الخميس ٢٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم ميادة مهنا سليمان

حوار مع الكاتب اليمنيّ محمّد الشّميري

 محمد محمد علي الشميري
 صيدلاني
 شاعر وكاتب سردي
 مؤسس ورئيس نادي القراءة بالحديدة_اليمن

الإصدارات:

رياح في قصاصة عنيدة (مجموعة قصص قصيرة جدا)
سرقت مشاقر أمي (هدرة ونصوص أخرى)

لم تطبع:

عيش أسمر (رواية)
ميسم (رواية)
ذاكرة الخطى (شعر)
نجمة تبحث عن زقاق (قصص قصيرة جدا)
نشرت له العديد من النصوص والقصص في مواقع ومجلات محلية وعربية وإقليمية.

كونك الصّبيّ الأوّل بعد ثلاث شقيقات، كيف كان احتفاء الأسرة بك، وهل أخذتَ دور الشّقيق المتسلّط، أم الحنون؟
بكل صدق واعتذار، مارست دور الذكر المنتظر نتيجة الفرحة العامة بولادة الذكور، والحمدلله أنها لم تكن فترة طويلة ،لأن أبي- رحمة الله تغشاه - كان يكسر تلك النزعة، وقد عبرت عن هذا في نص قصير جدا كتبته:

(كلهم كانوا يصفونني بالبكر
رغم إن أخواتي الثلاث قبلي

وحده أبي، كان يقول : محمد الرابع من أولادي والأول على الفصل !)

ماذا تحدّثنا عن قريتك الّتي ولدتَ فيها؟

وهل لتلك القرية دور في تنشئتك ككاتب؟

قد يتوقع القارئ أنني سأتحدث عن قرية أقرب إلى الجنة في طبيعتها، لكن العكس ما وجدته، قرية صنعها الناس من شدة الحاجة، ليست زراعية، كما أقول دائما: خلق الناس حقولهم الزراعية، جمعوها من الأحجار وقليل من طين، لذلك تعاني البذرة منذ لحظتها الأولى، وإن نجحت، يأتي الزرع قصير القامة، تماما مثلنا، من أجل هذا هاجر معظم الناس خارج القرى بل خارج اليمن...!

الذي لايمكن نسيانه عن القرية، أحواض المشاقر ،وكأنها كانت بمثابة عهود ومواثيق وضعتها النساء وفاء لأزواجهن الذين كانوا يغتربون لعقود، وبعضهم لا يعود...!

أتذكر كذلك كيف كنت مدللا إلى درجة أستغربها اليوم، يأتي كل شيء مجرد طلبه ،وغفران شقاوتي رغم دوامها...!
لا أنسى كذلك كيف كانت الحياة نقية قبل ميلاد الفتاوى والحرام، لم تكن النساء عورات ولا مثيرات للشهوات وكن حاضرات في كل طقوس ومواسم الزراعة والحياة العامة.

كيف رأى الطّفل القرويّ (محمّد)، المدينة للمرّة الأولى، ما أكثر شيء لفتَ نظرَه، وما الأطعمة الّتي استغربها فيها، وهل كتبتَ مذكّراتك الطّفوليّة؟

أتذكر اللحظات الأولى كأنها الآن، كان ذلك عام 1986 ونحن في السادس الابتدائي وكانت الامتحانات وزارية ولابد من استخراج رقم جلوس وقبل ذلك صور شخصية، أخذني أبي إلى مدينة تعز بسيارة صالون،تقطع الطريق الترابي سهلا وجبلا وكأنها تحفظ عدد الحصوات وكل ذرات الرمل، وحين وصلنا إلى الطريق المعبد بالأسفلت أذهلني، خصوصا أنه وسيع وفيه خطوط بيضاء وصفراء وكنت أعد السيارات التي تمر على الأسفلت حتى وصلت للعدد 200 تقريبا أدركت حينها أن الأمر أكبر...!

وصلنا إلى فندق لديه مطعم شهير، وهناك لأول مرة أسمع عن الكبدة والرشوش (خبز دقيق على التنور) وسحاوق جبة بلدي وقبله شربنا مرقة ومن شدة لذة الأكل لم أغسل يدي لتبقى رائحة الأكل أطول فترة ممكنة، وقد تنبه لذلك صاحب استديو التصوير وقال مازحا: يابني رائحة الأكل لن تظهر على الصورة، أذهب واغسل يديك..!

حاولت عبر نصوص قصيرة كتابة بعض ذكريات ومواقف الطفولة وكيف نظرتي للحياة لحظتها، لكني أسعى لكتابتها بشكل سيرة ذاتية بكل تفاصيل شقاوتي والأمور التي غالبا يهرب منها كتاب السير الذاتية..!

تقولُ في حوار سابق: "الصيدلة علم لا ينفصل عن لحظته الفنية"، ما وجه التّشابه بينها، وبين اللحظة الفنّيّة للقصيدة؟
وهل كتبتَ قصصًا من وحي اختصاص الصّيدلة؟

الصيدلة باعتقادي فن رغم أنها علمية جدا ،لكن لحظات التعامل مع الدواء تشبه ميلاد القصيدة، انفجار مباغت إن لم يتم التقاطها تفوت وقد لا تعود، وإن عادت ستكون بالتأكيد بطريقة مختلفة...!

لم أكتب كثير أيام الجامعة ،ربما لانشغالي بالدراسة وقد كتبت لاحقا بعض النصوص من وحي التخصص لعل هذا النص أكثرها تكثيفا:

(صديقي مولع بقراءة النشرة الداخلية في علب الدواء
يحفظها عن ظهر قلب
يركز جدا على الآثار الجانبية للأدوية
يشتري كل نوع قرأه
يدون كل أثر مارسه
يلعن الشركات التي لا تفي بوعدها

_كما يقول_
ولايجد عرضا جانبيا لمنتجاتها !

صحته جيدة جدا، بل ممتازة، رغم شكله الذي يوحي باختلالات مصنعية ووظيفية تصل إلى درجة مفزعة!
سألني عن: عتبة الألم
سردت عليه ماتبقى في ذاكرتي الصيدلانية
ابتسم بسخرية، كتب على ورقة الدخان:
انتم وتجار الدين سواء، تعدون الناس بما لم تجربوه!

باستنكار مستفز، قلت:

يبدو أن هذا الدواء "سفخك"؟!
ضحك، ضرب كهف صدره، أخذ يردد:

لم يخلق الله شيئا دون تجربة
الذنب والقلب والأوجاع والقدرا
لكنكم تسرقون الموت حجته
وتحذرون جماع البؤس والخطرا
أنا الوحيد بلا رب يسائلني
عن الصلاة، وعن نار الذي كفرا!

عنوان ديوانك (سرقتُ مشاقر أمّي)، أوّلًا: كلمة "مشاقر" تعني الزّهور الّتي يتزيّن بها اليمنيّون في المناسبات، أو يغرسونها في أصص، وهي غير معروفة عربيًّا، فلماذا حرصتَ على استخدامها؟

ثانيًا: لماذا سرقتَ مشاقر أمّك مجازيًّا؟

تمثل المشاقر أعلى زينة على هامات الرجال والنساء وكأنها بذلك عنوان تفرد وإعلان حضور لا يمكن تجاهله، كذلك تعتبر المشاقر دليل ألفة وقبول للآخر ورمز أخذ وعطاء ورد، وبذلك هي رمز سلام، وقد لفتت انتباهي منذ رأيت جدتي تتزين بها وتسير في ظهيرة القرية مثل ملكة متوجة لها حضورها المبهر، ولي مع المشاقر قصد ذكرتها في أحد النصوص، حيث كنت أحلم في الطيران وأنا في الرابعة من عمري ،صعدت أعلى سطح في منزلنا لأقفز، وهناك داست أرجلي على مشاقر أمي وصعدت منها أزكى الروائح، سحرني عطرها وانشغلت بها عن القفز حتى تمكنت عمتي من الامساك بي من الخلف ولم أحقق حلم الطيران ..!

(محاولة الطيران الوحيدة التي حاولتُها
كنت في الرابعة من عمري
فكّرتُ بالقفز من أعلى سطحٍ في البيت
داست رجلي على "مشقر أمي"
صعدت منه رائحة عطرة
سألت نفسي لحظتها

أو ربما الآن:
لقد داسوا كل شيء
ولم نجد رائحة؟!
"لاتحشر أنفك فيما لايعنيك"
هكذا قال أحد المجانين في شوارع المدينة...!)

ربما من هنا اخترت اسم الكتاب ونعمدت سرقة شيء من الأعلى لأني مختلف عن لصوص ما تحت الأقدام والأمور المحرزة في الأسفل، وربما سرقتها لأظل طفلا تحرسه عطورها الزكية.

برأيك ما الّذي جعل الدّكتور عبد العزيز علوان، يقول عن كتابك (سرقت مشاقر أمّي)، بأنّ "لغته ممتنعة على أن يأتي بمثلها شاعر آخر..."

أعتقد كما قال في حديث له، ووافقه نقاد آخرون بأن هذا الكتاب تميز بمزاوجة الكلام الفصيح مع اللغة المحكية التي نسميها نحن «هدرة» وقد رفعت نصوص الكتاب هذه الهدرة إلى مصاف الشعر ولم تنزل بالشعر إلى دكة الهدرة، كذلك في النصوص سيرة ذاتية طافحة بالصراحة بكل شقاوتي وعثراتي والخيبات التي مرت بي، وهذا الاعتراف عكس مايفعله الكثيرون حين يصورون أنفسهم ويحيطونها بهالة من القداسة هاربين من إنسانيتهم التي تحمل كل التناقضات ..!

"عيش أسمر" عنوان رواية قيد الطّباعة، ما موضوعها، وهل من تسهيلات للأدباء بخصوص النّشر في اليمن؟

رواية «عيش أسمر» مازالت مسودة لم تر النور لأسباب عدة أهمها تكاليف الطبع وعدم وجود مؤسسات داعمة سواء حكومية أو أهلية، كذلك تحتاج مني إلى تدقيق وتخفيف من بعض فصولها، حيث تنطلق الرواية من إصرار شابة سمراء تعيش في منطقة نائية تحرم فيها البنات من التعليم، لكنها تصر على تثقيف نفسها ودخول المجال التعليمي لما بعد الجامعة وتسافر للدراسة والسكن وحيدة ثم تقتحم مجال عمل المنظمات وتشكل حالة صدمة لدى خطباء المساجد وكثير من الناس وهكذا تتشابك الأحداث مع قضايا سياسية واجتماعية كبرى يكون لها مساهمة فاعلة حتى تختفي في ظروف غامضة تتكشف بشكل شبه مفتوح نهاية الرواية.

هل ترى أنّ المرأة اليمنيّة لها دور فعّال في السّاحة الأدبيّة، والإعلاميّة؟

اليوم تحديدا في العصر المفتوح حضرت المرأة بقوتها المعروفة التي كانت مكبلة بقيود العادات وعدم تكافؤ فرص العمل وغيرها، حيث استطاعت الكثيرات فرض وجودهن وتفردهن على الساحة الأدبية والسياسية واقتحمت المجال العام والخاص بكل جدارة ،وإن كانت مازلت هناك مسافة شاسعة على مستوى القوانين واللوائح المنظمة والتشريعات.

الطّفلة المصريّة (رندة)، الّتي كانت معك في المدرسة، ولم تكن تتقبّلك بسبب شعرك "الكيرلي"، كيف كانت ردّة فعلها حين التقيتَها فيسبوكيًّا بعد كلّ تلك السّنوات، وهل كتبتَ لها رسالة ما، أو قصيدة غزليّة؟

تفاجأت ذات يوم بصديق يخبرني أنه على تواصل مع أستاذنا المصري وزوجته وأسرته الذي كانوا في مدرستنا قبل أربعين عاما، كنت قد كتبت عن رندا وكيف كنا نتنافس على الجلوس قربها لكنها لاتحب الشعر الكيرلي، ولم أجد فرصة لإغاضتهم غير الحصول على المركز الأول في المدرسة، طبعا تقبلت النص المكتوب بروح جميلة وقلت لها، أين أنت الآن يابنة النيل ،تعالي فلم يعد لدي شعر من الأساس....!

أتذكر أيضا هذا النص وهو قديم يعود لما قبل عشرين سنة وأكثر، تذكرته الآن رغم أنه نص بسيط عادي لكنني أحبه

(أرجوك..أرجوك
لاتفتحي بابا على ألمي
صبري تلاشى وجف الحبر في قلمي
صادرت كل عروشي..كل مملكتي
تيَّمتِ شعري وفاضت دمعة الكلمِ
يانفخة الروح في روحي وفي أدبي
ياروعة النيل أذكت لوعة الهرمِ
أرض الكنانة ياأنفاس أغنيتي
يالمسة الحب فاقت روعة الحلمِ
من أرض بلقيس أشواقي مجنحة
تسابق الريح ..تتلو سورة النغمِ
أن فرقتنا مسافات وأزمنة
فالعشق يجمعنا والنيل نبع دمي)

تصف حادث السّير الّذي تعرّضتَ له، بأنّه " ميلادك الثّاني"، لماذا؟

وهل الإعاقة زادت من الإبداع، أم حدّت منه؟

حقيقة أعيش ذكرى الحادث وأحتفل به ميلادا ثانيا، لأنني كما قلت في نص (حين صافحني الموت ذات حادث وانصرف، أدركت أني لا أستحق إلا الحياة)

لقد قررت من تلك اللحظة أن أعيش الحياة بكل جنون وأستثمر كل لحظة مهما بدت قصيرة، لأن دقيقة فرح تستحق أن نحتمل لأجلها عذابات سنين ...!

الإعاقة غفرت لي كسلي فلم يعد ظاهرا، كذلك جعلتني أكثر جرأة في الكتابة وطرح الأفكار كيفما كانت وتطرقت لمواضيع ذاتية كانت حبيسة أدراج الحفاظ على السمعة وهو وهم لايستحق أن نخافه، وبشكل عام تفرغت بعد الحادث للكتابة فقد أصبحت عاطلا عن العمل لفترات طويلة، لدرجة أنني خشيت ارتباط الابداع بالبطالة..!

هل فكّرتَ أن تكتبَ للأطفال أدبًا تحدّثهم فيه عن ضرورة التّغلّب على الإعاقة الجسديّة؟

وماذا توجّه رسالة لأطفال غزّة المصابين بحكم تجربتك الأليمة؟
لدي بعض الكتابات القصصية للأطفال لكنها قليلة نظرا لصعوبة الكتابة في أدب الطفل حيث يتطلب الأمر جهدا نفسيا ومراعاة لعمرهم ومستوى تفكيرهم، لكن يظل الأمر قيد المحاولات.

أما أطفال غزة الكبار العظماء، فمن ذا الذي يستطيع بلوغ مكانهم ومكانتهم ليكتب، فما قدموه ومازالوا يقدمونه أكبر من كل الكلام وأوسع من قدرات اللغات ونحن الذين نقرأ سطور تضحياتهم التي تجاوزت فكرة الخلود.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى