الأحد ٨ آذار (مارس) ٢٠٢٠
بقلم رشيد سكري

جدوى الأدب

عند الحديث عن الأدب، وأهميته في الحياة، غالبا ما نعقد مقارنة، مجهولة المصدر، بينه و بين التخصصات العلمية، وما توفره هذه الأخيرة من مناصب للشغل، وتحد من شبح البطالة التي تتهدد المجتمعات. ليس فقط من أجل التسلية و الترفيه، أتت التكنولوجيا و التقدم التقاني، عموما، الذي يغزو حياتنا باستمرار، وإنما يستهدف بشكل مباشر المكونات البنيوية للإنسان المعاصر، سواءا في حياته الإقتصادية أو الاجتماعية أو حتى السياسية منها. مما أثر سلبا على نمط الحياة، وطريقة العيش. ففي هذا الوضع، يتبادر إلى أذهاننا جدوى العلوم الإنسانية بصفة عامة، إذا تحقق فعلا وقوف هذه الأخيرة ـ أي العلوم الإنسانية ـ عاجزة على حماية الإنسان من هذا المد الجارف لتكنولوجيا المعلومات. فالكثير من الدراسات العلمية أكدت ميل الإنسان الطبيعي إلى التفاعل المطلق مع الصورة، وما تحدثه من تسطيح معرفي، لا يرقى إلى التفاعل الجوهري مع العلم والمعرفة. مما اضطر العديد من النقاد و المفكرين المعاصرين أن يطرحوا سؤالا عن جدوى الأدب اليوم، وهل لازال الإنسان المعاصر بحاجة ماسة إليه، في ظل هذا الزخم التكنولوجي الرقمي والمعلوماتي الذي نعيشه؟ وهل باستطاعة الحياة أن تسير بدون أدب؟

منهجيا، تفرض خصوصية الموضوع البحث في تطور الأدب كمفهوم، وفي هذا الإبدال مجـْلى إجابات جوهرية و أساسية على سؤال، ما مدى أهمية الأدب في الحياة المعاصرة؟ ارتبط مفهوم الأدب في التراث الإنساني، عموما، بالشعر. هذا الكلام الصادر عن وادي عبقر و الموزون و المقفى الذي يدل على المعنى، كان سببا مباشرا في طرد أفلاطون الشعراء من مملكته الفاضلة، لأنه في نظره، لا منفعة تجنى من كلامهم و أقوالهم ولاشيء يستفاد من مواقفهم. غير أن في أمهات مصادر الأدب العربي القديم نجد مكانة متميزة، تلك التي يحتلها الشاعر في قبيلته، فهو يذود عن حرماتها أمام الأعداء، ولسانها الذي يلهج بانتصاراتها و حروبها، وهو الذي يؤرخ بطولاتها، ويخلدها بالقول الشعري، فيذاع كل ذلك بين القبائل عن طريق الرواة، وحفظة الشعر. لذا أضحى الشاعر مهبط الفرح لا مهبط الأرزاء، فتقام الحفلات و الولائم والتفاخر و التباهي، إذا ما عنت، في أحد غلمان القبيلة، علامات مميزة لنبوة الشعر والشعراء.

إن ارتباط الأدب بمفهوم الشعر، كان حري بتتبع المكانة التي يحتلها الشعراء في التراث العربي القديم. فالحُضوة و الشرف و الجاه كانت جميعها من بين الأهداف، التي يسعى إليها الشاعر، لذا ارتبط الشعر بالمديح كمكسب إيجابي في بلاطات الخلفاء و الأمراء. فالقبيلة كانت بحاجة إلى من يعلي قدرها، و شأنها أمام القبائل المنافسة الأخرى. علاوة على ذلك كان الشعر من بين آليات استقرار الوضع، والحفاظ على جموديته و هرميته. فأيا كانت هذه الظروف، التي يحاول من خلالها الشاعر أن يخلخل هرمية المجتمع القبلي، إلا أنه يصطدم بأعراف وتقاليدَ ووصاية موروثة عن سلف سابق. و بدخول مفهوم الدولة في شيمات و تمثلات الشاعر، عاش العديد من الشعراء على الهامش، بعدما تخلصوا، ولو نسبيا عن مفهوم القبيلة، التي ظلت تطارد مخيلاتهم، وعلى ضوئها كانوا يتموقفون من مختلف القضايا التي يصادفونها، فبزغت أولى بشائر الثورة على الجمود والتقليد. بالموازاة مع ذلك، عنَّ طموح التغيير في البناء العام للمجتمع العربي في شبه الجزيرة العربية، والذي كان يحمل لواءه شعراء و أدباء. وعلى سجية ذلك، جاءت قصيدة أبي نواس من البسيط، التي مطلعها:

مالي بدار خلت من أهلها شغل
ولا شجاني لها شخص ولا طلل

كانت بوادر التغيير قد استقدمها الشعراء من ثقافات أمم منافسة، وعلى دربهم ساروا في استحداث وابتكار أساليب طموحة، تدفع بالمجتمع إلى تمثل مبادئ جديدة للحضارة الاجتماعية والسياسية.

إن الدور الذي يقوم به الأدب، بعدما انتقل المجتمع من الشفاهي إلى الكتابي، يتمثل في خلق رواج ثقافي منقطع النظير، باتساع رقعة المسامرات الأدبية، وانتشار المجالس العلمية و كثرة المجادلات بخصوص القضايا، التي تستحدث من هذه الحياة الجديدة، المنبثقة في ظل هذه الظروف المتغيرة. فالأدب لا يسعى فقط إلى الإفصاح عن المشاعر والأحاسيس، بل يتوق نحو تغيير هيكلي للطبقات الإجتماعية و السياسية داخل المجتمع. فمهما تبادر إلى أذهاننا محدودية الفاعلية و الفعَّالية، لارتباط الأدب بفعل القراءة و الكتابة و التدبر، إلا أنه عبر التاريخ الإنساني أثبت جدارته، وقوته في حمل المجتمعات، والأمم نحو التغيير و إبدال قيم بأخرى، ويساهم كذلك في فضح ألاعيب الطغاة و المارقين والمستبدين. في الفعل السحري الذي يقوم به الأدب، والمتمثل أساسا في استبانة العواطف و الأحاسيس الجياشة، خرجت من صلب هذه العباءة، تنظيرات الرومانسية الألمانية، مع الحملة النابليونية في أواخر القرن الثامن العشر على مصر، وما جرفته من تحديث للدور الذي يقوم به الأدب، في زرع قيم ومبادئ دخيلة على المجتمع المصري. ففضلا عن العلاقة التي نسجتها مجلة"أتنيوم"مع قراء الأدب، نجد أنها سعت نحو تشكيل جديد لعلاقة الذات مع محيطها، ومن ثم بدأ يتغير مفهوم الأدب نحو مغايرة التقليدية و محاكاة الطبيعة.

لقد ظلت هذه العلاقة ملتبسة، مادامت المعرفة هي التي تسكن فعل الإبداع، حيث تقيم أواصر متينة بين الشكل والمضمون. وعبر هذه الإشكالية نطرح السؤال التقليدي، هل الشكل أسير المضمون؟ أم المضمون هو الذي يفرض شكله الخاص به؟

في نظري، لا يمكننا الجزم أين تكمن الأدبية؟ أهي موجودة وكائنة في الشكل أم في المضمون أم في إئتلافهما أم في اختلافهما؟

بالعودة إلى البناء التقليدي للقصيدة العربية القديمة، يظهر أن البناء سابق الشكل، فالمبنى سابق المعنى، لذلك جزم أدونيس في كتابه"الشعرية العربية"بأن القصيدة الكلاسيكية التي يقابلها مفهوم التقليدية، لا يفجر فيها الشاعر كل طاقاته الإبداعية، وبالتالي فالأدب عديم الطموح حبيس الصدور، يفتقر إلى الدفـْقة الشعورية و التفاعلية. فسؤال الجدوى من الأدب يصبح غير مجد، لأنه يفتقد إلى حرارة الحرية الإبداعية، مادام الشكل متحكما في المضمون.

ففي سبيل إعلاء القيمة التي احتلتها إشكالية الشكل و المضمون في الأدب و الثقافة الإنسانية بعامة، يجرنا الحديث إلى المناهج، التي واكبت هذه الطفرة في الميدان العلمي والثقافي. بالموازاة مع ذلك، كانت الواقعية كمنهج و كرؤية للعالم بداية القرن العشرين، قد فجرت ينابيع تبئر، من خلالها، حياة المهمشين و المنبوذين في المجتمعات الإنسانية. ومن أجل ذلك، استطاع الأدب أن ينقل، إلى بؤرة الضوء، معاناة ومكابدة تشبه القـُداد، الذي يعصر الأمعاء لأبطال عاشوا المآسي والمحن. فعرَّوا على إثر ذلك المسكوت عنه، والانتهاكات الجسيمة سواء في الحياة العادية، أو في غياهب السجون والأقبية المعتمة. فضلا عن ذلك، يظهر في هذا المستوى أن الأدبَ يخدم الواقع، بل يسيطر عليه برؤاه الفنية، مصورا حياة البؤس و الحرمان والفقر بلغة تكاد تكون آلة فوتوغرافية، تنقل الواقع بحرفية كبيرة. ففي قصة"أطفال بلد الخير"في المجموعة القصصية"العربة"لمحمد زفزاف، استطاع هذا الأخير أن يقربنا أكثر من حياة الضاوية، التي تبيع البرتقال في ساحة متربة خلف الفيلات و أمام الحي الشعبي، فضلا على أنها تعيش مشاكل عائلية مع زوجها. بالموازاة مع ذلك، هناك أطفال، كجراء جائعة، يتربصون بابن الضاوية، ويدفعونه لاستخلاص بعض البرتقالات العفنة، ويرمي بها في اتجاههم، كي يقاوموا بها الطـَّوى، الذي عصر أمعاءهم. إلا أن طفل الضاوية اختار أن يغيظهم بدل الرضوخ إلى طلباتهم، وذلك عن طريق تقشير برتقالات أمام أعينهم الصغيرة، ويعصرها في فمه المكتنز بتلذذ، متلمظا شفتيه في انتشاء حلاوة عصيرها البارد. وكل هذه المشاهد والأحداث، في قصة"أطفال بلد الخير"، تصاحبها لازمة موسيقية، سمفونية طروب، ترددها الضاوية قائلة:"ها الخير... زيدوا... ها الخير". فبالرغم من الخير المتدفق في الساحة المتربة، ظل أطفال خلف الضاوية جياعا، ينتظرون معركة ربع ساعة، لينقضوا على البرتقال، الذي تبيعه الضاوية في الساحة.

إن هذه الصورة اللغوية، التي رسمها محمد زفزاف للضاوية، وهي في معترك الحياة، تقاوم من أجل محاولة عيش أمام إكراهات الواقع و السلطة، لهي مظهر من مظاهر المتعة الأدبية. وفي هذا المقام يصبح الإبداع الجيد، حسب ماريو بارغاس يوسا، يطارد فينا الأحلام و الأشباح. فمحمد زفزاف انتصر لواقعية الأدب، وجعل من شخصياته مرايا تتكسر عندها الأحلام، فضلا على أنها تعكس، وبشراسة، واقع يعيش على تصيد فرائس مهزومة، وغير القادرة على النهوض لتغيير واقع أصبح موبوءا.

لم يعد السؤال عن ماهية الأدب، حسب ماريو بارغاس، ذا قيمة كبيرة كما كان في السابق، إبان ظهور النظريات المعرفية و البنائية، التي تهتم بالأدب وتواكب تطوراته و إبدالاته، وإنما الميْسم الذي أصبح له المفعول السحري في الأدب، هو المنزلة التي يحتلها هذا الأخير في العقل النقدي كرؤية فلسفية شاملة، لأن هذا الأخير هو المحرك الحقيقي للتغيير و الحامي للحرية. هذا الاقتران الوفي بين الإبداع، كوجه من الوجوه المعرفية للأدب، والحرية ظل يسيطر على أهم المشاريع النقدية الطموحة، والتواقة إلى تحقيق الحلم والعدالة الإجتماعية، التي ناضل من أجلها السابقون، وسُحل على أعتابها الكثيرون.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى