السبت ٨ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح الانشغال هروبًا

يعيش الإنسان المعاصر في سباق لا يكاد ينتهي. يركض من موعد إلى آخر، ومن مهمة إلى أخرى، حتى أصبح سؤال»:

كيف حالك؟«يجيب عنه كثيرون بكلمة واحدة: »مشغول. «وكأن الانشغال لم يعد وصفًا ليوم الإنسان، بل أصبح وصفًا لهويته.

ولعل هذا هو ما يجعلنا نعتقد أن كثرة الحركة دليل على امتلاء الحياة، وأن ازدحام الجداول يعني بالضرورة أننا نحقق شيئًا مهمًا. غير أن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا؛ فليس كل انشغال إنتاجًا، وليس كل فراغ ضياعًا.

فأحيانًا، لا يكون الانشغال سوى وسيلة أنيقة للهروب.

الهروب من سؤال مؤجل، أو قرار صعب، أو علاقة تحتاج إلى مواجهة، أو خوف لا يريد الإنسان الاعتراف به. فبدلًا من أن يجلس مع نفسه دقائق قليلة، يملأ يومه بكل ما يمنعه من سماع صوته الداخلي. وكلما شعر أن الصمت يقترب منه، بحث عن عمل جديد، أو شاشة جديدة، أو حديث جديد، حتى لا يترك للعقل فرصة للتأمل.

ومن المفارقات أن الإنسان قد يبذل جهدًا هائلًا في إنجاز أشياء كثيرة، بينما يؤجل أهم ما ينبغي أن ينجزه؛ أن يفهم نفسه.

لقد أصبحنا نعيش في زمن يمجد الانشغال. فالإنسان المنشغل يبدو أكثر أهمية، وأكثر نجاحًا، وأكثر تأثيرًا. أما الذي يخصص وقتًا للتأمل أو للراحة، فيُتهم أحيانًا بالكسل أو بقلة الطموح. وهكذا، أصبح الفراغ تهمة، رغم أنه قد يكون المساحة الوحيدة التي يرى فيها الإنسان حياته بوضوح.

ولم تعد المشكلة في كثرة الأعمال، بل في اختفاء المسافات الفاصلة بينها. فالهاتف يرافق الإنسان إلى سريره، والعمل يدخل بيته، والإشعارات تقاطعه في كل لحظة، حتى أصبح من النادر أن يعيش دقيقة كاملة لا يطالبه فيها شيء بالانتباه.

وفي هذا الضجيج المستمر، تتراجع الأسئلة الكبرى. لا لأن الإنسان وجد إجاباتها، بل لأنه لم يعد يجد وقتًا لطرحها. فيؤجل التفكير في معنى ما يفعله، مكتفيًا بالاستمرار في فعله.

لكن الحياة لا تُقاس بعدد الساعات الممتلئة، بل بقيمة ما نملؤها به. فقد ينتهي يوم كامل دون أن يقترب الإنسان خطوة واحدة من نفسه، بينما قد تغيره ساعة صادقة من التأمل أكثر مما تغيره أسابيع من الانشغال.

ولعل أخطر أنواع الهروب هو ذلك الذي ينجح. فالذي يهرب إلى السفر، أو إلى العمل، أو إلى الإنجاز، قد يبدو أمام الناس ناجحًا، لكنه يظل يحمل داخله الأسئلة نفسها التي حاول الهروب منها. فالمكان يتغير، والجدول يتغير، والوجوه تتغير، أما النفس فتظل تنتظر اللحظة التي تواجه فيها حقيقتها.

ولذلك، فإن المشكلة ليست في أن يعمل الإنسان كثيرًا، بل في أن يخشى التوقف قليلًا. لأن التوقف قد يكشف له ما ظل يخفيه سنوات طويلة؛ ما الذي يريده حقًا؟ ولماذا يسير في هذا الطريق؟ وهل ما يطارده هو حلمه، أم مجرد وسيلة للهروب من شيء آخر؟

إن الإنسان لا يحتاج إلى مزيد من الانشغال بقدر ما يحتاج إلى لحظات صادقة مع نفسه. فبعض الأسئلة لا تُسمع وسط الضجيج، وبعض الإجابات لا تولد إلا في السكون.

فليس كل من يركض يعرف إلى أين يذهب، وليس كل من امتلأ يومه قد امتلأت حياته. وأحيانًا، لا يكون أكثر الناس انشغالًا هو أكثرهم عملًا، بل أكثرهم هروبًا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى