا يغادر الكهف إلا ليستطلع أحوال المعسكر في الليل، كان كل شيء طبيعياً..
أما في القرية، فقد انتظر الرجال مجيء المرقط فجر الجمعة حتى يتسلم المؤونة، لكنهم سمعوا فجأة أصواتاً تنطلق من الوادي، كانت أصوات الرصاص، والمرقط لم يأت.. تجمد الجميع في أماكنهم وقد أصابهم ذهول كبير، هل أنكشف الأمر.. ماذا جرى.. لكن الرجل الضرير صاح بالرجال.. لنتوجه إلى الوادي.. بينما تمتم الشيخ مسعود، لم أثق بهذا المرقط يوماً ما..

على حافة الجدول والمصير

كصقر عتيق، كان وليد يقف على صخرة تغطي باب الكهف، بينما كان الرجال قد حملوا أسلحتهم واتجهوا إلى حيث وزعوا..
قال وليد مخاطباً الشافي الذي وقف إلى جانبه يراقب خروج المسلحين من الكهوف..

لقد اعددنا الخطة بسرعة، صحيح أننا لم نغفل أي شيء، لكن المفاجآت غالباً ما تكون قاسية في مثل وضعنا هذا..
غلب الصمت على الاثنان، كانت نسمات خفيفة تتلاعب بالأشجار الصغيرة المنتشرة بكثرة هناك، بينما حلق صقر في السماء، دار دورتين فوق الرجال ثم استقر على رأس الجبل..
إنه فأل خير.. قال وليد..

أتمنى أن يكون كذلك..
خيوط النهار، لم تكن قد اكتملت بعد، وصل الرجال إلى أماكنهم، استعدوا، توزعوا حول الجدول من كل اتجاه، ثم.. طلقة واحدة أطلقها وليد، وبدأ الهجوم الذي كان يغطي كافة الاتجاهات.. فوجئ الجند بالهجوم.. كانوا غير مستعدين لذلك.. استيقظوا على صوت الرصاص.. خرجوا من الخيام، كان معظمهم يدور حول نفسه وحول الخيمة، البعض خرج بملابسه الداخلية، والكثيرين انبطحوا على الأرض تجنباً للرصاص..

الضابط الكبير، خرج هو أيضاً بسراويله الداخلية شاهراً مسدسه القديم، ثم بدأ بالصراخ على الجند، أما المرقط، فقد كان أكثر الذين فوجئوا بالأمر.. لم يستطع فهم ما يجري، اصطدم به جندي كان يركض هارباً، وقعا على الأرض، لكن المرقط تناول بندقية الجندي وطعنه بالحربة المثبتة بأعلاها ثم حملها في وضع استعداد، ولكن.. على من يطلق النار..

كان الموقف غامضاً بالنسبة له.. ظن أن رجال القرية، لم يثقوا به، فقرروا القيام بالعمل، لكنه استبعد الأمر، لأنه يعلم أنهم لا يملكون البنادق، وكمية الرصاص المنهمرة على المعسكر كثيفة جداً..
وجد نفسه على حافة الجدول.. قفز إلى الطرف الآخر، كانت المسافة عريضة نوعاً ما، لكنه استطاع تجاوزها.. لكنه وقع على الأرض، وحين رفع رأسه، كان الشافي يقف إلى جانبه شاهراً بندقيته، لكنه عندما رآه أنزل البندقية، وساعده على النهوض..
أنت.. قال المرقط..
أجل.. هيا اتبعني.. كمنا خلف الصخرة، ثم بدأ معاً بإطلاق النار على مجموعة من الجند كانت تحاول فتح طريقها نحو مدخل المعسكر وهي تحيط بالضابط لحمايته.. أما المجموعات الأخرى فقد بدأت بالنزول من على الجبل بعد أن بدأت مقاومة الجند بالتلاشي.. تطلع المرقط حوله..

ياه.. من أين أتى هؤلاء؟ تساءل..
لست وحدك من أدرك مبكراً أهمية الكفاح ضد الطغيان..
استطاعت مجموعة من الرجال أن تمسك بالضابط أسيراً بعد أن ألقى الجند الذي حوله السلاح.. كانوا قليلي العدد.. بينما كانت المجموعات الأخرى قد استطاعت بالفعل إحكام سيطرتها على جزء كبير من المعسكر.. باستثناء بعض الطلقات هنا وهناك.. بدأت المعركة تخفت تدريجياً، أصعد الرجال الضابط إلى برج عال يقع داخل المعسكر، كان يستخدم للمراقبة، كان رافعاً يديه، ومنظره يثير الضحك.. فقد كان سميناً غليظ الجسم، وجسده يتدلى من سرواله الطويل، كذلك عند الخصر..

كان يرتعد من الخوف.. يخاف الموت.. استعطف الجند بأن لا يقتلوه.. تمنوا ذلك ولكنهم لا يملكون القرار بذلك..
استسلم الجميع حين رأوا الضابط في حالته التي وقف بها على البرج، توقف الرصاص.. ثم أنزل الضابط حيث تم جمع الأسرى، أوثقوا بالحبال، ثم اقتادتهم مجموعة باتجاه الكهوف بعد إشارة من وليد..
الخدم الذين لم يعرفوا ما حدث..حسبوا أن المهاجمين هم رجال المرقط.. اندفعوا نحوه يعانقونه مهنئينه بالنصر.. كان لا يعرف ماذا يفعل، لكنه فوجئ بأن وليد هتف له مهنئاً بالنصر، على هتاف القوم.. أقترب المرقط من الشافي متسائلاً: فقال له..
في الغد.. ستعرف كل شيء.. حاول أن تجمع هؤلاء.. ثم دعهم يساعدونك في جمع كل ما في المعسكر، فضوا الخيام، وأحرقوا كل آثار لهم.. عليك أن تعرض على هؤلاء بين أن يبقوا في القرية، أو يذهبوا إن شاؤوا.. هيا قبل أن يأتي أحداً من القرية، لابد إنهم سيحضرون الآن، خاصة وأنهم كانوا بانتظارك..
إذن فأنت تعرف..

لا عليك.. في الغد ستعرف كل شيء... ثم انطلق خلف وليد واختفوا كما جاءوا..
لم تستغرق المعركة سوى أقل من ساعة واحدة.. كانت خاطفة بشكل مثير.. كان المرقط قد بدأ بتفقد أرض المعركة.. حين وصل الرجال من القرية وهم في حالة شديدة من التعب، جاؤوا مسرعين، قطعوا المسافة في نصف وقتها الطبيعي، توقفوا فجأة عند مدخل المعسكر.
حين اصطدم أول الواصلين منهم بجثة جندي كانت على الأرض، وقفوا وقد تملكهم الصمت المصحوب بالدهشة..

أما داخل المعسكر، فقد كان الخدم يتحركون داخل الخيام، يجمعون بقايا الجند، وبنادقهم مكومين إياها وسط المعسكر، بينما كان المرقط يقف شامخاً هناك، يوزع أوامره عليهم.. تقدم الرجال نحوه.. كانت حركتهم بطيئة، وعيونهم تدور في كل اتجاه، هتفوا للمرقط، رفعوه عالياً على الأكتاف، اعتلى كتفي الجزار ونظر إليهم، لكن حين هم بالكلام، دوت طلقة باتجاه تجمع الرجال.. ثم تلتها صرخة ألم.. التفت الجميع إلى حيث الصوت، كان عثمان قد سقط على الأرض حين فاجأته الطلقة في ظهره، مخترقة جهة القلب، أسرع المرقط إليه، أزاح الرجال الذين انحنوا محاولين إسعافه، لكنه كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة.. أغمض عينيه ثم تطلع حوله محاولاً تحديد مكان الطلقة، لكن كل شيء بدا ساكناً.. حتى أنفاس الرجال..

البطل والمنتصر

كن بطلا ما شئت، ولكن إياك بالبوح بما تعرف، في الوقت الحاضر على الأقل..
لقد كانت معركتك.. وانتصرت بها.. هل فهمت؟

قالها وليد للمرقط، حين أحضره الشافي في اليوم التالي إلى الكهف الكبير، هز المرقط رأسه علامة الموافقة، ثم جلسوا جميعاً على الصخور خارج الكهف، يتحادثون في أمر المعركة ونتائجها..
الراعي عبد الرحمن، حضر أيضاً بناء على طلب الشافي.. بكى كثيراً، وضحك أكثر.. كان الماضي قد انزاح تماماً عن صدره حين عانقه وليد قائلاً:

- كنت أفضل منا حين ظلمناك.
كان عبد الرحمن ينظر إلى وليد وقد بلغ به التأثر مبلغاً جعله يمسح دموعه بين الفينة والأخرى.. أما الآخرين، فكان كل منهم يعد عدته للرحيل بناء على أوامر وليد..
قال المرقط:

ماذا ستفعلون بالجند الأسرى؟
سنحاول أن نبادلهم برفاق لنا في تلك القلعة اللعينة.. إنهم في السجن الذي لا يخرج منه الأحياء.. أتذكره؟ ملتفتاً إلى عبد الرحمن..
يا له من أمر رهيب.. قال عبد الرحمن وأشاح بوجهه بعيداً كأنما عاودته الذكريات..
شعر الشافي أن عليهم أن يفسحوا مجالاً للصديقين القديمين لكي ينفردا.. فأشار إلى المرقط الذي فهم الأمر.. وابتعدا..
ظل وليد وعبد الرحمن صامتان للحظات، ثم قال وليد:
عد إلينا..
لا أستطيع، ليتني أفهم ما حدث..
كان هنالك جداراً صلباً قد فصل الاثنين.. لم تسقطه المعركة، ولا نسيان الماضي، ولا الحقيقة التي ظهرت.. لكن وليد ألح على ذلك.. فوعده عبد الرحمن بالتفكير بالأمر.. وعندما افترقا قال وليد:
ألا زلت مخلصاً للوطن؟ أجاب عبد الرحمن..
لم أكن يوماً إلا كذلك...

عاشت القرية أسبوعاً كاملاً احتفالاً بالنصر، كان المرقط نجماً لا ينازع.. الاحتفالات كانت تتوالى في القرية ليل نهار.. لم يتخلف أحد عن الاحتفال، سوى صالحة زوجة عثمان الذي نسوا أمره تماماً.. لم يعرف أحد مصدر تلك الطلقة، وحده الراعي عبد الرحمن كان ينظر بالريبة إلى الشيخ مسعود.. ولكن الشيخ الصغير، كان يقف مع الرجال حين سقط عثمان.. ربما كلف أحد بذلك، لكنه لم يستطع أن يؤكد الأمر.. أسر للشافي بشكوكه، لكنه آثر النسيان في نهاية الأمر.. فلا أحد يؤكد هذه الشكوك..

بعد أسبوع من المعركة، حضر إلى القرية وفد من المدينة، وعلى رأسه نائب الوالي الأول.. قابل الشيخ الكبير، نفى الشيخ أن يكون للقرية أو لرجالها ضلع بما حدث، وحده عثمان والخدم العاملين بالمعسكر يعرفون بالأمر، ثم أن هنالك أناس غرباء عن القرية شاركوا في هذه المعركة.. أما عثمان فقد مات، وأما الخدم، فقد أشار الشيخ إلى أنهم باتوا ليلة واحدة في القرية، ثم آثروا الرحيل، ورغم عدم اقتناع رجل الوالي بما قال الشيخ، إلا أنه اضطر إلى الإعلان بأنه مقتنع تماماً بما قاله الشيخ الكبير، إضافة إلى أن التقارير والمراسلات التي كان يرسلها الضابط لرؤساءه كانت تتحدث عن تعاون أهل القرية وحسن معاملتهم للجند، وخلو القرية أيضاً من السلاح.

أما بالنسبة للأسرى، فقد وقع استبدالهم فعلاً ببعض السجناء الذين كانوا في تلك القلعة الرهيبة، الضابط الكبير، نفذ فيه حكم الإعدام، وعلق على باب معسكر كبير، يقع قرب قصر الوالي.. ثم أنزلت جثته بعد ثلاثة أيام، وأعيد إلى بلاده مع الجند دون جنازة أو مراسيم..

أسدل الستار عما حدث.. واختفت آثار كل شيء، حتى الكهوف خلت من ساكنيها ومع ذلك كانت ملتقى لثلاثة ظلوا متماسكين تماماً.. الشافي والمرقط والراعي عبد الرحمن.

حين انتهت المعركة القصيرة الأجل، عاد القوم إلى القرية، يحملون جثة عثمان، كان مضرجاً بدمائه.. قالوا أنه شهيد، والشهيد يوارى التراب دون غسل، حتى أن ملابسه لا تنزع عنه، ومع ذلك فقد نزعوا قميصه، وألبسوه قميصاً آخر.. ثم دفن الرجل في جنازة مختصرة بلا طقوس..

صالحة التي فجعت بما حدث.. لم تخرج من البيت، ظلت هكذا لمدة أسبوع كامل، كانت جاراتها يعزينها ويواسينها بفقد زوجها عثمان، جاء والدها عارضاً عليها العودة إلى المزرعة حيث يسكن هناك، لكنها آثرت البقاء في البيت، وتولى والدها زمام الأمور في المزرعة التي أصبحت ملكاً لابنته، كانت تدر مبلغاً من المال لا بأس به، خاصة أيام الصيف، حيث الخضروات الطازجة التي كان أحد التجار يبتاعها من المزارع المنتشرة هناك، ويبيعها في المدينة.

مر الأسبوع الأول لمقتل عثمان، وخلى البيت من المعزيات والنائحات، وعاد السكون يملأ جنباته.

خرجت صالحة من البيت بهدف زيارة بعض صديقاتها.. كن بقرب البئر.. ذهبت إلى هناك.. وجلسن جميعاً بالقرب من شجيرات صغيرة برية نبتت هناك.. ثرثرن بكل المواضيع التي اعتدن عليها.. لكنهم أشاروا إلى صالحة، بأن عليها أن تنسى ما حدث.. فهي ما زالت فتية، ثم أن لديها مزرعة يمكن أن تساعدها على مواجهة الحياة.. إذ هي ليست بحاجة إلى أحد، إنه قدرها وعليها ألا تستسلم، فهي ما زالت صغيرة وجميلة، والكثير من الشبان يتمنون لو يتزوجونها.

صالحة اعتبرت أن ما قيل، هو من باب التعزية ليس إلا.. لكنها في اليوم التالي وبينما كانت تكنس باب البيت، جاءتها إحدى النسوة اللواتي يعملن في بيت الشيخ الكبير، عرضت عليها أمراً يتعلق بالشيخ مسعود.

قالت أنه يهواها، ولاشك أنها تعرف ذلك.. ثم أنه مستعد للزواج منها متى انتهت عدتها.

رفضت صالحة العرض.. فقد كانت تشك في أمر مسعود.. لكنها لم تستطع أن تبقى على رفضها حين تكررت هذه المسألة.. لم تستشر أحداً بالأمر، فقد قررت أن تحسم الأمر دون تدخل من أحد.

ذات ليلة، حضر إليها الشيخ مسعود بنفسه، كان بصحبة المرأة، اتفقا على الزواج، لكنه أشار إلى أن هذا الزواج يجب أن يبقى سرياً لبعض الوقت، حتى يستطيع إقناع والده، فزوجته التي تقيم معه، هي ابنة عمه، ولا يمكن لوالده أن يوافق بأن يتزوج عليها..
أسر لصالحة أن والده مريض بمرض لا شفاء منه، وأنه سيفارق الحياة بين ليلة وضحاها.. والمطلوب هو قليل من الصبر ليس إلا.
قال لها أيضاً، أن زوجته لا تستطيع الا تقبل الأمر، فهي لم تنجب له حتى الآن.. وها قد مضت ثلاث سنوات على زواجهما.. وإنها ستكون السيدة الأولى في البيت حين تنجب له أطفالاً بقدر ما تستطيع..
لم يمض شهر واحد على هذا الاتفاق، وقبل أن يتم الزواج بأيام، حتى حدث ما لم يكن متوقعاً.. فقد حملت زوجة مسعود.. وبان ذلك واضحاً عليها.. فرح الرجل كثيراً بما حدث.. وأصبح جل اهتمامه منصباً على زوجته، ثم أن والده الشيخ الكبير.. وعندما علم بأمر الحمل، أصبح كمن يعيش حالة من الانتظار والشوق..

كانت ابنة أخيه وحيدة لأبويها.. ولم يكن يسمح بإدخال زوجة عليها مهما حصل، استرد شيئاً فشيئاً عافيته، لكأنه تجرع دواء شافياً ساعده على ذلك.
أما صالحة فقد انقطع عنها الشيخ مسعود، أرسلت بطلبه، لكنه لم يأت إليها رغم وعده بذلك..

أخبرتها المرأة التي تعمل في بيت الشيخ الكبير بخبر الحمل.. ففهمت ما حدث.. ولم تعد تلح في طلب مسعود.. إلى ان فاجئها بطلاقها منه.
تغير حالها.. تركت البيت في القرية، والتحقت بوالدها في المزرعة.. أصبحت تقضي معظم أوقاتها في الفلاحة.. اكتسبت جمالاً زاد جمالها.. وصلابة معنوية جعلتها تصبر على ما حدث.. عادت الابتسامة إليها، فأشرقت من جديد، ولما تقدم لها ذات يوم شاب يعمل في نفس المزرعة.. وافقت بعد أن أقنعها والدها بأن هذا الشاب سيكون لها سنداً حقيقياً.. لحسن أخلاقه وسيرته..
قال لها أنه أصبح عاجزاً عن القيام بالعمل الذي يتطلب جهداً كبيراً منه، إنه أحس بشيخوخته وهي تقترب.. قال إنه يريد أن يذهب إلى ربه مرتاحاً لمستقبلها..
وكان أن تزوجت محسن.. وأصبح فرداً من أفراد العائلة في بيت المزرعة الكبير.

التغيير!!

وكم كان التخلف والجهل، يعشعشان
داخل تلك البنايات التي تناطح السحاب.

فارق الشيخ الكبير الحياة، بعد أن وضعت زوجة مسعود بعدة أسابيع، كانت قد ولدت غلاماً ارتاح إليه حين قالت له العجوز التي أشرفت على ولادته أنه يشبهه تماماً.. كانت المسألة بالنسبة إليه مهمة جداً..

فارق الحياة، هادئاً، كان نائماً عندما فارقته روحه .. لم يتألم.. ولم يطلب شيئاً.. والليل قد أسدل ستاره حين ذهب.. ودعته القرية آسفة على رحيله، فقد كان حلو المعشر، طيب القلب، رغم مزاجه العصبي.
والشيخ مسعود، ومنذ اليوم التالي لوفاة والده، استلم المنصب الذي أصبح شاغراً..

ظهر طبعه الغليظ منذ الفترة الأولى لتوليه هذا المنصب، إذ كان أول عمل له، أن زاد من أجرة الأراضي التي كان الشيخ يؤجرها لبعض المزارعين من أبناء القرية، أما العمل الثاني فقد كان أن وضع مواعيد للاجتماع به.. ولم تعد ساحة الضيافة في البيت الكبير تستقبل أحداً دون موعد..

الساحة أيضاً تغير فيها كل شيء.. فقد نزعت الأشجار من حولها.. ثم أتى بناؤون من المدينة، صنعوا لها سقفاً مرتفعاً تتوسطه قبة بنوافذ زجاجية التفت حولها.. والباب الكبير، أصبح محروساً. ثم تطور الأمر، بأن أغلق الشارع الصغير المؤدي إلى البيت بحاجز وقف عليه الحراس، يفتح حسب الحاجة فقط، بينما وضعت غرفة صغيرة للحرس على مدخل الشارع.. استبدلت حصائر الساحة بالسجاد، وفرشها بالمقاعد الوثيرة التي توسطها مقعد ضخم كأنه عرش لسلطان عظيم.
شكل فرقة من الحرس برئاسة حارسيه القديمين، استقدم شباناً من المدينة لهذا الغرض.

ثم جاء والي المدينة إلى القرية، ورسمّه رسمياً شيخاً لها.. أقيمت الاحتفالات بالمناسبة ولم يمض على وفاة الشيخ الكبير عدة أسابيع.
في الطرف الغربي للقرية، أقام مخفراً، وكون شرطة، بنى للشرطة إسطبلاً للخيل، كانوا قساة في معظم الأحيان، فالسياط في أيديهم تلهب ظهر كل من يتجرأ على مخالفتهم..

منع بيع المحاصيل دون دفع حصة له ، أنشأ دائرة لذلك..
المخفر ضم أيضاً غرفاً للسجن.. كان أول زبائن السجن "المرقط"، فقد شعر الشيخ أنه ينافسه في زعامة القرية بعد معركة الوادي..
كثر الشبان الذين حضروا من المدينة للعمل تحت إمرة الشيخ مسعود، صاروا أكثر من شبان القرية يتسكعون بالشوارع، كانت أزيائهم الغريبة عن القرية تدفع رجال القرية لوصفهم بالنساء.
لم يستطع أن يحتفظ بالمرقط لأكثر من ثلاثة أيام في السجن، فقد ثار أهل القرية، حطموا باب المخفر ونوافذه الجديدة، تدخل والي المدينة، اتفق على أن يطلق سراح المرقط على أن يتعهد بعدم تدخله في شؤون القرية.. وكان ذلك..

استفاد الشيخ مسعود مما حدث.. استحدث فرقة من الخيالة، اسماها فرقة مكافحة الشغب.. جاء الوالي مرة أخرى من المدينة، ظل في القرية أسبوعاً وضع خلالها مع الشيخ مسعود أسساً لتسيير الأمور دون أن يكون التغيير مفاجئاً.. أفهم الشيخ مسعود أن الأمور ستجري كما يشتهي إذا ما جاءت متسلسلة في اجراءاتها.
فهم الشيخ اللعبة..

قام والوالي بزيارة ضريح الشهيد عثمان، وضعوا الزهور على قبره، ثم أصدر الشيخ أمراً ببناء نصب فوق القبر يكون جديراً بمعنى الشهادة..

الشافي كان يراقب ما يحدث بصمت، كان مشغولاً بتعليم التلاميذ القراءة والكتابة، ذلك أن شيخ المسجد أصبح عاجزاً عن القيام بهذا الأمر. أما عبد الرحمن فقد أصبح ينام مع قطيعه في ذلك الكهف الكبير، بعد أن اتخذه مكاناً لذلك، تاركاً بيته في القرية..

تغيرت حياة القرية إذن، قلبت المسائل رأساً على عقب، غابت ليالي السمر، والتجمعات التي كانت ترى هنا وهناك بعد صلاة العصر اختفت هي أيضاً.. حتى دكان الجزار حميد، خلت هي الأخرى من الناس.. لم يعد يفاخر بمعرفته كل شؤون المدينة، فقد أفتتح أحد الشبان الذين أتوا من المدينة كشكاً لبيع الصحف، الكشك أقيم تحت شجرة السنديان الضخمة التي كانت مجلساً للرعاة، أصبحت هنالك حافلة يومية تأتي إلى القرية من شاطئ البحر، ثم ينتقل الناس منها عبر عبارة تقطع البحر بهم حيث الحافلات على الشاطئ الآخر تقلهم إلى منتصف المدينة..

ترك الجزار عادة فتل شاربيه، والحياة الجديدة جاءت ومعها مشاكل من نوع آخر..
حتى نساء القرية أصبحن كثيري التنقل بين بيوتهن..
شبان القرية، بهرتهم حياة المدينة التي لا يعرفونها، رأوها من خلال الشبان القادمين من هناك،صارت الهجرة إلى المدينة مطلباً يدور على ألسنتهم.

ذات يوم.. كانت مجموعة من الرجال، تجوب أحياء القرية، تقف هنا وهناك، تنتشر الخرائط على طاولة كانت تستخدم لهذا الغرض.. ثم يبدأ الرجال بوضع العلامات على مفترق الطرقات والبيوت..
في المسجد، كثر الحديث عن هؤلاء، جاء الشيخ مسعود، أخبر الحاضرين بأنه ينوي إنشاء طرق عريضة وحدائق وأماكن للراحة، وأن هذا العمل يقتضي إزالة بعض البيوت، وشق الطرق داخل بعض المزارع..
تساءل الناس عن فائدة ذلك.. قال الشيخ أنها الحضارة الجديدة التي ستأتي، ثم قام بهم خطيباً شارحاً لهم أن الزمن قد تغير، وأن عليهم أن يسايروا هذا التغيير، ألمح الشيخ أنهم سيكسبون كثيراً من هذا الأمر، وأن كل بيت سيهدم سينال أصحابه تعويضاً، وكل مزرعة كذلك..

مجموعات أخرى غزت القرية، رجالاً ونساء وشبان، هذا يبحث عن حشائش ونباتات، وذلك يهتم بالآثار، ومجموعة تعمل على تصوير القرية قبل أن تتغير ملامحها..
انتعشت قضية بيع الأراضي.. كان رجال الشيخ مسعود، يدفعون كثيراً من أجل ذلك، لكن الكثير الذي كانوا يدفعون لم يكن شيئاً بالنسبة لهم، إذ كانوا يكسبون أضعاف ما كانوا يدفعون..
الشيخ مسعود.. أفتتح نادياً للصيد.. جاء الصيادون من المدينة، بنادقهم كانت حديثة.. وملابسهم تدل على أنهم يمارسون الهواية للعبث واللهو، والقرية كانت تصحو على صوت اطلاقاتهم البعيدة، حتى أن الطيور غابت عن المنطقة، كأنها أحست بالخطر الذي يدنو منها..

الأراضي التي كانت تباع، سرعان ما كانت تتحول إلى مصانع، فهذا مصنع للعطور، وهذا مصنع للحلويات، وذلك مخبز حديث، وغير ذلك..
الأفران الفخارية التي كانت نساء القرية يتجمعن عليها لصنع الخبز اختفت، كادت أن تنقرض، لم تعد رائحة الخبز تفوح منها.. بعضها أصبح أماكن للنفايات، والبعض الآخر دخل في ذمة التاريخ.
أصبح الخبز الجاهز، أسهل كثيراً من الخبز الذي كانت نساء القرية يقضين النهار في صنعه.

المصانع أنشأت أبنية جاهزة لإسكان موظفيها، كانت المساكن مختلطة، وفي الأدوار الأولى منها.. أفتتح العديد من المنشآت الخدمية.
كان أول ما أنشأ هناك، حمام للنساء، ثم مزين لهن فحلاق للرجال..
ثم بائع عطور.. وأدوات زينة.. حلت الزهور الصناعية في محل جديد بدلاً من الزهور الطبيعية، محلات لبيع الأواني الزجاجية والبلاستيكية، دخلت أفران الغاز القرية لأول مرة، اقتناها البعض، كان لابد من وجود موزع للغاز، وهكذا..

امتدت أبنية القرية حتى اتصلت بالبحر.. شقت الطرق الجديدة، وبدأ العمران الأسمنتي يحل محل ما هو قديم، تماثيل رفعت تمجد عظمة الشيخ مسعود.. وتماثيل أخرى لصور تحكي عن أساطير قديمة لا تمت للقرية بصلة.

وصل التيار الكهربائي إلى القرية بعد بناء جسد وصلها بالمدينة فوق البحر، دخلت المعدات واللوازم الكهربائية البيوت، كانت من كل الأنواع..

حضر تجار المدينة، افتتحوا فروعاً لهم هناك.. أصبحت القرية مدينة كبرى بحق، المزارعون هجروا مزارعهم... لم يبق حول القرية سوى بضعة مزارع تمسك بها أصحابها..

جاء من أفتتح مطعماً، تبعه آخر بنادٍ ليلي، ثم كرت السبحة، تحول أحد الشوارع الحديثة إلى محلات للهو وتعاطي الشراب، وكان أن وصلت الغانيات وبائعات الهوى..

انتعشت أقدم مهنة في التاريخ.. صار بيوت البغاء أكثر من المدارس، مدرسة وحيدة تم بنائها للمرحلة الابتدائية فقط..
والتغيير كان يسرع الخطر بشكل هستيري.. عامان فقط، وتغير كل شيء..
استفاد بعض من الشبان، حين عملوا في المصانع والمحال التجارية، سعاة ومراسلين وأذنة ليس إلا..
حميد الجزار فهم اللعبة جيداً، كان مهيئاً لها، اختفى اللحم الطازج من دكانه بعد أن توسعت، صارت المواشي تباع إلى تجار المدينة، أما القرية، فقد اعتادت على استيراد اللحوم الذي أصبح حميد وكيلاً لها في المدينة الجديدة.

لكن ذلك لم يمنع من أن كثيرين من أهل القرية تمسكوا بأصالتهم، رفضوا كل هذا الزيف.

كانوا قلة.. ولكنهم كانوا يشكلون عبئاً على الشيخ مسعود..
كان للشيخ مسعود نزعة استقلالية بحتة، صار يتصرف كالوالي تماماً.. لقد كبرت مدينته ، زار الباب العالي.. منحه السلطان لقب والي الناحية، سمح له باستحداث فروع لكل ما هو تابع للحكومة.
أصبح للمدينة الجديدة عسكرها وشرطتها.. لم يتعلم مما حدث سابقاً، استولى على الوادي من جديد، وضع كتيبة من العسكر فيه، كانوا غرباء تماماً عن القرية.. أنشأ محكمة قضائية، شرطة سير.. ذلك أن السيارات غزت هي الأخرى المدينة الجديدة. ولكل شيء مكانه.. كل ذلك أثار حفيظة الوالي القديم، والذي يحكم المدينة الأخرى في الشاطئ الآخر للبحر.. أسر في نفسه شيئاً.. وعزم على أمر ذا أهمية.

المرقط.. رفض بيع البيت الذي ورثه عن والده بالتبني، رغم العروض السخية، كان البيت يتوسط منطقة اشتراها الجزار حميد لينشأ عليها مذبحاً للدجاج بعد أن تعاقد على ذلك مع شركة أجنبية.
أرسل حميد من يتوسط بالأمر، لكن المرقط ظل مصراً على رفضه، قابل الشيخ مسعود "الوالي الجديد" قال الوالي:
كل شيء وله ثمنه.. عرض بأن يكون شريكاً بالمشروع، أذعن حميد للأمر.. المهم أن يتم ذلك..
ذات نهار.. وبينما المرقط يهم بالخروج من البيت، فاجأته الشرطة، واقتادته إلى السجن، لم يعرف ما الذي حدث، فهو لم ترتكب أي خطأ، ولا إثما ما.. جاءه أحد أعوان الوالي.. قال له أن التهمة هذه المرة، هي التحريض على الوالي، واتهامه بالفساد، أنكر المرقط الأمر... لكن الرجل الذي جاء لمقابلته ساومه في أمر البيت، رفض المرقط البيع مرة أخرى.. فزج بالسجن من جديد..
في المحكمة التي عقدت بعد أسبوع، أتهم المرقط بما نسب إليه، احضروا شهوداً قالوا أنه حرضهم على القيام بأعمال مخلة بالأمن تنال من سمعة الوالي، نطق القاضي الحكم..
كان حكماً بالسجن لمدة ستة شهور..
كان هذا في المحكمة، أما خارجها، فقد أتت الجرافات الضخمة على بيت المرقط.. لم تترك آثاراً له، حتى كومة الحطب.. اختفى الصندوق الذي خبأ فيه ثوب أمه واختفت الحلي التي كان سيلبسها لعروسه.. ثم بدأ البناء.. عبر احتفال مهيب، وضع الوالي اللبنة الأولى للمشروع، عزفت الموسيقى، وصفق الحاضرون، عقد الوالي مؤتمراً صحفياً تحدث فيه عن فوائد التنمية، مهدداً ومتوعداً كل المتخلفين الذين يقفون في طريق مستقبل المدينة.
خرج المرقط من السجن، اتجه إلى بيته، كانت المعالم قد تغيرت تماما.. إذ أن أساسات بناء المشروع أقيمت حتى علت عدة أمتار، رأى حميد الجزار هناك، قال له، إنه وضع له نقوداً في المصرف كتعويض عن البيت قال المرقط:
وثوب أمي؟
لم يفهم حميد الأمر.. لكنه ضحك بصوت عالٍ وقال:
وهل لك أم؟
غضب المرقط من ذلك حاول الهجوم على حميد لكن رجال المشروع وقفوا أمامه وحالوا دون ذلك..
قرر المرقط الذهاب إلى الوالي السابق ليرفع شكواه، كان متأثراً جداً لما حدث..

تأثر أهل القرية كثيراً لما حدث للمرقط، كان بطلهم.. لكنهم لم يفعلوا شيئاً، قال أحدهم ذات يوم.. إن العين لا تقاوم المخرز.. وهكذا ظل المرقط بلا نصير، إلا شفقة من هنا ورثاء من هناك، الشافي لم يعد له مكاناً في المسجد لتدريس التلاميذ، فقد تحولوا إلى المدرسة بأمر من الشيخ – الوالي- أحضر المدرسين من الخارج.. كانوا رجالاً ونساء، فالمدرسة مختلطة.. لا بل إن الأمور جميعها مختلطة.
التقى الشافي ذات يوم مع المرقط.. تحادثا بشؤون وشجون القرية.. ذهبا إلى الكهف الكبير، وهناك كان عبد الرحمن منهمكاً مع قطيعه.. جلسا مطولاً يفكرون في أمر التطورات.. اتفق ثلاثتهم على الذهاب إلى المدينة، لكن عبد الرحمن، اقترح بعد ذلك أن يذهب الاثنان فقط.. كان عبد الرحمن قد احتفظ بعنوان من يستطيع أن يدلهم على وليد.. أخذ الشافي العنوان وفي اليوم التالي استقلا الحافلة، وغادرا نحو الشاطئ الآخر..
كان العنوان واضحاً.. استدلا على المكان بسرعة- قابلا رجلاً وعدهما بأن يأخذهما إلى وليد، ولكن بعد ثلاثة أيام.. استضافهما في فندق صغير حتى لا يثير شبهة أحد..
المرقط في اليوم التالي أصر على مقابلة الوالي.. سعى إلى حيث مبنى الحكومة الكبير، لم يتعود الموظفين هناك أن يأتي رجلاً ليقابل الوالي بهذه الغرابة، لكن الغرابة نفسها دفعتهم للاتصال بمكتب الوالي الذي ما إن عرف القادم، وإنه من القرية القديمة حتى أرسل سائقه الخاص وأحضر المرقط إليه.
شرح المرقط للوالي ما حدث.. ترحم على أيام القرية القديمة، قال له الوالي، إنه يشاطره أفكاره.. ثم أشار عليه، بأن القوانين تسمح له بأن يسترد مكانته عبر تأسيس تجمع معارض لما يحدث.. لكن ذلك يحتاج إلى جهد كبير، وإمكانيات أكبر.
قال المرقط.. إن في القرية أناساً مستعدين لذلك، وهم يطيعونه، لكن مسألة الإمكانات، مسألة صعبة، فهو لا يملك شيئاً، كذلك الآخرين..
ناقشا الأمر من كل الوجوه، ثم أستقر الأمر على صرف ميزانية لهذا التجمع من قبل الوالي، على أن يكون التجمع الذراع الطويل له في تلك المدينة، سر المرقط بالأمر.. .. وانطلق عائداً إلى الفندق..

ليلة القبض على ألأشياء جميلة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى