الثلاثاء ١٨ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم إبراهيم مشارة

المصيدة: عن الاستلاب الرّقمي

في إحدى القصص الرمزية القديمة أن السنّور أصابه جوع شديد فوجد مبردا ومن فرط جوعه أخذ يلعقه، لكن الدماء تدفقت من فمه فظنها من المبرد مستمرا في لعق دمه بتلذذ حتى نزف وهلك.

هذه إحدى القصص المعبرة، وهي كغيرها من كثير من القصص تسوق العبرة وتضرب المثل لبني الإنسان مكثفة المعنى في أسلوب قصصي رمزي، وأي معنى أكثر دراماتيكية من هذا المعنى؟ والعبرة المستفادة من هذه القصة أن تكون ضحية وأنت تتوهم نفسك بطلا وفائزا. إنه ضلال الوهم مع سوء تقدير الموقف.

لقد دفع هذا السنّور حياته ثمنا في لحظة أساء فيها التصرف، يتلذذ بالدم ومنظر المبرد المخضب، حتى إذا نزفت دماؤه في النهاية وجد نفسه الضحية والهالك، ولات حين مناص.

فهل نحن نعيش في هذا العصر الرقمي وعصر الشاشات والهواتف الذكية قصة أشبه بقصة ذلك السنّور؟ وهل تلك الشاشات لا تعدو أن تكون مبردا نلعقه فتسيل دماؤنا حتى نشرف في النهاية على الهلاك؟

نعاني اليوم في مجتمعاتنا من هدر الوقت أمام شاشات الهواتف وأن هذه الهواتف الذكية قد حولت بيوتنا إلى أرخبيلات وجزر معزولة، حيث يعيش كل واحد في جزيرته منعزلا عن الآخر لا ينظر في وجهه ولا يلحظ انفعالاته وتعابيره، ولا يكلمه ولا يشاركه أفكاره وانفعالاته وهمومه وأفراحه منصرفا إلى مشاركة الآخر الافتراضي هذه الأفكار والمشاعر وأغلبها زائفة مفتعلة.

في كتابه الهام "نظام التفاهة" خلص آلان دونو إلى أن الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل مثل تويتر وفيسبوك وأنستغرام التي هي مجرد مواقع للقاء الافتراضي وتبادل الآراء قد تكوّن فيها عقل جمعي من خلال المنشورات المتتابعة وأن هذا المنحى التراكمي نجح في اختصار مسيرة النجاح الطويلة التي كان الأمر يتطلب فيها جهدا مضنيا ووقتا عبر الكدح والصبر ،ففي الثقافة مثلا يتطلب الأمر القراءة الواعية والعقل النقدي والمناظرة والمراسلة والجدل الخصب المنتج، صار الأمر اليوم لا يتعدى منشورات متتالية متراكمة مع صور استعراضية وكثير من ذلك منهوب من مواقع ومنصات أخرى دون الاستئذان في ذلك، مما أدى إلى ظهور نجوم جدد في الفكر والفلسفة والشعر والنقد ومنهم من تجده لم يفتح كتابا ورقيا من زمن بعيد، ولكن ينشر بشكل سريع على وسائل التواصل والمنصات حاصدا كما هائلا من التعليقات والإعجابات وذلك ما يسميه دونو بــ" ترميز التافهين".

لقد نجحت وسائل التواصل هذه في ترميز التافهين من مشاهير السوشيال ميديا والفاشينستات وغدوا يظهرون لمتابعيهم - وأحيانا هم بالملايين - بمظهر النجاح، لقد قلصوا واختصروا درب الناجح الذي كان يتطلب الوقت والصبر والدأب والإخلاص واختصر الأمر كله في المال وحده، هذا العجل الذهبي الذي يوهمنا السامري الجديد في هذا القرن أنه الإله الوحيد الخالق للمتعة والمعنى والهدف.

يتحدث اليوم علماء النفس عن حالة إدمان لا تختلف عن إدمان المخدرات، فمدمن اليوم لا يختلف سوى أن مخدراته معبأة في إشعارات وإعجابات وقلوب حمراء ومعدل متابعات ومشاهدات، وهكذا يُرتهن الإنسان للعدد ،عدد المتابعين والمعلقين والمعجبين، وهذا الوهم يغذي الذات المتشظية فتزيد في لعق المبرد متلذذة بالدماء متناسية أو فاقدة للوعي أن تلك الدماء هي دماؤها، وأن الوقت يبدد أمام الشاشة ليجد المرء نفسه في النهاية قد وهن عظمه واشتعل رأسه شيبا دون أن يحس معنى لسني عمره وتعاقبها وانصرامها هباء، وكم من واحد يحدثك أنه لا يميز بين العام المتصرّم والذي قبله والعام الحالي فكلها متشابهة، إنه استلاب وارتهان من نوع آخر للعالم الافتراضي ودنيا الوهم والتزييف والاختلاق، وهذه الذات المتشظية الرقمية في مرآة السوشيال ميديا هي ذات مرهقة كما تصفها عالمة النفس شيري توركل، ففي كتابها "استعادة المحادثة" تتحدث عن نمط العقل الذي غدا يتصفح بسرعة، ففي دفعة واحدة تمر عشرات الصور والتعليقات والأخبار مما يفقد العقل القدرة على التروي والتركيز والفحص والنقد، فيتكيف بالتالي مع إيقاع المنصات السريع ويفقد القدرة على الولوج بعمق إلى الخبر أو الفكرة، إنها ذات متشظية لا تعرف من تكون تشكلت لها هوية سرابية أو هلامية قابلة للصب في كل قالب، ففي إنستغرام ذات ناجحة نشطة أنيقة حسب الصور، وفي فيسبوك شهيرة حسب عدد المتابعين المذهل، وفي لينكدان ناجحة جدا في ميدان العمل، وفي تويتر تطلق التغريدات المكثفة التي تنم عن فلسفة ورؤية ثاقبة وفكر عميق، لكنها في الواقع حين تطفئ الشاشة تتكشف على ذات كسولة مرهقة منغلقة على نفسها، محبوسة في حجرة شاحبة الوجه، من فرط السهر وإرهاق النفس والعقل معا.

هذا الوهم الجديد الذي يظن فيه المرء أنه صار ناجحا في العالم الافتراضي ولا يحصد إلا الهشيم ولا يجني سوى السراب ومرور العمر في غفلة مرتهنة لتلاعب مهندسي الخوارزميات ومصصمي المنصات فيبيعونه نفسه لنفسه في حين يربحون هم ربحا حقيقيا، وقد بلغت عائدات الإعلانات عام 2024 في الشرق الأوسط ستة مليارات دولار، وأغلب المصممين والمهندسين وأصحاب المواقع والمنصات لا يسمحون لأنفسهم وأولادهم بالولوج إلى هذه العوالم، إنهم مثل بائع المخدرات لا يستهلك ما يبيعه.

في كتابه "لا يقاوم" يتحدث آدم آلتر عن جيل جديد يستغرق الساعات وراء الشاشات منزويا في غرفة منعزلا عن العالم الحقيقي فاقدا للقدرة على عزل ذاته دقائق معدودة بعيدا عن هاتفه والتأمل في نفسه وفي العالم أو إجراء نقد ذاتي وإذا حاول فسرعان ما يطلب الدماغ جرعته من المخدر الجديد ،فيسارع كالمخدر إلى شاشته طلبا للجرعة.

ونحن اليوم أمام هستريا التريند هذا الوهم الجديد الذي خلق نجوما من لاشيء وعالما من الوهم فيحصد النجم ببعض المنشورات السطحية والصور المستفزة ملايين المتابعين، أو تنشر صورة لرجل بملابس نسوية وأغنية مبتذلة تنتشر على وجه الريح سرعان ما يُنسى ذلك كله في انتظار موجة جديدة من التريندات في بحر الوهم، في حين لا يهتم أحد بما يكتبه مفكرون وخبراء عن أزمة المياه في المنطقة العربية أو قضية فلسطين، أو سجناء الرأي أو انحطاط التعليم والمنظومة الصحية أو تدهور نسبة النمو أو التفاوت الطبقي ولا عدالة توزيع الثروة، أو غياب حرية الرأي والديمقراطية أو تراجع الفكر النقدي أمام طغيان الموجة الدينية وغير ذلك كثير.

تتحدث آنا ليمبكي مؤلفة كتاب "أمة الدوبامين" وهي طبيبة نفسية تمتلك عيادة لمعالجة الإدمان في جامعة ستانفورد عن إعادة توصيل عصبي جماعي نحو السطحية فالدماغ يبني مساراته بناء على ما نكرره وما نشاهده :"احكم بسرعة"، "انس"،" انتقل إلى التالي"، هذه السطحية تتحول إلى ملايين في جيوب الآخرين.

وإذا كان التأثير السياسي والفكري والاجتماعي يحدثه في السابق الفلاسفة والمفكرون والأدباء فقد انتقل اليوم إلى جيل جديد هم المؤثرون فهناك مؤثر مشهور ديني وآخر فكري وثالث فني ورابع اجتماعي وخامس في الموضة وهلم جرا، وقد اعترفت المؤثرة الأمريكية المشهورة أليسا ماكاي أنها كانت تكسب في الشهر ثلاثين ألف دولار وتعترف أنها كانت تكذب على نفسها وأن المتابعين يصدقون هذا الكذب ويعجبون به في حين أنحت هي على ذاتها الكاذبة باللائمة.

وفي ميدان السوسيولوجيا اخترع عالم الاجتماع الفرنسي آلان إرنبرغ مصطلح "الفرد المرهق"، فالذات المتشظية ذواتا في السوشيل ميديا وفي المنصات مثل الخلايا السرطانية أكلت الذات الحقيقية التي غدت لا تعرف من تكون وأرهقها هذا اللهاث الرقمي والافتراضي المبني على الزيف والتسطيح والوهم، وفي كوريا الجنوبية يتحدثون عن جيل هيكيكيوموري، وهو مصلح صاغه الطبيب الياباني سايتو تاماكي i وأقرته وزارة الصحة اليابانية والذي يعني حرفيا الانسحاب أو التقوقع، إنه جيل مستسلم بالكلية إلى الشاشات منعزل في غرف مما حدا بالطبيب أندرو سولومون بتوصيف ذلك بأنه جريمة وليس ظاهرة اجتماعية بريئة.

يتحدث روبرت بوتنام أستاذ السياسة العامة في هارفارد في كتابه" أطفالنا "عن انهيار في رأس المال الاجتماعي، فالفرد لا يمكنه التحديق خمس دقائق في وجه صديقه ناهيك عن أن يثق به ويشرح له لواعجه ويبثه همومه أو يشاركه أفكاره وأسراره، في حين يفعل ذلك أمام صديق افتراضي وهكذا غدت الخصوصيات من صور وأسرار وحميميات نهبا للعالم الافتراضي بين يدي صناع التكنولوجيا الرقمية ومنهدسيها وأصحاب المنصات ومبرمجي الخوارزميات، إنها مصيدة و حالة مرضية في التعاطي مع التكنولوجيا.

لقد أسس فكتور فرانكل مدرسة للعلاج بالمعنى وشعارها:"بين المؤثر والاستجابة هناك مسافة، في هذه المسافة تكمن حريتنا وقدرتنا على الاختيار".

إن ذلك يعني أن يعود المرء إلى ذاته ويحبس نفسه في غرفته لا ليستسلم إلى شاشة هاتفه بل ليتأمل في مسار العمر وانصرام الأيام والإجابة الموضوعية عن سؤال: ماذا جنيت ؟و ماذا خسرت؟ ولن يعدم الإجابة في الحين، لقد جنى الوهم وحصد الهشيم وقبض الريح وخسر العمر، والرابح الأكبر هم أباطرة الرأسمالية المتوحشة وشركاؤهم من أصحاب المنصات والمواقع والمؤثرين والمهندسين وغيرهم.

لم يعد المرء يجد القدرة، بله الوقت ليتأمل في منظر السماء في الليل، أو الاستمتاع بالسكون في حضن الطبيعة أو تمضية الوقت في سهرة عائلية، يتأمل الواحد في وجوه أفراد عائلته ويضحك من أعماق قلبه أو يبوح بآهاته وأحلامه، أو يشاركهم الحوار والقرار، فالإدمان الرقمي سرعان ما يسحب المرء إلى جزيرته مستسلما إلى جرعته من المخدر الرقمي، بل وصلت الفاجعة أن يدير الزوج ظهره لزوجته وتفعل هي نفس الشيء مستسلما كل واحد منهما إلى شاشته مستغرقا في عالمه الوهمي، من صور ومحادثات واعترافات وبوح بكثير من التزييف والكذب والاختلاق، في حين يموت ويذوي العالم الحقيقي ويشيع إلى مثواه الأخير على سرير الزوجية نفسه، فأي مصيبة أفدح من هذه؟

إن التعاطي مع هذا الغول الجديد، الغول الرقمي الافتراضي يستلزم فعل مقاومة بإطفاء الإشعارات وعدم الاهتمام بالتعليقات والإعجابات وارتفاع عدد المعجبين والالتزام الصارم بمواعيد دقيقة لاستخدام الشاشة كآخر الليل مثلا، ويكرس الوقت جله للعالم الحقيقي، عالم الهواء والشمس والقمر والدفء الإنساني وتعابير الوجه الحقيقية لا الافتراضية الكاذبة.،وأن يعود إلى الكتاب الورقي ووجوه الأهل والأصحاب والموسيقى الراقية والمسرحية الجادة واللوحة الفنية والجولة في الغابات والأحراش، وإلا فسيكون هناك مزيد من القلق والاكتئاب والإدمان الرقمي وتشظي الذات والإرهاق الذي جعل الناس عصابيين مكتئبين قلقين كل واحد يعود إلى المبرد ليلعق دماءه، فالتعاطي مع الشاشة صار لا إراديا، بل إن الشاشة تكون آخر ما يلمسه المرء ويراه في الليل وأول ما يستقبله في الصباح.

ومن واجب المفكرين والحكومات والمؤسسات المدنية والمنظمات الدولية أن تفكر في "يوم بلا أنترنت" و"يوم بلاشاشة "أسوة بيوم بلا تدخين ويوم بلا سيارات، بل إن هذه الفكرة أهم، فنحن أمام وباء اجتماعي ينذر بالكارثة، تحللت من جرائه الروابط العائلية وتفاقم التسرب المدرسي وامتلأت العيادات النفسية بالمرضى والطرقات والأماكن العامة والباصات بملايين المدمنين.

في فرنسا مثلا خصصوا ليلة من شهرأغسطس/ أوت أسموها ليلة النجوم، يذهب الناس زرافات ووحدانا إلى الضواحي بعيدا عن الملوثات الضوئية من أجل رؤية النجوم، فالأضواء الليلية أخفت النجوم وصار الناس لا يرونها إلا على الشاشات، فأحرى أن يكون هناك يوم بلا أنترنت حتى يعود الناس إلى دنيا العالم الحقيقي وتكون هناك فرصة للمساءلة والمراجعة والنقد الذاتي والتقويم والمقاومة، يتمرد المرء على المنعكسات الشرطية فيكون هناك مؤثر ولا استجابة،وتلك هي الحرية الإنسانية لا الوقوع في كمائن هذه المنعكسات الشرطية.

في كتابه "موسيقى الحوت الأزرق" يتحدث أدونيس عن الأمية الثقافية التي خلقتها التكنولوجيا الرقمية، ثقافة الصورة والفضيحة والخبر، لا ثقافة التأمل والبحث والتعمق والشك والنقد والتمحيص والقراءة العميقة في مظان الثقافة الحقيقية.
كان بجماليون نحاتا نحت تمثالا لامرأة سرعان ما أعجب به فحمله إلى الإله ليهب التمثال الحياة، فلما استجاب الإله له وتحول التمثال إلى امرأة سرعان ما ملها وعاد يسأله أن يعيدها تمثالا!

فهل نفعل نحن الشيء نفسه وقد أتعبتنا الشاشات وزيفت حياتنا، فنحمل هواتفنا الذكية ونذهب إلى أباطرة التكنولوجيا سائلين إياهم أن يعيدوا إلينا هواتفنا القديمة والبسيطة، فقد تكشف هذا العالم الافتراضي على كثير من السطحية والتزييف والاختلاق، وتفاقمت عزلتنا وقلقنا وإحساسنا باللاجدوى، واستلبت آدميتنا وارتهنت حريتنا ومسخت آدميتنا وكينونتنا الإنسانية أمام طوفان الصور والأخبار والفضائح والنرجسيات والدونكشوتيات والعنتريات الكاذبة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى