الثلاثاء ٢٢ حزيران (يونيو) ٢٠٢١
قراءة في نص

«تازيديرات» للشاعرة التونسية خيرة خلف الله

أحمد مكاوي


أربعة عشر هو عدد المقاطع التي وزعت الشاعرة التونسية أصيلة المطوية بقابس خيرة خلف الله نصها من خلال الفراغات التي خلفتها الشاعرة بين كل مقطع ومقطع..
و "تازيديرات"حسب التهميش هو اسم فتاة طارقية فماذا تريد خيرة أن توصل لنا عبرهذا النص ؟وبأية وسيلة جمالية توسلت ذلك؟

«1»
باعتماد الأسلوب الخبري إلا في ثلاثة مواضع من النص الطويل.. استفهامان ونداء الاستفهام الاول والنداء نانزاحا عن غرضهما في حين الاستفهام الثاني غرضه حقيقي يفتح على البلاغي من خلال التأويل حين الجواب !! تقدم الشاعرة في نصها سردية شعرية من خلال "تازيديرات" هذه الطوارقية التي اختزلت معنى الحياة في أرض ممتدة على دول تفرقها الحدود وتجمعها الحضارة المشتتة المتآكلة من أطرافها لتبقى مجرد وشوم على ذاكرة تحاول أن تسترجع وهجا كان لكنه أكثر شحوبا الآن والنص ينتهي بدم مسفوح من "تازيديرات" لكن النص أيضا لم يجزم أنه دم قتيلة حين ختم:"هل تسلم "تازيديرات" "

الموت هنا أقرب لكن أيضا الحياة ممكنة!!

«2»

من هي "تازيديرات"؟!

النص لا يجيب ولم تكن مهمته تحديد ملامحها وتفاصيل جسد أو حكايا حياة بقدر ما قدم ما يجعل من "تازيديرات" حالة حضارية عبر صفات مواقف لشخصيات أربع:

"تازيديرات"و الشيخ .. وبن الجار .. والجار الجديد .. أشخاص في السردية لا شيء يمكن أن نعرفه عن حياتهم لكن يمكن أن نعرف مواقفهم من "تازيديرات"..
الشيخ المزدري ل"تازيديرات".. ابن الجار الحالم ب"تازيديرات"..والجار الجديد المنزعج من الحلم القاتل له..

"تازيديرات" هي المحرك لكل هذه الأحداث وهي صفات وأفعال يمكن أن تشكل ملامح رمزية لكنها لا تشكل كيانا ماثلا له حياة مستقلة هي محور لكنه منفعل لا فاعلا خارج الذات !!

«3»
قصيدة خيرة مترعة بالصور التي تتوزع على جسدها كما الاوشام المتقنة الرسم كل صورة/وشم يبعث فيك المتعة والدهشة ويفتح باب التاويل مشرعا على ساحات الخيال الخلاق المزروع فتنة نسجتها أنامل المعنى ولونتها منازع الإبداع من كل ألوان الكون ليغدو المجال مجلى للحسن القائم على لغة متحكم في مفرداتها مستنطق مرامي معانيها مغطاة بطبقة من غموض شفاف كلما التحمت جمله تناثر عطره في فضاء القصيدة.

من هذه الصور:

"لا وقت لي كي أنظر في فنجان الخسوف"
"وافرش اجنحة الغمام من شرفة الذاكرة"
"استرق الشعور بالغيث المتربص بصبية القربان"
"اوقدوا شموع الموسيقى"
"وشم هلى خد عجوز تمنطقت السحاب"
"يقشعر السيل
تتعطر بالرجفة "تازيديرات"
تمعن في الرقص
تتستر سنرتها بالأعشاب
تكشر العجوز عن ظمئها"

"لكنها
علقت صفصافة بخرم الوقت"

القصيدة التي تحتوي على هذه المجموعة من الصور وغيرها والموزعة على جسد القصيدة تجعل منها القراءة الكلية بعد تفكيك عناصر كل صورة ثم الربط بينها وبين الرمز "تازيديرات" والقراءة الحضارية لها تجعل هذه الصور تنفتح على معان تتوالد.. وأحاسيس تشدو الممتع الذي لا يكف النص عن إنتاجه..

ليعمل العقل على التأويل والقلب على النشوة المنتجة لجزيرة يسكن فيها بين دهشة ومتعة...

«4»

نص" تازيديرات" لخيرة خلف الله هو نص نثري يمكن أن يقرأ على مستويات عديدة يفكك من خلالها لا للفصل بين الفكري والفني لكن لإبراز ما بين الفكري والفني من وشائج لصناعة نص يمتد على ضفاف التأويل الحضاري الذي تصنعه أنامل حضارة إفريقية ممتدة على مساحة واسعة من جغرافيا بشرية تمازجت فيها الألوان والثقافات على امتداد أعصر يصعب تحديد بدايتها لكن ما بقي منها من آثار مادية ومعنوية تجعل منها مصدرا ثريا لكل مبدع يعرف كيف يقتنص الرمز ويوظفه ..وكل قارئ يستطيع عبر آلية التأويل أن ينتج معنى ينضاف لمعان تبني في النفوس الحس الجمالي الحضاري الذي يعزز الانتماء والالتزام بمفهومهما الإبداعي الواسع
وهذا النص أنموذج لذلك ...

القصيدة:
"تازيديرت"*
تفاصيل الميلاد
مخاض الهطول المستمر
سحنة القمر قبل العسر
تكوّر النّجم بأفق الحقيقة المشتهاة

جملة من المعطيات الكفيلة ب"تازيديرت"
لا وقت لي كي أنظر في فنجان الخسوف
سأخلد للانطلاق
وأفرش أجنحة الغمام من شرفة الذّاكرة
لأستوي أعلى من الخصب ألطف من المرج
كلّ الأبعاد "تازيديرت":

طيف النّسيم
خمائل الصّبر
لذة البرق
والوطن الحقيقة الواحدة الزّاخرة الحضور
يختزلني فصل المجيء بأفق الانبهار
أتلمّظ أعشاش الانتشاء
أسترق الشّعور بالغيث المترّبص بصبيّة القربان...

تختلط الجلبة بالوادي
تهطل "تازيديرت "
أمعن التّمرّد في الحلم
الوادي يحمل من كلّ شعور نكهتين
وحدك تسافرين "تازيديرت"
الفرسان خلف القبيلة أوقدوا شموع الموسيقى
رقصة الماء الأثيرة لديك
لكنّك لا تلتفتين...
الرّمثةِ تتعالى
تخلد للصاخة
والجموع يحتملهم الوادي
تغرق" تازيديرت "في لجّة الرقص
تتبرّج للشّمس من خلف خباء
الماء ماكر يجرف خصلاتها الكالحة
يزبد ويرعد بجسدها المرمريّ

الماء:
لق..
لق...

الماء:
لق...
لق...

تتسربل الأرض بحبات السّواد ...
تفيض المقل بالسّواد
و" تازيديرت "...
تمرّغ جسدها بفحيح الموه ...
" تازيديرت "
وشم على خدّ عجوز وقد تمنطقت السّحاب
يتكسّل الارتواء
ينتفض الفرسان/ تمور القبيلة
و"تازيديرت" ...
بمفتتح الوادي
في موكب رسميّ للنّجوم...
تتشقّق جدران الحلم
تينع أنامل الكون
تخضرّ مآقي العجوز
والوطن الملهم الوحيد

يقشعرّ السّيل
تتعطّر بالرجفة "تازيديرت"
تمعن في الرّقص
تتستّر سمرتها بالأعشاب
تكشّر العجوز عن ظمئها

سرد الشّيخ في ازدراء :
حكمة الارتواء ماجن فعلها في الأشياء
هل تحفل "تازيديرت"...؟
منذ الأزل حلم الوادي "تازيديرت"
الوادي واهب الارتواء
الوادي حافظ تراتيل العجوز
الوادي وجهة الفرسان...يحلمون ب"تازيديرت"
لكنّها
علّقت صفصافةً بخرم الوقت
تبرّجت في انتصار آلهة
عرّشت بالكروم
حفرت في أعجاز المحن
تبرّمت من أيقونة التّعثّر بجراح الوطن
وأسلمت جسدها للوادي
صار بهجة
صار صوّانا ناعما
صار رغبة مستمرّة في التحاف حقيقتها اليانعة
واحتواء عطرها
صار الوطن ل"تازيديرت"

"تازيدريت" تعيش بجرعة زائدة في القلب
تؤلّب الظّنون على الضّعفاء
تفتح مجالا لتسكّع الأفكار خارج الخطوط الحمراء
تتمعّش من نسيان ما لا ينسى
تفلح الرّغيف بمنطق الضّرورة
لا عدل في أصل الأحكام
موطئها دورق يمتهن سياسة مكعّبات الثّلج
تصدر مرسوما يمدّد من فعل الانتشاء بالأحلام
كلّ مسموح على زمن الابتهالات
"تازيديرت"
لقد أتى الفعل تلقائيّا
لا وصيّة لأحد...

الخبز معروك الجلد بشبّاك التّذاكر
وآخر فلم يكيل "الغباء" بالقسطاس للسّذج الأبرار
والحياديّ ...إرهابيّ متستّر بخامة نفط تمطّ في الغياب
وطن أنت ...يا "تازيديرت"
علّق أحد الرّعاة
أرخبيلات الصّمت رهن الإغفاءة الجبريّة
تلوّح الأيادي بقانون البقاء
تتهدّج الحناجر بقانون البقاء
تنوّه الأصوات بقانون البقاء
على أيّام ااشتهاءات
يستوي البقاء و الفناء...
...
ابن جارنا، يحلم ب تازيديرت
فجأة ظهر جار حديث عهد بالجوار
أزعجه حلم ابن جارنا أناء الليل وفي وضح النّهار
سدّد له طعنة لسوء حظّه أفلتته، وقتلت الحلم
أصبح ابن جارنا لا ينام إلّا بالمقبرة
بينما الكوابيس لا تفارق الجار الحديث عهد بالجوار

صار الحلم يشبه الموت
صار الغناء يشبه الموت
حتى العشق صارت له رائحة كالموت
تبا لفعل الموت هذا ضرورة نختارها لتطمئن قلوب الضّعفاء

أصص الأزهار على السطوح مشرئبّة الأنفاس
يقطع عليها نزهتها الحياتيّة ظلام يحتطب الأحلام
تذبل الأغصان ...
تجفّ الوريقات ...
تخمد الجذور في أنّ بطيء

أدمت يد العابر المسكين مسك التّويجات...
تمتم في أنّ شفيف :
تلك دماء "تازيديرت."..
هل تسلم "تزدريت"
!!!!!
؟

*تازيديرت :اسم لفتاة طوارقية

أحمد مكاوي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى