تحوّلات فلسطين في الرواية
تحوّلات فلسطين في الرواية بين جيل الستينيات والرواية المعاصرة من مركزية الرؤية إلى ذاكرة الفرد
(مقاربة ما بعد كولونيالية)
المقدمة
لم تعد فلسطين في الرواية الفلسطينية اليوم حاضرة بالتمثيل السرديّ ذاته الذي شكلته حقبة الستينيات والسبعينيات في إطار من الرمزيّة القوميّة الجامعة والأفعال البطوليّة التعبويّة ينهض على فعل أخلاقي للصراع، يفضي إلى ذات وطنية مسؤولية في مواجهة الاحتلال، إذ شهدت العديد من النصوص الروائية تحوّلًا على صعيد بنية الخطاب وفضائه ووظيفته ورمزيته، جعل من فلسطين فعلًا حواريًا تشيّده الذاكرة الفرديّة، ففي العقدين الأخيرين بزغت نماذج روائية حرصت على تفكيك ما سبق، وإعادة صياغة طرحها بالاعتماد على الذاكرة الفردية الهشّة والجسد المكلوم والأفق المظلم، وهذا أمر جدير بالدراسة والتحليل.
تنطلق فرضية الدراسة من أن هناك تحولًا في كتابة فلسطين روائيًا ينقلها من خانة البناء المركزي الرمزي القومي المواجِه بالفعل، إلى فضاء سردي محكوم للذاكرة الفرديّة، والانكسارات المتعاقبة، والصمت والتشظي. ويمكن للدراسة امتحان هذه الفرضية عبر المقارنة بين نموذجين روائيين ينتميان إلى هاتين الحقبتين هما رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني (1969)، ورواية "تفصيل ثانوي" لعَدَنيّة شِبلي (2017). والاقتصار على هذين النموذجين الدّالين يتيحان للدراسة عمقًا في للتحليل ويعينان على رصد التحوّل في الخطاب والأسلوب وصورة المكان والبناء الزمنيّ وتمثيلات العنف وصورة الفلسطيني الحريص على تأكيد وجوده.
تستعين هذه الدراسة بنظرية ما بعد الكولونيالية (Postcolonial Theory) في تأويل الطرح وتحليل الخطاب. وهذه النظرية تقدم قراءة لهذين النصيّن في تحديد ملامح سلطة الاحتلال وهيمنتها وتشكّل ذاتها في إنتاج خطاب القوة في الأدب وإنتاج صورة للمُحتلّ في البناء السرديّ. والغاية من هذه المقارنة هو تشخيص الوعي بالكتابة ووصف الحساسيّة الجماليّة، وأنماط السرد وإنتاج المعرفة، وثنائية المركز والهامش ما بين الهوية المتماسكة والذاكرة الهشّة في تعاملها مع المكان الذي يغدو في الرواية فضاءً للصراع الرمزيّ، ثم يُعاد إنتاجه بوصفه خطابًا للصمود والوجود يُحدّد العلاقة بين الأرض والهُوية والكتابة.
ولقراءة صيرورة فلسطين لدى كتّاب الرواية يمكننا الانطلاق من جيل (الستينيات) وخير من يمثلهم الروائي الفلسطينيّ غسان كنفاني الذي كتب في هذا الصدد "رجال في الشمس" 1963، و"عائد إلى حيفا" 1969، وفيهما تتمثل سرديّة تحرّريّة تدعو صراحة لاستعادة الوطن بالتحرير وبالعودة، وأبطال هذه الروايات يهجسون بأفق جمعيّ يجعل من بطل الرواية دالًا على الشعب كله. أما في رواية العقدين الأخيرين، كرواية "تفصيل ثانوي" لعَدنية شِبلي 2017، أو رواية "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة" لربعي المدهون 2015، أو رواية "حرب الكلب الثانية" لإبراهيم نصر الله 2016. فلا تصمد هذه السرديّة أمام التفكيك الذي مارسته رؤية هذا الجيل؛ إذ أعاد تشكيلها مجزّأة قلقة متشكّكة ومتسائلة دون إجابات، فمن جيل إلى جيل نلمس هذه الصيرورة الجمعيّة إلى حالة فردية مجتهدة متسكونة بطروحات ما بعد الكولونيالية والتواشج الثقافي، وقد تجاوز ذلك مسألة الاختلاف الأسلوبي، إلى تبدّل في شروط البناء الفنيّ والطرح التاريخيّ والثقافيّ.
1. تمثيل القضية ومواجهة الاحتلال
تتشكل الصورة الذهنيّة للقضية الفلسطينيّة من سرديّة كبرى متماسكة مثّلها بطل رواية "عائد إلى حيفا" (سعيد س.) تمثيلًا ديناميًا متطورًا تعكسه أحداث الرواية المقترنة بنكبة 1948، فـسعيد يهجس بويلات النكبة ويُمني النفس بالتحرير والعودة. ويبدو أنّ إدراكه الحميمي لهذا الأمر يندرج ضمن أفق جمعيّ يحصر القضية الفلسطينيّة في صورة وطن سُلب ويجب استعادته. يصف رواي "عائد إلى حيفا" سعيدًا بقوله: "طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم، تحدّث إلى زوجته عن كل شيء، عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة مندلبوم التي هدمتها الجرارات. وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات. وعن وقف إطلاق النار، والراديو، ونهب الجنود للأشياء والأثاث، ومنح التجول، وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق، والجار الذي لمّ أغراضه وهرب، ... وتحدثت زوجته عن أمور كثيرة أخرى، طوال الطريق لم يكفّا عن الحديث. والآن، حين وصل إلى مدخل حيفا، صمتا معاً، واكتشفا في تلك اللحظة أنهما لم يتحدثا حرفاً واحداً عن الأمر الذي جاءا من أجله!" (كنفاني، 1969: 10).
يحاول سعيد عبر عودته إلى حيفا أن ينتقل من حالة ترضى بالتسليم دون مقاومة وتستسلم للجوء طوال عشرين سنة بعد النكبة إلى رغبة بتحرير الأرض عبر مقاومة حقيقية نابعة من وعي وتصميم، فقرّر أن يدعم انخراط ابنه "خالد" بالعمل الفدائي، أي المواجهة المباشرة، فالحق لا يُستعاد بالتباكي على ما مضى بل بالقوة والمثابرة. لقد شكّل حنينه إلى حيفا وندمه على تقاعسه في استعادة ابنه "خلدون" حافزًا جوهريًا في هذا التحوّل، لقد أضاع سعيد ابنه "خلدون" في نكبة 1948، إذ بقي في منزلهم في حيفا عندما رحّله الاحتلال عنوة، ولم يتمكن الوالدان من أخذه، فأسندت تربيته إلى عائلة يهودية صيّرته جنديًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي، رغم معرفتهم التامة بأن "خلدون" هو فلسطيني من نبت أرضه، لقد تبلور موقف سعيد وازداد تعقيدًا أكثر عندما دخل في حالة جدل مع ابنه المتروك، وحالة النكران التي قابله بها "خلدون" فتأكد له أن لا غنى عن النضال في مواجهة المُحتلّ.
تعدّ مسألة ترك أحد الأبناء في المنزل في حيفا لحظة التهجير التي أعقبت النكبة فكرة ريادية فيما طرحه كنفاني متوافقة وزمن النكبة، ومن ثم فهذا المتروك قسرًا سيكبر ويصبح بحكم المكان والرعاية جنديًا في جيش الاحتلال، ويُفسر ذلك - في مفهوم ما بعد الكولونيالية - بالهُجنة (hybridity) أي الخلطة الثقافية التي تنفي النقاء عن ثقافة المُهيمن وسرديّته، فتتداخل الثقافتان بموروثهما، فالثقافة خليط لا أصيل، وهو بالضرورة نتاج تهجين؛ إذ يرى هومي بابا (Bhabha, 1994) أنّ الهجنة هي نتاج تفاعل بين ثقافة المستعمِر وثقافة المستعمَر، فينتفي النقاء بينهما، فيفضي ذلك إلى تخلّق هُوية جديدة مُعاد تشكيلها تخلق فضاء ثالثًا (Third Space) قائمًا على التمازج لا الاندماج، وهذا باعث على زعزعة سلطة المُحتلّ وإرباكها وتقويضها وخسرانها للتفوق.
أما بطلة رواية "تفصيل ثانوي" لعَدنية شِبلي فتعدّ تحوّلًا قلقًا في الخطاب الذي أُعيد إنتاجه ليكون مغايرًا ومعقدًا في تمثيله للقضيّة الفلسطينيّة، نتيجة التراكمات الهائلة التي طالت سجلّها عبر نصف قرن، مقارنة بالنماذج التقليدية الأخرى. تدفع شبلي لبطولة روايتها صحفيّة فلسطينّة شابة عمرها خمسة وعشرون عامًا دون أن تسمي اسمها ودون أن تجهر بموقفها أو تطلق شعارات رنّانة ووعود مؤلمة، وهي شغوفة بالبحث وتوثيق جرائم ارتكبها جيش الاحتلال إبان النكبة بحق الأبرياء من أصحاب الأرض، هذا الشغف يشكل موقفها ورسالتها تجاه قضيتها، فتظهر قلقة تعاني الاغتراب بين ذاتها وواقعها الفلسطيني المقيّد، لذا تتجاوز القضية بالنسبة إليها مسألة الأرض إلى مسألة الإنسان المهمّش المنسيّ الذي يمكن استنطاق صوته عبر البحث والغوض في الأرشيف والبحث في التفاصيل التي تصنّفها سردية المُهيمِن على أنّها تفصيل ثانوي، تمثل في واقعة خطف واغتصاب وقتل، وكأن العدالة لا تسقط بسقوط الضحية أو بغياب الشاهد أو بتقادم الجريمة.
تحاور بطلة الرواية ذاتها بصمت فتقول:" أقود سيارتي البيضاء الصغيرة عائدة إلى بيتي، حيث ستسنح لي الفرصة في التفكير من جديد حول ما نويت الإقدام عليه، وربما الكفّ نهائيًا عن الانسياق خلف أفكار متهوّرة، ستكون عواقبها أليمة لا محالة، ثم التخلّص من الاعتقاد بأنّني قادرة على كشف تفاصيل حادثة الاغتصاب والقتل تلك كما عاشتها الفتاة، وليس فقط اعتمادًا على ما يرويه الجنود الذين أقدموا على ذلك... فهذه مهمة تقع خارج نطاق حدود قدرتي تماماً. وكون الفتاة قُتلت في ما سيكون يوم مولدي بعد ربع قرن لا يعني البتة أن موتها يجب أن يخصني وأن يمتد إلى حياتي، بحيث يصبح من واجبي استنطاق روايتها. بل لا يمكنني أنا بالذات أن أقوم بهذا،... باختصار، لا جدوى البتة من إحساسي بالمسؤولية نحوها، وبأنها نكرة، وستبقى نكرة لن يسمع أحد صوتها. ومرّة أخرى، هناك قدر لا يحتمل من الشقاء في الوقت الحالي الذي على المرء مجابهته، فلا حاجة لي للسعي والبحث عن المزيد منه في الماضي. عليّ أن أنسى الموضوع برمته. لكن، وما أن تحلّ العتمة بأرجاء البيت، حتى يعود عواء الكلب ليفتك بي، قاضًّا مضجعي حتى ساعات الفجر، عندما أغفو أخيراً، وأصحو متأخرة، فأشرب قهوتي بسرعة، وأحمل معي كل ما في البيت من خرائط قبل أن أغادر. في نهاية الساحة، أجد السيارة البيضاء الصغيرة تقف بانتظاري، أشعة الشمس تكاد تغمر نوافذها الأماميّة" (شبلي، 2017: 77) إنها مسألة أخلاقية ابتداءً، وإن كان الفلسطيني الفرد هشًّا أمام جبروت الاحتلال، لكنه قوي بالمطالبة بحقه وحق الضحايا المنسيين. يتخذ تمثيل القضية في هذه الرواية - التي تمثل نموذجًا مهمًا من نماذج روايات العقدين الأخيرين من البحث والتدقيق والتوثيق والتذكر واستنطاق الراحلين- تمثيلًا صامتًا للقضية الفلسطينية، قلقًا مترددًا لا يُحسن تقدير قوته.
إنّ بطلة "تفصيل ثانوي" مسكونة بـالذاكرة اللاحقة (Post memory) وهو مفهوم استقاه بول ريكور (Ricoeur, 2000) من ماريان هيرش (Marianne Hirsch)، ويقصد به الذاكرة التي نرثها من المجتمع وأفراده دون أن نعيشها مباشرة، وترتبط بالحوادث الكبرى التي عاشها المجتمع، وهذا يعني أن ما نتذكره عادة ما يكون أحداثًا أُعيدت صياغتها من الآخرين ولم تُبنَ على تجربة مباشرة، مما يضع الذاكرة أمام التاريخ في علاقة جدلية.
ويمكن أن نطمئن إلى أن موقفها ليس موقفًا تقليديًا مقاومًا كما في روايات الستينيات، إنه تمثيل قائم على استعادة الذاكرة لمقاومة الاحتلال وجرائمه المنسيّة، وهو تمثيل ذو بعد أخلاقي معرفي يلاحق الجريمة قبل طمسها، وفي ذلك محاولة لتفكيك سرديّة الاحتلال المهيمِنة عبر الانطلاق من الهامشي والمنسيّ، وهو ما تسميه دراسات ما بعد الكولونيالية ب"تفكيك المركز". والقضية تتجاوز الأرض السليبة إلى استنطاق الذاكرة وحمايتها وتوثيق معاناة الجسد المُنتهك، فالرواية تُسهم في تأسيس قناعة مفادها أنّ تمثيل القضية الفلسطينية لا يكون بالتوقف عند الأحداث الكبرى، فالتفاصيل الصغيرة قادرة على بناء سردية مقاوِمة صادقة ذات حق.
وعليه، فبطل "عائد إلى حيفا" ينطلق من خطابه الكلاسيكيّ التحرّريّ الذي يرى بالمواجهة المباشرة حتميّة لا بد منها، لا سيّما وأنّ ملامح المحتلّ وسرديّته جليّة، فالمواجهة محصورة بين (نحن وهم)، والطرح الأخلاقي يوجب عليه النضال والمواجهة. بينما تعيش بطلة "تفصيل ثانوي" قلقًا أخلاقيًا من نوع آخر قوامه السعي خلف المعرفة التي تمثل سلاحًا للمقاوم، حتى لو ارتبطت هذه المعرفة بتتبع تفصيل ثانوي في عُرف سردية المحتل، فيبزغ السؤال جليًّا لماذا طُويت بعض جرائم الاحتلال ونُسيت؟ هل لأنها حدثت بعيدًا عن عدسة الكاميرا وعيون الشهود؟ وإذا كان إرشيف الاحتلال قد وثّق ما يريد فإنه من حق الضحية أن تتولى السرد، وإحصاء التفاصيل وتوثيق الحقيقة وممارسة النقد الداخلي والبحث عن الإجابات؛ لأنّ سردية المحتلّ المهيمِنة تقوم على بناء مُعقّد يمسّ مسًّا مباشرًا اللغة والجسد وتفاصيل الحياة ومحاصرة الضحيّة بالحواجز الأمنية والخوف والإسكات ومصادرة الذاكرة.
يؤسس الضابط الإسرائيلي الذي اغتصب الفتاة وقتلها سرديته الخاصة بقوله: "لا يمكننا الوقوف ومشاهدة مساحات شاسعة من الأراضي القادرة على استيعاب الألوف من أبناء شعبنا في المنفى، تحت وطأة الإهمال، أو ترانا غير قادرين على العودة إلى وطننا. فهذا المكان الذي يبدو بوراً الآن، لا شيء فيه عدا المتسللين وبعض البدو الرحل، قد مرّ به أجدادنا منذ آلاف السنين. وإذا كان العرب، وفقاً لقانون العاطفة القوميّة العقيم التي تحكمهم، يرفضون فكرة عيشنا في هذه المنطقة ويستمرون في مقاومتنا، مفضلين أن تبقى جرداء، علينا عندها أن نتصرف كجيش، فلا حق لأحد فيها أكثر منّا، بعد أن أهملوها وتركوها مهجورة قروناً طويلة، يستأثر بها البدو وقطعانهم. بل من واجبنا أن نمنعهم من التواجد هنا ونطردهم نهائياً.." (شبلي، 2017: 40) وهذا يتوافق مع التحوّلات الما - بعد كولونيالية التي تُخضع الحق في استرداد الأرض بتقاطع السرديّات، فتُتخذ هذه السردية مسوّغًا لنقد البنية الاستعمارية.
يعد تفكيك السرديّة المهيمِنة ما بعد الكولونيالية ومركزيتها أساسًا لا غنى غنه في بيان التداخل الحاصل بين السلطة والمعرفة، والسلطة واللغة، وقد بيّن إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" أن ما يُقدَّم بوصفه معرفة عن "الشرق" ليس معطًى موضوعيًا، بل بناء خطابيًا يخدم الهيمنة، فالشرق ليس حقيقة طبيعية ثابتة... بل هو اختراع أوروبي (Said, 1978, p. 5)، كما أن الاستشراق أسلوب غربي للهيمنة على الشرق وإعادة هيكلته وفرض السلطة عليه (Said, 1978, p. 3) ، وهو ما يكشف أن سرديّة الاستعمار حريصة على إنتاج معرفة ذات صلة ببنية سلطة تعيد تشكيل الآخر ثم تقصيه.
2. إشكاليّة الذاكرة والاحتلال
تبرز الذاكرة أمام الاحتلال بوصفها نطاقًا إشكاليًّا قائمًا على صراع التمثيل والمعنى، ومنطلق ذلك أنّ الذاكرة لا تنحصر وظيفتها في استعادة ما مضى فحسب، بل هي خطاب مقاوِم يسعى إلى تقويض السرديّة المهيمِنة للمُحتل. يرى إدوارد سعيد (Said, 1978, p. 5)، أنّ سلطة الاستعمار تُنتج معرفة تُعيد تشكيل الواقع، وتفرض سرديّة تُقصي الآخر، ما يجعل الذاكرة أداة مُضادة تعمل على تفكيك هذا البناء وكَشف طابعه المُصطنع. من هنا، وصْفُ فعل الذاكرة بالإشكالي لأنّه يُعطل فكرة التابع (Subaltern) في السرديّة المهيمِنة للاستعمار، وهو ما تبيّنه غاياتري سبيفاك (Spivak, 1988, p. 308) عبر طرحها العميق عن "التابع" الذي يُحرم من إمكانية الكلام داخل البُنى التمثيليّة السائدة، مما يُحتّم على الذاكرة أن تكون فعل استعادة ما لا يُقال بقدر ما هي كَشف لحدود التمثيل ذاته.
من جهة أخرى، يؤكد فرانز فانون (Frantz Fanon) أنّ عنف الاستعمار يتعدّى البنية المادية، إلى البنية النفسيّة والرمزيّة، فالذاكرة، حكمًا، مسكونة بارتدادات هذا العنف، وهي مجال خصب لإعادة تشكيله أو محاربته. ومن ثم، تنقسم الذاكرة على ذاتها إلى فضائين؛ فضاء ينشد استعادة الهوية الجريحة بسبب الاحتلال، وفضاء يفضح التصدّعات والتشوهات التي خلّفها هذا الاحتلال في ذات الفرد وذات الجماعة. يكشف فرانز فانون البعد العنيف الكامن في البنية الاستعماريّة، إذ يُؤكد أن الاستعمار ليس آلة تفكير... بل هو عنف في حالته الطبيعية (Fanon, 1963, p. 61)، وأنّ العالم الاستعماري عالم منقسم إلى شطرين (Fanon, 1963, p. 3)، شطر المحتل وهو شطر مُحصّن وزاهر وشطر من وقع عليه الاحتلال وهو شطر مهمّش ومقموع، والحدّ الفاصل بينهما يحتاج تجاوزه إلى عنف ثوري. وما سبق يكشف المفارقة بين خطاب التمدّن الذي يعلنه الاستعمار والواقع القائم على العنف والتقسيم، ومن ثمّ يتأكد أن تفكيك السرديّة المهيمنِة لا يقف عند نقد التمثيل، بل يتوجب عليه تعرية البنى السلطوية المسؤولة عن إنتاج المعرفة، وفضح ما سكتت عنه من عنف وإقصاء وتناقضات بنيوية.
تعامل "سعيد. ج" في عائد إلى حيفا مع الذاكرة من منطلقها الأخلاقي الذي يحفزه نحو استرداد الحق/ الأرض، فكان يصدر عن ذاكرة مركزيّة جليّة وقويّة غير قابلة للتشكيك، وإن كانت مُتعبة عدّها أداة استعادة تقتنع بأن هذا الاسترداد لا يكون إلا بالحرب والمواجهة، يقول سعيد: "أفتش عن فلسطين الحقيقية. فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم. وكنت أقول لنفسي: ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهرية، ولا الصورة، ولا السلم، ولا الحليصة، ولا خلدون، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها. وبالنسبة لنا، أنا وأنت، مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة، وانظري ماذا وجدنا حتى ذلك الغبار... غبارًا جديدًا". (كنفاني، 1969: 74).
أما بطلة رواية "تفصيل ثانوي" فكانت الذاكرة محطّ إشكال دفعها إلى أن تغوص في طبقاتها، لاستدراك ما يمكن استدراكه، فالهامش الزمنيّ بين النكبة 1948 وعام 2000 (زمن الحدث) هامش مديد ومُثقل بالهزائم والانكسارات، وقد اعتمدت عليها اقتناعًا منها بأنها ذاكرة مقسّمة وخاضعة لإكراهات الرقابة وتتخللها الكثير من الثغرات، فكانت في حركتها نحو اكتشاف معالم جريمة من جرائم نكبة 1948، تستعين بإرشيف الاحتلال وخرائطه وتنجز فعل المقاومة بالذاكرة، وإن كانت ذاكرة مُتشظيّة، والاعتماد عليها يشكّل حالة تحوّل من ذاكرة مبنيّة على التحرّر الوطني (Anti-Colonial Phase) التي تتساءل كيف نسترد الوطن إلى ذاكرة مثقلة تدخلت فيها ثقافة ما بعد الاستعمار (Postcolonial Condition) كيف نستوعب ما حدث، ونعيد تشكيله بالكتابة. تقول بطلة الرواية: "جسمي كان يرتجف. أحاول أن أهدأ، ولا أهدأ، فقد استقر الخوف في جميع أنحائه، لدرجة بات معها خفيفًا يكاد يتلاشى. كم أنني مثيرة للأسي. ولا أدري أين أنا، كما أنه لا يمكنني الوقوف هنا طويلًا، وإلا أثرت الشبهات حولي. أسارع إلى تناول ما حملت معي من خرائط في حقيبتي، وأبسطها على المقعد بجانبي وفوق المقود. من بين هذه الخرائط ما هو صادر عن مراكز للأبحاث والدراسات السياسيّة، ويُظهر حدود المناطق الأربع، ومسار الجدار، وحركة الاستيطان والحواجز في الضفة الغربية وغزة. خريطة أخرى تُظهر ما كانت عليه فلسطين حتى العام ١٩٤٨" (شبلي، 2017: 83).
ويمكن الخلوص إلى أنّ ثنائيّة الذاكرة والاحتلال في أدب ما بعد الكولونيالية لا يمكن أن تُبنى على استرجاع عابر، بل هي حالة من حالات الصراع الابستمولوجي بين سرديتين؛ مُهيمنِة ومُهيمَن عليها، وهذه الأخيرة نهب للتشويه والضياع، لذا يتصدّى فعل الكتابة لتفكيك السرديّة المهيمنِة وإعادة مساءلتها وفضح ما هو مسكوت عنه، وهذا ما يُحقق مفهوم الالتباس (Ambivalence) ونقصد به التناقض الحاصل في سلوكيات الاستعمار بسبب التوتر والتذبذب في علاقة المستعمِر بالمستعمَر، إذ يسعى الأول إلى أن يجعل من الثاني شبيهًا له شريطة أن يبقى هو المتفوق والمختلف، وهو ما أسماه (Bhabha, 1994) بالمحاكاة (mimicry)، إلا أنّ هذا التقليد عادة ما يكون غير تام، فيخلق إحساسًا بالقلق لدى المستعمِر والازدواج والالتباس والضعف واللاستقرار والهيمنة المنقوصة، فتظهر مساحة متوترة بينهما تحكمها ثنائيات تقاطبيّة؛ كالإعجاب والخوف، والسيطرة، والتهديد، والتشابه والاختلاف، وهذا يقود حتمًا إلى هشاشة سلطة المستعمِر.
3. قلق الذات ومواجهة الهشاشة
يرتبط قلق الذات بفعل الإسكات والتهميش في هذه السرديّة، وقد تحدّثت غاياتري سبيفاك (Gayatri Spivak) عن الكيفيات التي تتخذها السرديّات المهيمِنة في إسكات المهمّشين، إذ أكّدت على أن المهمشين عاجزون عن الكلام (Spivak, 1988, p. 308)، فتمثيلهم سرديًا يفتح إشكالية كبرى، لأن ذواتهم المضطهدة تفتقر إلى التجانس والانسجام (Spivak, 1988, p. 275)، وهذا يجعل خطابهم أقرب إلى إعادة إنتاج التهميش الذي يعانيه.
عندما نقارن بين بطل "عائد إلى حيفا" وبطلة "تفصيل ثانوي" نجد أن "سعيد. ج" يستعيد فاعلية ذاته "مركزيّة الرؤية" في تبني موقف واضح رغم انقسام ذريته بين مستعمِر ومستعمَر، إلا أنّه لا يتردّد في تثبيت خيار المقاومة، فذاته ذات مُستعادة ذات سيادة، والهزيمة تسمو دافعًا نحو النهوض. يجادل سعيد ابنه خلدون قائلًا: "لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد، فقد تكون معركتك الأولى مع فدائي اسمه خالد، وخالد هو ابني، أرجو أن تلاحظ أنني لم أقل إنه أخوك، فالإنسان كما قلت قضية، وفي الأسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين... أتعرف لماذا أسميناه خالد ولم نسمه خلدون؟ لأننا كنا نتوقع العثور عليك، ولو بعد عشرين سنة، ولكن ذلك لم يحدث. لم نعثر عليك. ولا أعتقد أننا سنعثر عليك" (كنفاني، 1969: 66)، وهذا يمثل انقسامًا حادًا في الذات يتجاوز رابطة الدم إلى الانتصار لمركزيّة الرؤية.
أما بطلة "تفصيل ثانوي" فحالتها قائمة على التفكّك والقلق الوجودي وفقدان اليقين، وهي مُكبلة بالحواجز والتصاريح والقوانين والعنف، فذاتها مراقبة من السرديّة المهيمنِة وعيشها محكوم لأدوات الاحتلال المتنامي. تناجي بطلة الرواية ذاتها بالاتكار على ذاكرتها الفرديّة قائلة: "الحاجز لا بد لي من أن أعبره. الجنود الذين اصطفوا عنده لا يعبأون بإيقاف أحد، بمن فيهم أنا في الغالب. عليّ ألا أخفف كثيراً من سرعة سيارتي. عليّ أن أثق بأنني سأعبر. وأعبر! لكن بعد الحاجز، تتبدّد ثقتي بالكامل ولا أعود أدري أين أنا! ولا أعرف إن كنت قد سلكت هذا الشارع من قبل كما حسبتُ في البداية، أم لا.
فالشارع الذي عهدته حتى قبل بضع سنين كان ضيقًا ومُتعدّد الالتواءات، في حين هذا شديد الاتساع والاستقامة. كما أن جدرانًا بارتفاع خمسة أمتار قد علت على جانبيه، تليها مبانٍ جديدة كثيرة، تجمعت في مستوطنات لم تكن موجودة من قبل أو كانت شبه غير مرئية، بينما القرى الفلسطينية التي كانت هناك، اختفت غالبيتها". (شبلي، 2017: 86). تفضي هذه الذات المراقبة سرديًّا إلى قلق جماليّ ومعرفيّ، يتكثف اضطرابه في البنية الفنيّة للعمل الروائي شكلًا وأسلوبًا، فالسرد يتفكك وتغيب خطيته ويخرق أفق التوقع. أما المضمون فيُبنى على ذاكرة مُتشككة عاجزة عن تفسير المستجدات رهنًا لما يُمكن أن يكون.
تنهض رواية الستينيات بالأدب الملتزم المباشر الذي يُمارس الوعي والتحريض فيصنع سرديّته دون مُواربة، أما الرواية في العقدين الأخيرين فتركت اللغة المباشرة والطرح الواضح إلى التساؤلات والتأمل والتجريب والضبابية والتشكك، فبطلة رواية شِبلي لا تقاوم بالمعنى النضالي المعهود بل تلتزم بقوانين الآخر المحتل وتبحث وتشكّك وتفكك: "أعود وأفتح الخريطة التي تصوّر فلسطين حتى العام ١٩٤٨، وأجول ببصري فوقها، متنقلة بين أسماء القرى الفلسطينية العديدة، التي تم تدميرها بعد تشريد قاطنيها ذلك العام، فأتعرف على عدد منها والقادم منه بعض من زملائي ومعارفي، مثل قرية لفتا، والقسطل، وعين كارم، والمالحة، والجورة، وأبو شوشة، وساريس" (شبلي، 2017: 87)، وهذا ما كان في روايات مماثلة كرواية ربعي المدهون"كونشرتو الهولوكوست والنكبة" التي وضعت السرديّات في نطاق المواجهة.
لقد مثلت حيفا لدى كنفاني المكان المستعاد الذي ينبض برمزية وطنية جليّة، والعودة إليها يحتاج إلى مواجهة عسكرية، في حين مثلت صحراء النقب ومعسكراته لعدنية شبلي فضاء جافاً غير مراقب، لقد حاولت "عائد إلى حيفا" تثبيت وعي وطني وقومي، فيما سعت "تفصيل ثانوي" أن تفكك السرديّة الكبرى. أما بناء الزمن فاعتمد كنفاني على خط زمني طبيعي يتوافق وزمن القصة، في حين كان الزمن في "تفصيل ثانوي" منقسمًا ومليئًا بالفجوات المقصودة، والحديث الرئيس ينجزه وسيط سردي. وبتأمل صورة الفلسطيني بين الروايتين نجدها مقسومة بين فلسطيني يعرف عدوه ويؤمن بالمواجهة الكبرى كما صاغها كنفاني، وفلسطينية قلقة ملاحقة غير مستقرة في "تفصيل ثانوي". أما عن حضور الآخر المحتل، فكان لدى كنفاني واضحًا ومحددًا وحاضرًا بصوته. أما عند شِبلي فيحضر من خلال الذاكرة والاستعادة ويراقب بكل أفعاله اليومية.
الخاتمة
أبرزت الدراسة ملامح التحوّل في تمثيل فلسطين روائيًا بين جيلين؛ جيل الستينيات وجيل العقدين الأخيرين، إذ مثلت فلسطين في جيل الستينيات مركزًا ورمزًا جلي المعالم ينطق بهوية جامعة وسردية واضحة صادرة عن ذات جريحة. بينما صورتها رواية العقدين الأخيرين هامشًا وفضاء مجزّءًا تجهد الذات في إدراكه وملاحقة أزمنته وترميم تمزقاته.
ومن منظور ما بعد كولونيالي هناك تباين في إدراك العلاقة بين الخطاب والسلطة، إذ جعل كنفاني الصراع محدودًا ومباشرًا همّه استعادة المركز/ السلطة عبر "سعيد" الذي يظهر نموذجًا وطنيًا كلاسيكيًا مسكونًا بتقديم نموذج واعٍ حريص على تحرير الأرض والهوية عبر الفعل البطولي المباشر. أما نصّ شبلي فيحاول تفكيك خطاب المُحتل بوعي عبر التشكيك بسرديته واستعادة السلطة منه بأدوات الذاكرة الفرديّة الجريحة والجسّد المتألم والعنف المركّب.
إنّ طرح الروايات في العقدين الأخيرين ممثلًا ب"تفصيل ثانوي" لا يُفهم على أنه استغناء عن مركزية فلسطين، بل تغيّر في طريقة تمثيلها ضمن ظروف هشاشة الأنا، وتصدع الخطاب، وتفاقم الأسئلة وانفتاحها، إنها تحوّل من سرديّة التعبئة والمواجهة المباشرة إلى سرديّة التشظي والصمت ولملمة الذاكرة المأزومة. فالخطاب شهد تحولًا إشكاليًا من استعادة الوطن عبر المعنى، إلى استعادته عبر مساءلة المعنى بتأثير مباشر للفقد. ويبدو أن مثل هذا التحوّل قد منح الرواية اليوم مساحة نقدية جديدة لإعادة تحديد سؤال هوية فلسطين الواقعة بين ذاكرتين وسرديتين، مما يجعل هذا التحوّل مرحلة مهمة في بناء خطاب التحرّر.
المراجع:
• كنفاني، غسان (1969). عائد إلى حيفا، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط4..
• شبلي، عدنية (2017) تفصيل ثانوي، بيروت، دار الآداب.
• Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
• Spivak, G. C. (1988). Can the subaltern speak? In C. Nelson & L. Grossberg (Eds.), Marxism and the interpretation of culture (pp. 271–313). University of Illinois Press.
• Fanon, F. (1963). The wretched of the earth (C. Farrington, Trans.). Grove Press. (Original work published 1961).
• Paul Ricoeur. Memory, History, Forgetting (2000).
• Bhabha, H. K. (1994). The location of culture. Routledge.
