الأربعاء ١٨ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم ميادة مهنا سليمان

حواري مع الأديب التّونسيّ عبّاس سليمان

موجز السّيرة الذّاتيّة للضّيف: عبّاس سليمان قاصّ وروائيّ وكاتبٌ لليافعين ومُترجم تونسيّ. رئيس فرع قفصة لاتّحاد الكُتّاب التّونسيّين. يدرّس بالمعهد العالي للعلوم الاجتماعيّة والتّربية (جامعة قفصة). حاز عدّة جوائز في مجالات أدبيّة مختلفة. لديه العديد من المؤلّفات في مجال الرّواية، والقصّة، وأدب اليافعين، والتّرجمة.

(شكرًا أيّها الشّيطان) عنوان رواية لك صدرت عام ٢٠٢٢، تخاطب القُرَّاء فيها: "سأهديكم فرصة لكتابة رواية نشترك فيها أنا وأنتم". ماذا منحتكَ هذه الحالة الأدبيّة، ولماذا اقترحتَها على القارئ؟

سعيت في "شكرًا أيّها الشّيطان" إلى الخروج عن المألوف وكسر رتابة السّرد وتنويع أسلوب الكتابة، فأوهمت القرّاء أنّ الرّواية من صنيعي ومن صنيع طائفة من أصدقائي الفايسبوكيّين. جعلت السّارد يقترح على صفحته الفايسبوكيّة بداية للرّواية ثمّ يدعو متابعيه وأصدقاءه إلى الانخراط في كتابتها. توالت بعد ذلك المساهمات فبدا كأنّ الرّواية تأليف جماعيّ. وقد كان من شأن ذلك أن كسر سلطة الصّوت الواحد والرّؤية الواحدة وعدّد زوايا النّظر وجعل القارئ متلهّفا لمتابعة ما تجود به أقلام مختلفة كلٌّ يريد أن يضع في بناء الرّواية لبنةً وكلٌّ يريد أن يضيف إلى السّرد نكهة.

تحدّثتَ في روايتكَ( جحيم في الجنّة)، عن نادلات الحانات، هل تَراهُنَّ ضحايا للمجتمع الذّكوريّ؟

بقطع النّظر عن الجوانب الفنّيّة، لم تكن رواية "جحيم في الجنّة " غير دفاع عن المرأة وصيحة في وجه من يعتبرونها زينة وسلعة ومتاعا وأداة لربح المال. الرّواية تدور حول أربع نادلات اضطرّهنّ الفقر واضطرّتهنّ البطالة رغم أنّهنّ خرّيجات الجامعة إلى الالتحاق بحانة "سي عبد الله". هناك تعرّضن لكل أنواع المقايضة والتّحرّش والاستغلال والإهانة. أعتقد أنّ الأدب الّذي يحلّق بعيدا عن اليوميّ وهموم النّاس والمسكوت عنه والمهمّش يظلّ باردًا لا حرارة فيه. "جحيم في الجنّة" كانت نقطة ساخنة من نقاط يوميّ المجتمع، نكأت جراحًا لم تُنكأْ، وتسلّلت إلى زوايا معتّمة، دون أن تتنازل عن أدبيّتها ولا عن فنّيّتها.

كتبتَ القصّة القصيرة، والرّواية، برأيك هل هناك فرق في السّرد بين الرّواية، والقصّة؟

ما يؤسّس للفرق بين القصّة والرّواية هو الموضوع أو هي الحكاية. ففيما تمتدّ الأولى على موقف أو حالة أو شخصيّة، تتّسع الثّانية لمرحلة كاملة ولشخصيّات كُثْرٍ ولأحداث متنامية. وتظلّ القصّة فنًّا صعبا، إذ هي نصّ مضغوط كقصيدة وكقطعة سكّر لا ينبغي أن يأتيَها الخلل من أيّ من جوانيها. لغتها مخصوصة وبنيتها محكمة والخطأ فيها يهدّها هدًّا.

كونك رئيس فرع قفصة لاتّحاد الكُتّاب التّونسيّين، كيف ترى الحركة الأدبيّة، والثّقافيّة في تونس؟

الحركة الأدبيّة في تونس تشهد نشاطا متناميا على مستوييْ الكمّ والكيف. ثمّة أعداد هائلة من الكتب تصدر باستمرار في شتّى أصناف الأدب والفنون والثّقافة. وثمّة ملتقيات تُقام في أغلب جهات البلاد. وثمّة معارض تجوب المدن. وثمّة مسابقات تحفّز على الكتابة وتشجّع عليها. لا أستطيع أن أتخيّل تونس بلا ثقافة وبلا فنون وبلا حركة أدبيّة نشيطة.

ما مآخذكَ على الجوائز والمسابقات العربيّة بشكلٍ عامٍّ؟ وهل شاركتَ في مسابقة، وندمتَ؟

أعتقد أنّ المسابقات الّتي تُقام في كامل البلاد العربيّة وخارجه أيضا قد نشّطت حركة التّأليف والنّشر وزوّدت منسوب القراءة. أنا لا أنظر إلى المسابقات إلّا من جهة نفعها. فهي أسّست لقاعدة معتبرة من الكُتّاب، ولجمهور من القرّاء نوعيّ، ولحركة نشر واسعة. عندما أشارك في مسابقة، لا يعتريني النّدم، لأنّ المشاركة توفّر إحدى فرصتيْن: فإمّا الفوز، وإمّا تعديل المسار والتّقييم الذّاتيّ.

لا شكّ عندي في أنّ الجوائز قد حرّكت السّاحة الأدبيّة ودفعت الكُتّاب إلى أن يكتبوا أوّلا وإلى أن يجوّدوا كتاباتهم ثانيا. ورغم ما يقال حول اللّجان وحول المحاباة فإنّي أنأى بنفسي عن الخوض في هذه التّهم الّتي ليس لها ما يبرّرها. ثمّة جوائز تُعرض الأعمال المتسابقة فيها على اللّجان عارية من أسمائها، وثمّة مسابقات في بلدان الخليج منحت جوائزها لتونسيّين مثلا لا يعرفهم هناك أحد. النّصّ الجيّد لا بدّ فارضٌ نفسه حافرٌ في من يقرأه وفي من يقيّمه.

يجدر ألّا ننسى أنّ الجوائز صنعت لنا كُتّابا كبارا ما كانوا ليستمرّوا ولا ليجوّدوا كتاباتهم لولا حصولهم على تتويجات مهمّة.

ترجمتَ كتاب(بيداغوجيّات التّعلّم) عن اللّغة الفرنسيّة، ما هي المتاعب الَّتي تواجهكَ -عادةً- في ترجمة أيّ عمل؟

متاعب التّرجمة لا تُحصى ولا تُعدّ. ينبغي على المترجم أن يحذق اللّغتيْن، اللّغة الأمّ والمترجَم إليها. يحذقها لغة وثقافة وسياقات... ينبغي أيضا أن يبتعد عن الخيانة ما استطاع فيخرج النّصّ المترجَم كأنّه كُتب مرّتيْن بروح واحدة. وتظلّ التّرجمة أفقًا للمعرفة وبابًا للثّقافة.

هل ترجمتُكَ للأعمال الأدبيّة، تهبُكَ المتعة ذاتها عندما تبدع نصوصًا تخصُّكَ؟

لكلّ حالة متعتُها. تمنحني كتابتي لذّة الخلق والإنشاء. أشكّل نصّي كيف أريد. أوجّهه إلى مقاصدي. أتلاعب داخله باللّغة والشّخصيّات وأُعْلي القِيَم الّتي تسكنني. ولمّا أقوم بالتّرجمة، أعيش الانبهار بما وصلت إليه عقول أخرى، وما تضمّه ثقافات غير ثقافتي، وما في اللّغات الأخرى من أسرار ومن مُتَعٍ.

لديك مؤلّفات لليافعين، برأيك ألا توجد حالة من (اللّاتجديد) في الموضوعات الّتي تُكتب لهذه الفئة العمريّة، إلَّا نادرًا؟

مسألة الكتابة لليافعين أصبحت شائكة في عصر الذّكاء الاصطناعي والثّورة الرّقميّة والاتّصاليّة. ماذا سنكتب؟ وكيف سنكتبه؟ وكيف نُقنع اليافع ونُرضيه؟ وكيف نشدّه إلى الكتاب فيما هو مشدود إلى المرئيّ والمسموع؟ وكيف سنجعله يخصّص وقتًا للمطالعة فيما الصّورة أخذته منّا بعيدا؟ لذلك، أعتقد أنّ الأمر يحتاج فعلا إلى تجديد. تجديد في الموضوعات وفي الأساليب وفي الأفكار. اليافع مسؤوليّتنا. وعلينا أن نكون أوفياء لهذه المسؤوليّة.

إلى أيّ مدى نجحت في تجربتك السّرديّة؟

ثمّة طرفان مخوَّل هما الحكم على نجاح تجربتي في الكتابة من عدمها هما القارئ والنّاقد. فأمّا الأوّل فأؤكّد لك أنّه حاضر دائما متابع لما أصدر متفاعل بالحدّ الّذي يقيم الدّليل على اهتمامه وإعجابه.

وأمّا الثّاني فلم يتغيّب منذ كتابي الأوّل "موتك يقتلني " الصّادر سنة 2001 عن المتابعة والمراقبة وإبداء الرّأي. وحول ما كتبتُ قصّةً وروايةً وأدب طفلٍ كُتبت دراسات كثيرة في تونس والجزائر ومصر والسّعوديّة والعراق... وأُنجزت بحوث جامعيّة عديدة.

خلاصة القول إنّي لم أكن لأستمرَّ في الكتابة لو وُصفتْ تجربتي بالتّواضع أو لا قت الفشل، فلا شيء كان سيدفعني إلى العناد وارتكاب الفظاعات في حقّ الأدب.

لا تتأتّى الكتابة دون موهبة ودون معاشرة للنّصوص ودون صبر على القراءة ودون بحث مستمرّ عن جودة المنتوج. ذلك ما يجعل من تجربة مّا تعانق النّجاح. لننظر كم هم الكُتّاب الّذين انخرطوا في التّأليف والنّشر، ثمّ لننظر من بقي منهم في السّاحة الأدبيّة، سنلاحظ فرقا واضحا.

لا يمكن للأديب أن يتخلّى عن كتابة القضايا المصيريّة في إبداعه، ماذا كتبت في الأدب المقاوم؟

ضمن اهتمامي بأدب المقاومة قمت بتقديم عمليْن لغسّان كنفاني هما "رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمّان" و"أمّ سعد". وكتبت أقاصيص محورها القضيّة الفلسطينيّة وما يعانيه الفلسطينيّون إيمانًا بدور الكلمة في معاضدة المقاومة ونشر الوعي بالقضيّة وتعميم الشّعور المعاناة. في ما يلي نصّ قصير يحدّث عن فلسطين.
اسمعوا منّي هذه الحكاية...

تجمّع الجيران الباقون عل قيد الحياة في بيت الخالة "فدوى" كعادتهم منذ بدأت مدينتهم تتعرّض للقصف باللّيل وبالنّهار. جلسوا متراصّين كما لو أنّهم يخافون أن يُخترقوا أو كما لو أنّهم يريدون إن حدث حادث أن يلاقوا المصير نفسه.
قالت الخالة "سالمة":

اليوم رحل عنّا ثلاثةٌ من كبار الحيّ كانوا معنا ليلة البارحة يروون لنا الحكايات لنتسلّى قليلا، وثلاثة عشر طفلا كانوا بالأمس يتجارون ويتلاعبون ويضحكون ويبكون ويبحثون بين الرّكام عن لُعبهم وأشيائهم الصّغيرة، وامرأة حبلى، وعروس لم يمرّ على زفافها غير شهر واحد...

شعرت النّسوة الحاضرات أنّ حديث الخالة "سالمة" سيزيد همّهنّ همًّا وسيكون ثقيلا على الأطفال السّاهرين في حجورهنّ فافتعلن ضحكات باهتة شاحبة شحوب الفانوس المتدلّي من سقف الغرفة الواسعة وأخذن في تبديل وِجهة السّهرة.

قرّبت "ميْ" ابنتها وهي تقول:

تعاليْ أضفرْ لك شعرك، لم أتفقّده من زمنٍ، ولا بدّ أنّه غاضب عليّ... لا أحبّ أن يُهمل هذا الشّعر الفضّيّ النّاعم ولا أن يمرّ يوم لا ينمو فيه ولا يطول.

ومدّت العمّة "صالحة" إلى أبيها بضعة أقراص من الدّواء وهي تحثّه على ابتلاعها وتقول:

بحثت في غرفة عمّي "سالم" رحمه الله، عمّي "سالم" الّذي فارقنا يوم أمس، فوجدت دواءه محفوظا في كيس. أنتما تتشابهان في كلّ شيء، حتّى في الأمراض، وجدت في ما وجدت أدوية الضّغط والسّكّري وقرح المعدة والسّعال والقلب فترحّمت عليه كثيرا وجئتك بها لتتناولها وتواظب عليها.

وأخرجت "كريمة" من جيب سترتها الصّوفيّة الواسعة بزّازةً ممتلئة حليبًا حتّى نصفها وألقمتها فم رضيعتها "هيام" وهي تقول:

تذكّرت أنّي وجدت هذا الصّباح وأنا أنبش الرّكام هذه الزّجاجة وأنّي غسلتها وخبّأتها في جيبي. ما زال حليبها صالحا لم يتبدّل لونه ولا طعمه.

قالت الخالة "كريمة":

انظروا كيف تهدّمت الدّار وقضى من فيها وسلِمت الزّجاجة بحليبها.

واتّكأ الشّيخ "أبو صالحة" على مرفقيْه واستند إلى الجدار وقال:

اسمعوا منّي الآن هذه الحكاية، لعلّكم لن تسمعوني أحكي بعد اليوم.

يحبّ أهل الحيّ جميعا حكايات الشّيخ "أبو صالحة" ويدمنونها إدمانا. حكايات صادقة مؤثّرة تحفّزهم على الحياة وتزيدهم حبّا لأرض فلسطين وتاريخها وتجعلهم يرون النّصر قريبا.

ركب الجميعَ الفضولُ فأمسكوا عن الحركة والكلام وأرهفوا السّمع. فجأة، دوّت انفجارات بدت كأنّها ستكسّر السّماء تكسيرا، واهتزّت الغرفة كأنّ عفريتا رفعها نحو السّماء ثمّ حطّها أرضًا، وسقط الفانوس المتدلّي، وصمت كلّ شيء.

في الصّباح، نهض الّذين بقوا أحياء يُحصون أمواتهم الجدد وينبشون الرّكام بحثًا عن الجثث. استطاعوا بعد لأيٍ أن يعثروا على زجاجة حليب ممتلئة حتّى ربعها، وعلى ضفيرتَيْ شعر مسرَّحتيْن بإتقان، وعلى كيس دواء فيه حبوبٌ وإبرٌ وحُقَنٌ، ووصلَ إلى آذانهم صوت واهنٌ يردّد:

 اسمعوا منّي هذه الحكاية......

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى