الأحد ٢٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم محمود سلامة الهايشة

دروب الصمت.. حين تتكلم الروح بلغة الطبيعة

في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتطاردنا فيه ضوضاء الحياة من كل اتجاه، يصبح الصمت رفاهيةً نادرة، وربما ضرورةً لاستعادة ما تبقّى في أرواحنا من هدوء. لكن الصمت الذي نحتاج إليه ليس صمت العجز أو الانسحاب، بل ذلك الذي يفتح نوافذ الروح على الجمال، ويمنحنا فرصةً للإصغاء إلى أنفسنا بعيدًا عن صخب العالم. ومن هذه المساحة الوجدانية تنطلق الكاتبة بثينة عبد الفتاح في قصتها «دروب الصمت»، المنشورة بجريدة «صوت الوفد»، العدد 1001، سبتمبر 2026، ص 12.

منذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام مفارقة تستحق التأمل؛ فالدروب توحي بالحركة والبحث والانتقال، بينما يوحي الصمت بالسكون والهدوء. وبين الحركة والسكون تتشكل رحلة الإنسان نحو ذاته، كأن الوصول إلى أعماق النفس لا يحتاج دائمًا إلى خطوات واسعة، بل قد يبدأ بلحظة تأمل صادقة، أو نظرة عابرة إلى قطرة ندى، أو إصغاء إلى تغريد طائر في صباح هادئ.

في هذا النص، لا تبدو الطبيعة مجرد خلفية للأحداث، وإنما تتحول إلى كائن حي يشارك الإنسان مشاعره، ويمنحه ما يعجز العالم الصاخب عن تقديمه. فالمطر والنجوم والأشجار والجبال والشاطئ ليست عناصر وصفية فحسب، بل مرايا تعكس تقلبات النفس، وتستدعي الذكريات، وتوقظ الإحساس بالجمال. وحين تقول الراوية: «فمن ورق الشجر أصنع سعادتي»، فإنها تختصر فلسفة القصة في عبارة بسيطة؛ فالسعادة ليست دائمًا في امتلاك الأشياء الكبيرة، وإنما في القدرة على اكتشاف المعنى الجميل داخل التفاصيل الصغيرة.

ولعل أجمل ما في «دروب الصمت» أن الصمت لا يظل حبيس العزلة الفردية، بل يتحول إلى لغة مشتركة بين الأرواح. تقول الراوية: «يسود الصمت، وتتوقف لغة الكلام؛ لتظل لغة مشتركة بيننا». هنا تتجاوز الكاتبة حدود التعبير اللفظي، لتلمح إلى أن بعض المشاعر لا تحتاج إلى شروح طويلة، وأن التفاهم الحقيقي قد يولد في لحظة سكون، حين يصبح الحضور أبلغ من الكلام، ويغدو الإحساس جسرًا يصل بين قلبين.

لكن الطبيعة، في هذه الرحلة، لا تمحو الذاكرة، ولا تلغي ما تركته الأيام من آثار. فالماضي يظل حاضرًا في الوجدان، يحمل لحظات مضت وأشخاصًا رحلوا وأحلامًا تغيرت ملامحها. وحين تستعيد الراوية ذكرياتها وتقر بأن الراحل في الحياة لن يعود، يطل الحزن من بين الصور المضيئة، ليمنح التجربة صدقها الإنساني. فليس التأمل إنكارًا للألم، بل محاولة لفهمه والتعايش معه، وليس البحث عن الجمال هروبًا من الواقع، بل وسيلة لاستعادة القدرة على مواصلة الطريق.

وتكتب بثينة عبد الفتاح بلغة تميل إلى الشعرية، تستدعي الألوان والأصوات والروائح، وتمنح المشهد الطبيعي طاقةً وجدانية واضحة. غير أن هذا الثراء التصويري يضع النص أمام تحدٍّ فني؛ فحين تتوالى الصور وتتشابه العبارات التي تصف السعادة والعشق والسكينة، قد يتراجع إيقاع الحكاية لصالح التدفق التأملي. وكان من الممكن أن يزداد النص تأثيرًا لو تركت الكاتبة لبعض الصور والمواقف مساحةً أوسع لتكشف عن المشاعر دون التصريح بها، ولو منحت التحولات النفسية للشخصية تجسيدًا سرديًّا أكثر وضوحًا.

ومع ذلك، فإن قيمة القصة لا تتوقف عند حدود بنائها الفني، بل تمتد إلى فكرتها الإنسانية؛ فهي تذكرنا بأن الإنسان، مهما انشغل بتفاصيل يومه، يحتاج إلى أن يتوقف قليلًا، وأن يعيد النظر في علاقته بالعالم، وأن يتعلم رؤية ما اعتاد المرور بجواره دون انتباه. كم من لحظة جمال أضعناها لأننا كنا مشغولين بالوصول إلى مكان آخر؟ وكم من مشاعر صادقة عجزنا عن سماعها لأن ضجيج الحياة كان أعلى من أصوات قلوبنا؟

إن «دروب الصمت» ليست دعوة إلى مغادرة الحياة، بل إلى العودة إليها بوعي أكثر صفاءً. إنها محاولة للعثور على مساحة داخلية نستعيد فيها توازننا، ونتصالح مع ذاكرتنا، ونفهم أن الجمال لا يغيّر العالم بالضرورة، لكنه قد يغيّر الطريقة التي نراه بها.

وهكذا تتركنا بثينة عبد الفتاح أمام سؤال ثقافي وإنساني يتجاوز حدود القصة: هل نحتاج حقًّا إلى المزيد من الكلام، أم أننا بحاجة إلى أن نتعلم الإصغاء؟ ربما لا تكون النجاة دائمًا في أن نرفع أصواتنا، بل في أن نمنح أرواحنا فرصةً كي تتكلم بلغتها الخاصة.

ففي بعض الدروب، لا تقودنا الخطوات إلى الخارج، وإنما تعيدنا إلى أنفسنا؛ وهناك، في هدوء الروح، نكتشف أن الصمت ليس غيابًا للحياة، بل وجهٌ آخر من وجوه حضورها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى