تقى المرسي في حوار أدبي مع ديوان العرب
_ بدايةً.. نبارك لك فوزك بجائزة (ديوان العرب)، في دورتها الثَّانية عشرة، ما أهمِّيَّةُ هذا الفوز في ظلِّ الأوضاع السِّياسيَّة، والوضع المأساويّ لأهلنا في فلسطين الحبيبة؟
أشكر لكم هذه التهنئة التي أعتزّ بها كثيرًا، وربما تزداد قيمة هذا الفوز بالنسبة إليّ لأن الجائزة جاءت من بوابة الأدب الذي ظلّ يحمل فلسطين في ذاكرته، ويقاوم بها محاولات المحو والنسيان. وفي ظلّ ما يحدث اليوم في فلسطين، تبدو العودة إلى هذه الروايات أكثر من فعلٍ نقدي؛ إنها عودةٌ إلى الأسئلة التي لم تغادرنا: كيف استطاع الأدب أن يحفظ ما عجز التاريخ أحيانًا عن حفظه؟ وكيف تحوّلت فلسطين من جغرافيا محتلة إلى ذاكرةٍ تسكن الوعي العربي، وإلى سؤالٍ أخلاقي وإنساني لا يمكن للزمن أن يتخطاه.
لهذا أرى أن أهمية الفوز لا تكمن في الجائزة ذاتها بقدر ما تكمن في موضوعها. فأن يُمنح النقد الأدبي مساحةً للحديث عن فلسطين، في هذا التوقيت تحديدًا، يعني أن الرواية ما زالت قادرة على أن تقول ما لا تستطيع البيانات السياسية قوله؛ وأن النقد يستطيع أن يعيد قراءة هذه الشهادات السردية، لا بوصفها أعمالاً فنية فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية لمأساةٍ مستمرة، وجرح إنسانيٍ عميق.
_ ما هو عنوان بحثك، وما الصّعوبات الّتي واجهتك أثناء الكتابة؟
عنوان بحثي هو: "متتالية الزمن الفلسطيني في الرواية العربية المعاصرة: الزمن.. الأرض.. الجسد (من 1965 إلى 2010م)".
وقد حاولت من خلاله أن أقرأ صورة فلسطين في الرواية العربية من زاوية مختلفة؛ فلم أتوقف عند القضية الفلسطينية بوصفها حدثًا تاريخيًا أو سياسيًا، وإنما حاولت أن أتتبع حركة الزمن داخل البناء الروائي، وكيف يتحول هذا الزمن إلى حاملٍ للذاكرة والهوية والوجود، وإلى قوة تربط الإنسان بالأرض والجسد والمكان.
أما الصعوبة الأكبر فكانت في أن فلسطين في الرواية ليست مجرد موضوع يمكن تناوله بأداة نقدية واحدة؛ إنها تاريخٌ وذاكرةٌ ومكانٌ وجسدٌ وهوية. ولذلك كان عليّ أن أتعامل مع الزمن بوصفه بنيةً تتولد من "الحالة الفلسطينية" نفسها، وأن أبحث عن الدلالات التي تختبئ خلف حركة الأحداث والشخصيات والأمكنة؛ كل ذلك في مساحة محدودة اشترطها البحث بعدد كلمات لا يتجاوز 3500 كلمة، مما دفعني للاختصار والإيجاز مما يقيّد كثيرًا من طاقة البحث، ويحدّ من إمكانياته.
وفي النهاية، كانت الصعوبة الأعمق هي أن فلسطين لا تسمح لك أن تظل ناقدًا محايدًا تمامًا؛ لأنها، وهي تدخل النص، تدخِلكَ معها إلى الذاكرة والإنسان والأرض، وتضعكَ في مواجهة مع المأساة والجرحِ المقيم.
_ كيف كان اختيار موضوع البحث؛ بناءً على أيَّة معطيات: أدبيّة أم تاريخيّة أم جغرافيّة؟
كان اختيار الموضوع نابعًا أساسًا من معطيات أدبية ونقدية؛ فقد لفتني حضور الزمن بوصفه عنصرًا فاعلاً في الروايات التي تناولت القضية الفلسطينية، وكيف يرتبط بالذاكرة والأرض والجسد والوجود. أما التاريخ والجغرافيا فكانا حاضرين بوصفهما سياقًا للنص الروائي، لا منطلقًا مستقلًا للبحث. ومن هنا جاءت فكرة "متتالية الزمن الفلسطيني"، لرصد أشكال الزمن المختلفة التي صنعت صورة فلسطين في الرواية العربية المعاصرة.
_ لديكٌ قصَّة للأطفال بعنوان (آدم والسَّمكة الورديَّة)، برأيك ما سبب نُدرة كتابة نقد لأدب الطّفل؟
أظن أن ندرة النقد في أدب الطفل تعود إلى نظرةٍ قديمة تتعامل معه بوصفه أدبًا بسيطًا، موجّهًا للتسلية أو التربية فقط، بينما هو في الحقيقة أدبٌ شديد الحساسية؛ لأن الكاتب يكتب لعقلٍ في طور التشكّل، ويحتاج إلى لغةٍ فنية عميقة دون أن تفقد بساطتها.
كما أن أدب الطفل يحتاج إلى ناقدٍ يجمع بين الوعي الأدبي ومعرفة عالم الطفل وخصائصه النفسية واللغوية. لذلك أرى أن قلة النقد لا تعني التقليل من قيمته، بل ربما تعني أن أدب الطفل لم ينل بعد المكانة النقدية التي يستحقها، وهذا لا يعني غياب نقد أدب الطفل من المشهد الأدبي؛ فهناك بالفعل عدد من النقاد والباحثين الذين اهتموا به وقدموا دراسات مهمة، لكن ما يزال هذا النقد أقل حضورًا من النقد الموجّه إلى الأدب العام، قياسًا بحجم ما يُنتج من أدب للطفل.
_ (صورة الزّمن في النّصّ المسرحيّ المعاصر)، عنوان قراءة نقديّة لك، هل الإبداع المسرحيّ والنّقد المواكب له في مصر مزدهر، أم بحاجة إلى اهتمام أكثر من مؤسّسات الدّولة الثّقافيّة؟
أرى أن المسرح المصري ما زال حيًّا وقادرًا على التجدد، وهناك جهود واضحة من مؤسسات الدولة في دعمه، سواء من خلال إنتاج العروض المسرحية، أو المهرجانات، أو رعاية المواهب الشابة، فضلاً عن الاهتمام بالمسرح التجريبي الذي أتاح مساحات واسعة للتجريب واكتشاف أشكال جديدة في الكتابة والإخراج والعرض.
لكنني أرى أن هذه الجهود تحتاج مزيدًا من الاستمرارية والاتساع، خصوصًا في دعم التجارب الجديدة، وتشجيع النقد المسرحي المواكب لها. فالإبداع والنقد وجهان لحركة واحدة؛ ولا يكتمل ازدهار المسرح بكثرة العروض وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى نقدٍ يقرأ تحولاته ويضيء جمالياته.
لذلك أتمنى أن يتواصل اهتمام المؤسسات الثقافية بالمسرح، وأن يمتد بصورة أكبر إلى المبدع والناقد معًا؛ لأن المسرح حين يجد من يرعاه، ومن يقرأه بوعي، يصبح أكثر قدرة على التجدد والحضور والتعبير عن المجتمع.
_ لديكِ قراءة نقديّة عن التّناصّ، كيف تفرّقين كناقدة بين التّناصّ الواعي الّذي يخدم دلالة النّصّ، ويُثريه، وبين الاقتباس السّطحيّ الّذي يُضعف استقلاليّة الكاتب؟
التناصّ ليس مجرد استدعاء لنصٍّ آخر، بل هو حوار أرواح يتقاطع فيه وعي الكاتب بوعي من سبقه ليولد معنى جديدًا. والتفرقة بين التناصّ الواعي والاقتباس السطحي تكمن في مدى قدرة النص الجديد على إخضاع الموروث لتجربته الخاصة؛ ففي التناصّ الواعي يهضم المبدع النص الأصلي ويعيد إنتاجه داخل نسق جديد، ليغدو الاستدعاء شريانًا يغذي الدلالة ويضيف إليها بعدًا فلسفيًا أو رمزيًا، دون أن يغيب صوت الكاتب أو تبتلع الأصالةُ خصوصيتَه.
أما الاقتباس السطحي فيقف عند حدود الشكل والنقل المباشر؛ حيث يمارس الكاتب عملية رصف وزخرفة يمكن حذفها دون أن يتأثر النص، فيستعير الصور والتراكيب كما هي دون تحوير يخدم البناء الفني. وهنا يغيب صوت المبدع خلف سطوة النص المُستعار، ليتوارى النص الجديد كظل باهت لأصلٍ أقوى منه، ويتحول الاقتباس إلى حشو يُربك المتلقي ويُضعف استقلالية التجربة بدلاً من إثرائها.
_ بالنّسبة للقارئ، إلى أي مدى يعتمد نجاح التّناصّ على ثقافته، وقدرته على اكتشاف الإحالات الخفيّة داخل النّص الأدبيّ؟
يعتمد نجاح التناصّ على ثقافة القارئ ووعيه القرائي إلى حدٍّ بعيد، فالنص الذي يتضمن تناصًا لا يكتمل معناه الأعمق إلا عندما يجد قارئًا قادرًا على فك شفراته واكتشاف إحالاته الخفيّة. إن ثقافة المتلقي هي التي تحوّل عملية القراءة من مجرد استهلاك سلبي للكلمات إلى فعل مشاركة وإعادة خلق؛ فعندما يدرك القارئ الخيط الممتد بين النص الحاضر والنص الغائب، ينفتح أمامه بعدٌ دلاليٌّ جديد يثري تجربته الجمالية والفكرية.
ومع ذلك، فإن التناصّ الناجح لا ينبغي أن يتحول إلى لغز مغلق أو شرط تعجيزي يرهن متعة القراءة بأكملها بحصيلة القارئ المعرفية. النص الأدبي الأصيل يملك من الجمالية والتماسك ما يجعله يقدم متعة متكاملة للقارئ البسيط على المستوى الظاهري، بينما يحفظ للقارئ المتخصص لذة الاكتشاف والغوص في المسكوت عنه. وبذلك يقاس نجاح التناصّ بقدرته على منح كل قارئ نصيبًا من المعنى، متدرجًا من المعنى الأوّلي إلى العمق الدلالي.
_ ما هي إصداراتك في مجال الشّعر، وهل تنوّعين ما بين الموزون وقصيدة النّثر؟
ما صدر لي ورقيًا في مجال الشعر حتى الآن ثلاثة دواوين؛ هي:
"معراجٌ لسماءٍ تحترق": ديوان متنوع يجمع بين ألوان وإيقاعات شعرية متعددة، ويمثل حالة من التداخل التجريبي بما يتفق مع طبيعة الديوان الأول (2009م).
"أخطأتني الرصاصة.. لم يخطئني الموت": ديوان ينتمي لعالم "قصيدة النثر" (2015م).
"للموتِ دُر": ديوان من الشعر الموزون، يجمع بين الشكلين العمودي والتفعيلي (2019م).
بالفعل، تتوزّع دواويني الشعرية الثلاثة لتُعكِس هذا التنوع والتجريب بين أشكال الكتابة المختلفة؛ هذا التنوع بين الموزون والنثر ليس مجرد تنوع في القالب، بل هو انعكاس لرؤيتي بأن كل تجربة شعرية تفرض شكلها وإيقاعها الخاص، الذي يستدعيه المعنى والتجربة الإنسانية.
_ هل ترين أنّ مسابقات الجوائز تحفّز الكاتب أكثر للكتابة والإبداع؟
وما هيَ أبرز الجوائز الّتي نلتِها؟
الجوائز الأدبية والمسابقات تجربة مركبة؛ تحمل في طياتها حافزًا مشجِعًا وسلاحًا ذا حدين في آنٍ واحد:
أولاً: جانب التحفيز والتقدير: الجوائز توفر للكاتب اعترافًا معنويًا بجهده، وتسلط الضوء على مشروعه الأدبي وسط زخم النشر، كما تمنحه دافعًا ماديًا ومعنويًا يساعده على الاستمرار والتفرغ. وبعض الجوائز تعمل أحيانًا كمنصة إطلاق؛ تخلق حالة من الحراك الثقافي وتلفت انتباه القرّاء والناقدين لموضوعها.
ثانيًا: جانب الخطورة والتأثير السلبي: يتجلى هذا عندما تتحول الجائزة من "نتيجة جانبيّة" للإبداع إلى "هدف" بحد ذاتها؛ فحين يكتب المبدع وعينه على معايير اللجان أو ما يفضله الذوق العام للجوائز، قد يقع دون أن يشعر في فخ الشروط المضمرة، وتنميط الإبداع، فيفقد النص طزاجته، وتلقائيته، وجرأته التجريبية، وهذا بدوره يؤثر تدريجيًا في المشهد الأدبي العام، وهذا أخطر ما في الأمر. فالجائزة قد تُنعش الكاتب وتُوسّع دائرة تلقّيه، لكنها أبدًا لا تصنع كاتبًا ولا تبني نصًا أصيلاً خالصًا لروح الشعر أو السرد.
أما على صعيد الجوائز التي نلتها، فإنني أعتزّ كثيرًا بتكريم مشروعي الشعري من قِبل النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر؛ حيث حصلتُ على جائزة شعر الفصحى عام 2021م، عن ديوان "للموتِ دُر"، ويظل هذا التكريم من مؤسسة أدبية عريقة كـاتحاد كتاب مصر محطةً أعتزّ بها. ورغم امتنان التكريم، يظل التقدير الحقيقي والأبقى بالنسبة لي هو وصول الكلمة إلى قارئ يجد في النص مرآةً لشعوره أو بؤرةً للتأمل والجمال.
أما في مجال النقد الأدبي، فقد حصلتُ على جائزة نادي أدب الباحة في الدراسات النقدية، عن دراسة بعنوان "بنية السياق السردي في الشعر السعودي المعاصر" عام 2024م.
وجاءت جائزة ديوان العرب في نقد الرواية تتويجًا لهذه الجوائز التي أعتز بها.
هذه التقديرات لا تمنح المبدع ثقة أكبر فيما يقدمه فحسب، بل تحمّله مسؤولية أكبر تجاه كل نص جديد يكتبه، وتجعله في تحدٍ دائم مع الذات لتطوير أدواته الشعرية والنقدية.
_ هل من اقتراحات للجائزة، أو لموقع ديوان العرب؟
أولاً: كل التحية والتقدير لموقع ديوان العرب، والقائمين على الجائزة.
أما عن الاقتراحات فلعل أهمها ما أشرتُ إليه سابقًا، أتمنى أن تتاحَ للبحث مساحة أكبر تسمح بتغطية جوانب البحث والإبداع فيها.
كما أتمنى أن تعيد إدارة الجائزة النظر في شرط حضور الفائزين لحفل التكريم لاستلام الجائزة؛ مما قد يصعب على الكثيرين. وفي النهاية أثمن جهودكم، وأتمنى لكم مزيدًا من النجاح والتوفيق.

