الثلاثاء ٢٨ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم ديمة جمعة السمان

حين يختلّ ميزان الخير: أين يقف المثقّف؟

يشكّل مفهوم الشّر أحد أكثر المفاهيم عمقًا وتعقيدًا في التّجربة الإنسانيّة، وقد انشغل به الفلاسفة والمفكّرون عبر العصور، كلٌّ وفق مرجعيّته ورؤيته للعالم.

يظهر الشّر بوصفه توصيفًا لأفعال وسلوكيات تُخلّ بتوازن الحياة وتُلحق الأذى بالإنسان ومحيطه، ويتجاوز كونه حالة عابرة ليصبح جزءًا من الأسئلة الكبرى المرتبطة بالوجود والمعنى. ترى بعض الرّؤى أن الخير يشكّل الأصل في طبيعة الإنسان، وأن الشّر ينشأ نتيجة اختلال في الوعي أو انحراف في السّلوك.

وتذهب رؤى أخرى إلى اعتبار الصّراع بين الخير والشّر عنصرًا بنيويًا في التّجربة الإنسانية، حيث يتجاوران داخل النّفس البشريّة، ويتبادلان التّأثير في تشكيل القرارات والمواقف.

يعكس هذا التّداخل حالة من التّعقيد تجعل الحكم على الظّواهر الإنسانيّة أمرًا يحتاج إلى تأمّل عميق، إذ يميل الإنسان إلى إصدار أحكام سريعة على ما يواجهه من أحداث، فيصنّف ما يسبّب له الأذى ضمن دائرة الشّر، متأثّرًا بحساسيّته تجاه الألم والخسارة. ويقود هذا الميل إلى تضييق زاوية النّظر، بحيث تغيب الأبعاد الأوسع للحدث، وتبقى نتائجه المستقبليّة خارج دائرة التّقدير. يحمل بعض ما يُرى شرًا في لحظة معيّنة إمكانات لتحوّلات إيجابيّة، أو لإعادة ترتيب الأولويّات، أو لاكتساب خبرات تعزّز النّضج الإنساني.

في الواقع المعاصر، يتنامى الإحساس بحضور الشّر، مدفوعًا بتدفّق الصّور والأخبار عبر الوسائط المختلفة، حيث تتكثّف مشاهد العنف والاضطراب في الوعي اليوميّ؛ ويؤدي هذا التدفّق المستمر إلى ترسيخ شعور بأن العالم يميل نحو القسوة، وأن مظاهر الخير تتراجع إلى الهامش. يعبّر هذا الإحساس عن تفاعل بين الواقع ووسائل تمثيله، حيث يتداخل الحدث مع طريقة عرضه، فيتضاعف أثره في النفس.

ترتبط جذور الشّر بعوامل متعدّدة، تتقاطع فيها البنية النّفسيّة مع السّياق الاجتماعي والثّقافي. يبرز اختلال التّوازن بين الرّغبة والمسؤوليّة بوصفه أحد هذه العوامل، حيث تتضخّم النّزعة الفرديّة على حساب القيم المشتركة.

كما يسهم الانفصال عن الطّبيعة، وعن الإيقاع الدّاخلي للإنسان، في خلق حالة من الاضطراب تُترجم إلى سلوكيات مؤذية. وتتحوّل المادة، في هذا السّياق، إلى أداة تُستخدم وفق وعي الإنسان، فتأخذ طابعًا إيجابيًا أو سلبيًا تبعًا للغرض الذي تُسخَّر من أجله.

ويأتي دور المثقف في هذا المشهد بوصفه عنصرًا فاعلًا في إعادة التوازن، إذ يحمل المثقّف مسؤولية إنتاج المعنى، وصياغة خطاب يعيد الاعتبار للقيم الإنسانيّة، ويُسهم في توسيع أفق الفهم. ويعمل على تفكيك الظواهر، والكشف عن بنيتها العميقة، بما يتيح قراءة أكثر وعيًا وتعقيدًا للواقع.

كما يسهم المثقّف في مواجهة الشّر عبر تعزيز الوعي النقدي، الذي يتيح للإنسان التّمييز بين الظواهر، وفهم سياقاتها، وتجاوز الانطباعات السّطحية. ويعمل على ترسيخ قيم العدالة والكرامة والرّحمة، بوصفها أسسًا لتنظيم العلاقات الإنسانية، ويقدّم خطابًا ثقافيًا يواجه التّسطيح والابتذال، ويعيد للّغة دورها في التّعبير عن العمق الإنسانيّ.

يتجلّى تأثير المثقّف أيضًا في بناء مساحات للحوار، تُعزّز الفهم المتبادل، وتحدّ من التّوترات النّاتجة عن الجهل وسوء الإدراك. وتُسهم هذه المساحات في تحويل الاختلاف إلى فرصة للتعلّم، وإلى مصدر لإغناء التّجربة الإنسانيّة، بدلًا من تحوّله إلى سبب للصّراع.

ووفق هذه المعطيات، يشير التأمل إلى أنّ الشّر يحضر بوصفه جزءًا من حركة الحياة، ويتفاعل مع الإنسان في مستويات متعددة. ويقابل هذا الحضور طاقة كامنة من الخير، تتجدّد عبر الوعي والعمل والمسؤولية.

كما يشكّل هذا التفاعل مجالًا مفتوحًا لفعل إنساني يسعى إلى التّوازن، ويستند إلى إدراك عميق لمعنى الوجود ودور الإنسان فيه.

وأخيرا.. لا يغيب عن الوعي أنّ لكلّ شيء في هذه الحياة وجهين، كما تشير الآية الكريمة:

(ومن كلّ شيءٍ خلقنا زوجين)، فيبقى التّوازن قانون الوجود، وتبقى الرّؤية الأعمق مفتاح الفهم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى