الأحد ٢١ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

حكاية الرأس المرفوع في موكب الريح

تتلعثم الصحراء
كجملةٍ أُفرغت من فمها،
وتسهو في كمين الوقت
كأن الرملَ ذاكرةٌ
تنسى من عبرها عمداً.

والتاريخ—
ذلك الأعمى الذي يتوكأ على صريره—
يقف عند شَفَةِ جرحٍ
يكتب نفسه
كلما حاول أن يُمحى.

هنا...
حيثُ كربلاء ليست مكاناً
بل ارتباكُ الجهات،
ما كان الترابُ أرضاً،
بل حنجرةً مطمورة
تنتظر أن تقول: آه.

وكانت الريح
لا تهبّ،
بل تُهجّي العطش
حرفاً حرفاً
على أفواهٍ أُغلقت بالنور.

يتقدّم الحسين...
لا يمشي،
بل يُصحّحُ خطأ الطريق،
يحمل شمساً
تتدرّب على الشروق في دمه،
وفوق جبينه
مداراتٌ
تدور حول معنىً لا يُطال.

ما كان ذاهباً إلى موته،
بل كان الموتُ
يتعلّم الوقوف
حين يمرّ.

الرماح—
ليست حدائد،
بل أسئلةٌ جارحة،
تبحث عن جسدٍ
ليقترح جواباً.

أيها الفرات،
يا نهرَ الندم حين يتجسّد،
كيف انحنيتَ
حتى صرتَ قيداً في يد اليابسة؟
كيف تُؤسر المياه
إلا إذا خانت مرآتها؟

ما كنتَ نهراً يومها،
كنتَ ظلاً لنهرٍ
ينتحب في البعيد،
وكان العطش
ليس نقصاً في الماء،
بل فائضَ كرامة.

وفي اللحظة
التي التبس فيها الحديدُ بالعنق،
ما سقط الجسد،
بل اختلّت الجاذبية
وانحازت الأرضُ
إلى جهة الدم.

انشقّ الجسد
كقشرة معنى،
وخرج الضوء
عارياً من تعريفه،
حادّاً
كفكرةٍ ترفض أن تُفهَم.

الرأس المرفوع—
لا يُرفع،
بل يعلو وحده،
كأن الهواءَ يعترف به.

ما كان رأساً،
بل جهةً جديدةً للعُلو،
منارةً
تُربك المدن الخائفة،
وتعلّمها
أن الصعود
لا يحتاج سلّماً
بل يقيناً.

كربلاء—
ليست حادثة،
بل نزفٌ يتذكّر نفسه
في كل جسدٍ حرّ.

كلما أُغلق فم،
فتح الدمُ نافذة،
وكلما ظنّ الطغاة
أنهم أنهوا الجملة،
بدأت اللغة من جديد.

للمطر
حين يخطئ السقوط،
للبحر
حين يضيق باسمه،
للشجر
حين يقفُ
ولا يسقط.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى