خرائطُ الدمع
ها أنا أمدّ أصابعي فوق المسافةِ التي تركتَها في الهواء،
كأنني أبحث عن ظلٍّ لم يَعُد يليق بي،
أو عن اسمٍ سقط من وجهي حين داهمته الريحُ العاتية.
كلُّ شيء بدا هشّاً،
حتى الذاكرةُ وهي تتكئ على جدارٍ متصدّع
تحاول أن تُخفي وخزَ غيابك
بابتسامةٍ لا تُصدّقها المرآة.
أمضي…
وأكتشف أن الطريق إلى نفسي أطولُ من الطريق إليك،
وأن الخرائطَ كلَّها
لا تُشير إلا إلى نهرٍ حزين
يرسم مجراه على وجهي
وينحدر نحو الجهاتِ التي لم أعد أملك شجاعةَ بلوغها.
كانت الدموع أوضحَ من الكلام،
وهي تخرج بلا إذنٍ،
كضوءٍ نافرٍ من نافذةٍ لم تُغلق جيداً،
وتكتب على وجهي
حكايةً تبدأ بنبرةِ ضياع
ولا تنتهي إلا بسؤالٍ يتيم:
كيفَ تحوّلتَ إلى غيمةٍ تمطر في داخلي
ولا تُمطر عليّ؟
أمشي،
وخطواتي تحاول أن تجرّ ما تبقّى مني،
كأنني مدينةٌ انطفأت أنوارُها
وبقيت طرقاتُها تتقيّأ الغبار.
في كل منعطف
أجد وجهاً يشبهك،
فأخطئ الاتجاه
وأعود إلى المسافة الحسّاسة
بين الذاكرة والقلب،
حيث لا يكبر شيءٌ
سوى الوجع.
يا أنتِ،
التي رميتِ بي إلى منتصف الليل
وتركتِ في يديّ رمادَك فقط،
هل تعلمين أنّه كلما حاولتُ نسيانكِ
تتكاثر داخلي الجروح
كما تتكاثر الأرصفة تحت خطى الغريب؟
وأنني أفتح نافذتي كي أراكِ،
فإذا بالريح وحدها تدخل
وتعيد ترتيب حطامي
بحنانٍ موجع؟
الدمعُ
ليس ماءً يسيل،
بل خطٌّ نحتيّ
ينحت الوجهَ
كما تنحت الخسارةُ الأيام.
وها أنا أقرأ وجهي في المرآة
كخريطةٍ عتيقة،
أقيس فيها المسافات التي خسرتُها،
والمدنَ التي أغلقت أبوابها،
والذكرياتِ التي ماتت وهي واقفة،
والأحلامَ التي ما زالت تُلوّح
من شرفةٍ تهدّم نصفُ أعمدتها.
أجلس إلى ظلي،
نسأل بعضنا عن النهار
الذي لم يحن بعد،
وعن دفءٍ كان يأتي من كلماتٍ بسيطة
أصبحَ الآن أبعدَ
من فكرةِ النجاة.
أحياناً أظنّ أن الدمع
هو اللغة الوحيدة التي ما زلتُ أُجيدها،
وأن صمتي
هو البابُ الأخير الذي لم أغادره.
كلُّ الطرق تؤدي إلى غيابك،
وكلُّ الغياب
يُفضي إلى دمعٍ جديد
يتعلّم شكلَك من ذاكرةٍ متعبة.
إنني لا أبكيك إلا لأنني
ما زلت أحفظ ملامحَك
في الجزء الأكثر هشاشةً من روحي،
ذلك الجزءُ
الذي ينهار ببطءٍ
كلما حاولت أن أكتب شيئاً لا يشبهك.
ها أنا أختم الليل
بنشيجٍ خافت،
وأرسم على الورق
خطّاً آخر
من خرائط الدمع،
علّني أجد بين التعرّجات
اتجاهاً يقودني إلى نفسي،
أو باباً
يُفلت من قبضته وجعي،
أو ظلّاً أخيراً
لا يشبهك…
ولا يرحل.
