السبت ١٦ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم إبراهيم مشارة

بوعلام رمضاني وحرب الإبادة في غزة

هذا الكتاب من أهم الكتب الصادرة حديثا مواكبة لأحداث الإبادة في غزة، خلفياتها، وقائعها اليومية المرعبة ومآلاتها، وهو كتاب يقع في 201صفحة صادر عن دار الكتب للنشر والتوزيع بالجزائر2025

وبوعلام رمضاني مثقف وإعلامي جزائري مقيم بباريس منذ 1991، وكانت الصحافية بالقدس العربي فريدة حسين قد أجرت معه حوارا في03نيسان/أبريل2024حيث تحدث صراحة أن الاختلاف مع حماس لا يبرر أبدا صمت مثقفين تقدميين كما انتقد بصرامة موقف المثقفين المحسوبين على التنوير والحداثة في إدانتهم لحركة حماس والسكوت عن جرائم الاحتلال أثناء حرب الإبادة على غزة خاصة الطاهر بن جلون وكمال داود وغيرهما-حسب رأيه- من الذين آثروا حمى سباق الجوائز والندوات الصحفية وتصدر أغلفة المجلات والصفحات الأولى للجرائد الفرنسية والغربية والضرب بعرض الحائط لموقف المثقف الملتزم أمام موقف مسئول وشهادة للتاريخ في قضية شعب يباد وأرض تغتصب،تماشيا مع مواقفهم الراديكالية ضد التيارات الإسلامية ولو أدى ذلك إلى إبادة المدنيين العزل في مأساة إنسانية هي ضحية لبربرية وهمجية صهيونية ارتكبت أبشع الجرائم في القرن الواحد والعشرين.

تحدث الكاتب في المقدمة المقتضبة والمهمة جدا عن ظروف تأليف هذا الكتاب الذي يعد إضافة مهمة لمكتبة القضية الفلسطينية، والحق أنه لاقى متاعب جمة ومشقات عديدة لكنها لم تثنه عن المضي قدما في إعداد مادة الكتاب وإخراجه إلى النور.

تصدر الكتاب مقولتان هامتان إحداهما لفرنسيس ساير عميد الكاتدرائية السابق في واشنطن (فالآن صار المظلومون مظلومين،العرب يبعدون،العرب يسجنون دون توجيه تهمة،العرب يحرمون من أن يرثوا أرضهم وبيوتهم، ولا يسمح لأقربائهم أن يقيموا في القدس وليس لهم صوت ولاهناء في المدينة التي هي في نهاية الأمر عاصمة عبادتهم الدينية) وقد ردت عليه صحيفة الواشنطن بوست (أقوال ساير قمامة مجانية للحقيقة)، والثانية للبروفيسور إسرائيل شاحاك(الوضع الحالي الذي تضطهد فيه طائفة طائفة أخرى سوف يفسدنا جميعا).

يشير الكاتب إلى أن كل من أيد الحق الفلسطيني وأدان الحرب على غزة قد سبح ضد تيار المكارثية التي لا تعني غيرالتضييق والإلغاء وإلصاق التهم بكل صوت يتحدث عن جرائم إسرائيل ويشجب حرب الإبادة في غزة تحت يافطة العداء للسامية ،وهذا التهميش والتضييق طال حتى أصوات قليلة تدين حركة حماس ولكنها متضامنة مع مأساة المدنيين ومعارضة للعدوان الصهيوني على غزة تحت تأثير لوبي إعلامي مهيمن يحرم المشاهدين من تغطية الأحداث وكشف الحقيقة والاكتفاء بالشأن المحلي والأوروبي.

تحدث بوعلام رمضاني في هذه المقدمة عن ظروف تأليف هذا الكتاب وموقف المثقفين الفرنسيين والعرب المقيمين بفرنسا من هذه الحرب فبينما بادر بعضهم إلى الحديث والاستجابة لإجراء الحوار معهم بصراحة وجرأة مع اعترافهم بحق إسرائيل في الوجود مثل ألان غريش، روني برومان، سيلفان سيبال، برهان غليون تنصل بعضهم الآخر من العرب والغربيين من وعودهم ورفضوا إجراء الحوار ويعود ذلك أساسا إلى انتفاء التعبير بحرية تامة عن مواقف مؤيدة للشعب الفلسطيني، مما يكشف عن أحد مآزق الديمقراطية الغربية وحقوق الإنسان،وهذه الأسماء التي تنصلت من وعودها أو لم ترد على دعوة الكاتب هي من تتصدر الشاشات الفرنسية. ما حدا بالكاتب إلى أن يستعيض عن ذلك بمواد تخدم الغرض والغاية من الكتاب كمقالات واستطلاعات، وتحقيقات وعرض كتب والحديث عن فيلم،وتغطية لندوة شاعر ،كتغطيته لندوة الشاعر صلاح حموري الذي طرد من إسرائيل نحو فرنسا ومازال ملفه قيد المعالجة القضائية،وتقتضي النزاهة القولية والشهادة الصادقة القول أن كثيرا من المثقفين العرب رفضوا المشاركة في الحوار باستثناء قلة منهم الشاعر طه عدنان صاحب ديوان "قيامة الأشلاء"،وللقارئ أن يخمن سبب إحجام هؤلاء المثقفين العرب عن الحديث عن حرب الإبادة في غزة.

ومن الأسماء التي حاورها الكاتب برهان غليون(إسرائيل تتصرف بالوكالة عن غرب غرسها في أرض فلسطينية)،آلان غريش(الحرية تنتهي حينما يبدأ الحديث عن فلسطين)،طه عدنان (الدم الفلسطيني مازال يختبر إنسانيتنا) مع تذييل الحوار بنص شعري بعنوان "نشيد الغفران"،الأمين بلغيث ورواجعية(طوفان الأقصى ساهم بكبح السردية الإسرائيلية)،روني برومان (تأييد معظم المثقفين الفرنسيين لإسرائيل ليس مفاجأة)،سيلفان سيبال(07أكتوبر دليل عدم موت القضية الفلسطينية)،صلاح حموري( إبادة غزة حرب عالمية ضد فلسطين)،ج.ب شانيولو (إسرائيل حالة نيو كولونيالية وعنصرية متنامية).

وفي الفصل الثاني جمع الكاتب بعض شهادات وانطباعات وآراء لبعض المثقفين الجزائريين شعراء وكتاب وإعلاميين ومخرجين سينمائيين تصب كلها في مصب تأييد الحق الفلسطيني وإدانة الحرب والتطهير العرقي في غزة وشجب الصمت العالمي والتواطؤ من قبل بعض الأنظمة العربية وهذه الشهادات والآراء جاءت من المسرحي نجيب اسطمبولي ،الروائية مليكة ماضي، الخبير في الاتصال سليم بلقسام، الكاتب سعيد هادف، المخرج السينمائي محمد زاوي الشاعر عمر أزراج المقيم بلندن، الكاتب عبد السلام فيلالي والشاعرة حياة قاصدي والقاصة راضية تومي.

ومقالات أخرى مهمة تفند السردية الإسرائيلية وتفضح الصمت من لدن بعض المثقفين في الغرب ،قلعة الأنوار ومعقل الديمقراطية مثل (مثقفو الشاشة والتضليل الفرنسي باسم محاربة حماس)،(مثقفو الصمت الذي يخدم إسرائيل)،(هكذا يتم إحياء ألبير كامو على حساب فرانز فانون في عز إبادة غزة)،(بوعلام صنصال ضيفا على كريستيان ستروزي مؤيد إسرائيل دون قيد أو شرط).

أما في الفصل الثالث فقدم الكاتب شهادات عن فلسطين المقاومة والتاريخ والإبداع وهذه المرة شهادات لإعلاميين جزائريين آخرين من مشارب متعددة مثل الصحافي السابق في القناة الإذاعية الأولى محمد شلوش والصحافي المتقاعد تواتي سليمان، الإعلامي عبد القادر شنيوني والصحافي المتقاعد فرحات زايت، والصحافي المستقل نور الدين كبير والصحافي المقيم بفرنسا فاتح بولعشب.

ومن أهم مقالات الكتاب (ناجي العلي شاهد المقاومة الفلسطينية الأبدي) وهي قراءة في كتاب رولان فايت "كتاب حنظلة..رسوم ناجي العلي المقاومة" ومقالة عن جاك لانغ فلسطين حضارة وإبداع.

وإذا كان الختام مسكا كما يقولون فقد جاءت المقالة ما قبل الأخيرة تحليلا لفيلم "لا أرض أخرى" وهو فيلم يفند سردية رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مما حدا بأحد المتفرجين الفرنسيين إلى أن يهتف في نهاية الفيلم" تسقط إسرائيل" وهو الفيلم ذاته الذي قاطعه معظم نواب الشعب الفرنسي، فمن جهة هناك موطنون فرنسيون متعطشون للحقيقة تبع لضمائرهم ، ومن جهة أخرى سياسيون ومثقفون تبع لمصالحهم.

وهكذا غدا الحديث عن غزة والحرب عليها تهمة يجدر التنصل منها ،والخوف من الوصم بتهمة معاداة السامية التي غدت جريمة لا تغتفر،وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على النفاق الغربي في قطاع عريض منه يتبجح بالحديث عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية وفلسفة الأنوار والنزعة الإنسانية والعقل النقدي الذي لا يراكم المعارف أو الأخبار بل ينخلها ولكنه حينما يتعلق الأمر بالعرب فالنخل مذموم والتصديق مرغوب.

أما المقالة الأخيرة فهي بعنوان (متحف في فلسطين حلم يتحقق).لا يرحم الكاتب المثقفين العرب الذين صمتوا عن مجزرة غزة،وقد تجشم الأعباء في جمع مادة الكتاب وتلقى الطعنات في الظهر من لدن كتاب ومثقفين وعدوا الكاتب بإجراء الحوار وتقديم الشهادة وشرح الموقف ثم تنصلوا من وعودهم، كما لا يفوته أن يوجه نقده الصارم والمؤسس لمثقفين عرب يقيمون بفرنسا وبعضهم بلغ من الشهرة والمجد مبلغا يحسدهم عليه من يطمع إلى شهرتهم وأمجادهم ومكاسبهم المادية والمعنوية ويرغب في السير على منوالهم ويخص بالذكر ثلاثة منهم الطاهر بن جلون أمين معلوف وكمال داود ،هؤلاء الذين كانوا ملكيين أكثر من الملك، فأمين معلوف حسب رأيه اعتمد السردية الإسرائيلية بلا تمحيص ولم يكلف نفسه عناء البحث عن الحقيقة وهو رئيس الأكاديمية الفرنسية وبن جلون وكمال داود أدانا حركة حماس الإسلامية الأصولية في هجومها على إسرائيل وترويع المدنيين، أدانا الضحية وأشادا بالجلاد وهذا الموقف يسقطهم من الأعين مهما بلغا من الشهرة لأن القضية في النهاية هي قضية النضال من أجل الإنسان وإعلاء للقيم الإنسانية ،وليس التحجج بأن الإدانة للبربرية الإسرائيلية يعني قبول ما فعلته حماس ومباركة العنف الاصولي الإسلامي كما يزعمون، وهو عذر أقبح من ذنب.

إن كثيرا من المثقفين العرب الذين سكتوا عن مجازر غزة لن يرحمهم التاريخ لقد فاتهم -لأسبابهم الشخصية غير المبررة - أن يركبوا قطار التاريخ وسقطوا من أعين قرائهم العرب الملتزمين بقضية فلسطين ،لقد رغب بعضهم في السلامة وحرص بعضهم الآخر على مصالحهم وخشي بعضهم الآخر من الوصم بالإسلاموية والأصولية والظلامية وتهمة معاداة السامية والتنكر لقيم الأنوار والديمقراطية والحداثة والحريات الفردية، وخشي بعضهم الآخر أن لا يدعى لحوار أو استضافة في ندوة أو الحرمان من جائزة أو ترجمة كتابه أو ديوانه الشعري، مع أن القضية لا تتعلق بالأصولية أو معاداة السامية بل بقضية شعب تغتصب أرضه وتسحق كرامته ويقتل شبابه شر قتلة في جريمة من أبشع جرائم القرن الواحد والعشرين، فالموقف من قضية فلسطين معيار للقيم الإنسانية التي لهج بذكرها فلاسفة الأنوار وكبار مصلحي الإنسانية.

لقد ضحى الشعب الفلسطيني هذه المرة في أحداث غزة المروعة مرتين مرة من أجل الدفاع عن أرضه وعرضه وكرامته ومرة أخرى من أجل أن يكشف للعالم تهافت المعايير الغربية وازدواجيتها ونفاقها وبالتالي وضع المدنية والحضارة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين في موضع الشك بل والاتهام، هذا العالم الذي قال: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم! والاستثناء يؤكد القاعدة كما يقولون.

جهد طيب من الكاتب بوعلام رمضاني وإضافة محترمة رصينة لمكتبة فلسطين شكلا ومحتوى وتوثيقا لهذه الإبادة التي صدمت بفجائعها كل صاحب ضمير حي وموقف صادق ونبيل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى