حين يصبح الكرم استغلالًا
لم يكن الكرم يومًا مجرد عادة اجتماعية، بل كان تعبيرًا عن قدرة الإنسان على أن يمنح دون أن ينتظر مقابلًا. فالعطاء، في جوهره، يوسع حدود الإنسان، ويجعله يرى نفسه في احتياجات الآخرين، لا في مصالحه وحدها. غير أن الفضائل، مثلها مثل كل شيء في الحياة، قد تفقد معناها حين تُنتزع من سياقها الطبيعي، وتتحول من اختيار حر إلى التزام مفروض.
وهنا تبدأ المفارقة؛ إذ لا ينتهي الكرم دائمًا بالشكر، بل قد ينتهي بالاستغلال.
في البداية، يكون العطاء موضع تقدير. يلتفت الناس إلى صاحب اليد الممدودة، ويثنون على أخلاقه، ويشعرون بالامتنان لما يقدمه. لكن مع مرور الوقت، يحدث تغير خفي لا يكاد يلاحظه أحد. فما كان يُعد فضلًا بالأمس، يصبح اليوم أمرًا متوقعًا، ثم يتحول غدًا إلى حق مكتسب في نظر الآخرين.
وهكذا، لا يعود السؤال: «هل سيعطي؟»، بل يصبح: «لماذا لم يعطِ هذه المرة؟»
ومن أغرب ما في النفس البشرية أنها تعتاد النعمة بسرعة أكبر مما تعتاد فقدانها. فالإنسان يتذكر المرة الوحيدة التي لم يجد فيها المساعدة، وينسى عشرات المرات التي وجدها. ولذلك، قد يخسر الكريم صورته في أعين الناس بسبب موقف واحد، بينما لا تشفع له سنوات طويلة من العطاء.
ولا يقتصر الأمر على المال. فقد يكون الكرم وقتًا، أو جهدًا، أو إصغاءً، أو دعمًا نفسيًا، أو تحملًا لأخطاء الآخرين. بل إن أكثر أنواع الكرم استنزافًا هو ذلك الذي لا يُرى؛ حين يعتاد الإنسان أن يكون حاضرًا لكل من حوله، حتى ينسى أن يكون حاضرًا لنفسه.
وفي هذه اللحظة، يتغير ميزان العلاقة. فبدلًا من أن يكون العطاء جسرًا للمحبة، يصبح اختبارًا دائمًا لإثبات حسن النية. وكلما زاد الإنسان عطاءً، ارتفع سقف توقعات الآخرين منه، حتى يجد نفسه مطالبًا بالمزيد، لا لأنه قادر، بل لأنهم اعتادوا أن يكون قادرًا.
ولعل أخطر ما في هذا النوع من الاستغلال أنه لا يأتي دائمًا من أناس سيئي النية. فكثيرون لا يقصدون استغلال غيرهم، لكنهم يعتادون وجوده إلى الدرجة التي تجعل غيابه يبدو تقصيرًا. وهكذا، لا ينشأ الظلم من الحقد، بل من الاعتياد.
وهنا يرتكب الكريم خطأً آخر؛ إذ يظن أن رفضه سيهدم صورته، فيواصل العطاء حتى بعد أن يتحول إلى عبء. يخشى أن يُوصف بالبخل، أو الأنانية، أو تغير الطباع، فيؤجل قول "لا" مرة بعد أخرى، حتى تصبح حياته قائمة على إرضاء الجميع إلا نفسه.
لكن الفضيلة لا تعني إلغاء الذات. فالكرم الذي يستهلك صاحبه حتى يفقد راحته، أو صحته، أو كرامته، لم يعد كرمًا، بل أصبح نوعًا من التضحية غير المتوازنة. وليس من العدل أن يتحول الإنسان إلى مورد لا ينضب، بينما لا يجد من يسأله يومًا: «وماذا تحتاج أنت؟»
إن العلاقات السليمة لا تُبنى على الأخذ وحده، ولا على العطاء وحده، بل على التبادل والامتنان والاعتراف بالفضل. فالذي يأخذ دون تقدير، يفسد قيمة العطاء. والذي يعطي دون حدود، يفتح الباب – من حيث لا يشعر – لتحويل فضيلته إلى التزام.
ولذلك، فإن الحكمة لا تكمن في أن يتوقف الإنسان عن الكرم، بل في أن يعرف حدوده. فليس كل طلب واجبًا، وليس كل اعتذار أنانية، وليس كل رفض قسوة. أحيانًا، تكون كلمة "لا" حماية للكرم نفسه، حتى يبقى فعلًا نابعًا من الرغبة، لا استجابة لضغط التوقعات.
فالكرم يظل من أجمل الصفات الإنسانية، لكنه يفقد معناه حين يتحول إلى حق يطالب به الآخرون، أو إلى عبء يحمله صاحبه وحده. وعندها، لا يكون السؤال: "كم أعطيت؟"، بل: كيف سمحنا لفضيلةٍ أن تتحول إلى وسيلة للاستغلال؟
