ذاكرة الرحيل
إياك وأن تجعل قلبك مرتعا لكل من تقرب منك، فمن هناك هبت الريح على المارين من ذاك الجحيم، واستحالوا رمادا سفته الرياح على إيقاع أمواج المحيط أو خرير شلالات الأطلس، عوذ نفسك بتراتيل من حولك، وثبت صور طلعتهم أمامك...كي تغلق الأبواب وتسد الثغور.فإن عجزت عن ذلك فأحرص على أن تجعل من فؤادك حجرا صلدا لا يلين أو يستلين ..لا تؤخذ منه حاجة أو تسبل منه عبرة، فإن أولى العبرات قد تغرقك بفيضان قل نظيره، وأول انكسار له قد يكسر حياتك للأبد،وأنت وأنت فمن القلوب من انقلب ثوبا تجلى عنه بصمات من أخطئوا بحقه بمد من ماء .ومن القلوب من هو حجر لا يمسك بصمات المخطئين حبرا وإنما ينقشها نقشا لا تجليه الرياح والأمطار وكل أنواع الحث،فانظر أينك من هاذين واحذر أن تكون الأول كما تحذر أن تكون الثاني..
تعلم أن تنسى كل أوجاعك بطرفة عين وأن تندمل جراحك قبل أن يجف دمها وأن يموت قلبك قبل أن تطرقه بلية العاشقين وأن تضرب صفحا عن كل ما مضى فلا تاتي بذكر الذكرى إلا للذكرى.
أخطر ما في الأمر أن نقدم يوما على تصفح الذاكرة دون مداعبة للحاضر ورجوع به القهقرى شيئا فشيئا،دون ذلك... نكون كمن يفتح بابه على مصراعيه لإعصار في أقصى درجاته طمعا في هبوب نسيم عليل على البيت،فيصير البيت وصاحبه قشة في بؤرة الإعصار دون حول للرجوع للخلف ولا أمل في إنقاذ شيء ما.
وأخطر أن تحاول الكتابة طلبا للشفاء من مرض الذكرى والتذكر، والتأمل في كل لحظة تباعا حتى تأخذك الغصة على مرأى ومسمع من الكل الذين لن يحتاجوا لأكثر من كلمة كي يمارسوا دور الغراق، لن تعدو كونها "مجنون"أو "مدمن" ...وكلاهما قد يكون صحيحا، إلا أن أحدهما بالضرورة ة هو كذلك.
نعم قد يعبرون البحر إلى غير رجعة فذاك كل الممكن ولكن أن تعبر بحر الذكريات إلى ضفة أخرى تعف عن ذكراك فذاك المستحيل بعينه إذ ما هلك الناس إلا بالتذكر وكلما زاد التذكر إيغالا في الزمن كلما كان هلاكهم أقرب إلى الحقيقة من الهلاك الذي يتصورونه كي تزيد لذة الألم السادية المستقرة في أعماقهم.
أخرى بدون صراخ ستسبل منك عبرات الدم اليانع، بكل وحشية تعبر صحراء همومك فترويها بمزيد من الهموم، فما مر بها من مياه عذبة عنت عن أن تفجي كربتها وتجعل من وحشتها أنسا،وما ذنب المياه والصحراء خلقت لتكون مكانا موحشا مقفرا إلا من ضباع تنتظر أول فرصة لتنقض على بعضها وتطمس كل فطرها،ما ذنبها إن كان الصبار خلق ليحاط بأشواك غليظة، لا تدمي الجسم فقط وإنما تكون قد أعطبته حينما يعتقد أنها أخطاء حياة سرعان ما تنسى، ما ذنبها إن كان الصل المنتصب هناك قد تعلم فنون خداع القبرة أبا عن جد. ورغم ذلك قالوا: لم تخل الصحراء من واحات صغيرة..... لعلهم كانوا يقصدون السراب الذي يتلألأ كما عادته لا يفتر مع القرون والسنين.
أن تنظر إلى دمعات الصغار وهم يصادفون اوجاعهم الأولى وتحطم إراداتهم وتصوراتهم لأشياء عديدة على مقدة الواقع الميتم للعباد والبلاد وتجثو لتبعثر عبراتك فوق أرض لا تدري أهي أرضك أم لا.....
تنظر في الأفق بعيدا وتتساءل ترى ماذا يخبئ لي الزمن، تحاول أن تكون متفائلا على غير عادتك، أن تتخلص من الهموم التي تركها لك الأصدقاء والصديقات بعدما تخلصن منها بعد ساعة بكاء بحضنك لتبقى لك الأوجاع وتبقى لهم الراحة الدائمة ولسوف يعودون كلما امتلأ جرابهم بهموم أخرى ليزيدوك موتا فوق موت ومخزونا لا ينضب لتباريح الوجع والألم، تظن أنك من فهم الحياة جيدا وأنك تستطيع أن تنقل رؤياك لهم ولهن ليكونوا نسخا أخرى، فيحدث أن تصبح أنت نسخا متعددة لألامهم في ذاتك الواحدة وعناوين أخرى لوحدتهم وقلة حيلتهم،وكأنك بذلك تطبق مقولة جدي "نريد أن نستريح بهم فاستراحوا بنا" ويقصد هنا الأبناء الذين بنوا راحتهم على راحة الأباء في الزمن الذي ينبغي أن يبنوا راحة ابائهم على حساب راحتهم...
إلى أين ذاهب أنت .... إلى النار المستعرة تنوي التمرغ فيها لعلها تطفئ بشدتها لهيبك.... لا تتطاول كثيرا فالرؤية محجوبة واللون الأحمر قد علا كل شيء.
ستكون هنا قبل أي زمن أخر ،تحكي حكايتك من جديد ولكن هذه المرة ليس للعائدين من الجحيم وإنما لقاصديه بعدما يئست من جدوائية الأولى وعزوف كل العائدين عن سماع ألم هم في أمس الحاجة لنسيانه....
حقا سأغنى حين ينامون لحن الموت والشوق والحنين إلى كل شيء مات بالماضي غصبا عني بزاوية أخرى من زوايا الذاكرة التي أنكرتها الذات مع مرور الزمن، مستعينة بساديتها في النسيان على ذلك،نعم وكيف لا أغني لحن الشوق لتفاصيل سنوات مضت وكأنها ما كانت أو وكأنها ما مضت، فلما أستيقظ الوعي بالسرقة الحثيثة التي احترفها القدر على حساب حياتنا عكفت الدموع تفكر كيف تكفكف نفسها وما السبيل إلى منع هذا السارق بالتقسيط من التهامنا لقمة لقمة دون أن ينجدنا أحد وإن استنجدنا، وكثر إسبال الدمعات وما ظهر في الأفق من أمل في الضرب على يد الظالم سوى تكرار الدوران بعالم الوهم دون حقيقة فقد أقسمت أن الحقيقة واحدة لا تختلف ولا وجه لها إلا وجه واحد قبل أن أعجز عن أن أفرق بين أوجهها المشتتة هنا وهناك الأصلية منها والمشوهة والمزورة ..... أبدا لن تستطيع فلا تجرب ... ولن تكون فلا تولد ولا تسبب فلا وجود لنتيجة بعالم الوهم.
أخاف أن أنام وكأن نومي هو من يعطي الشرعية لصبح جديد أن يشرق، وكأنه نذير دمار بأن الغد سيأتي وبأنني قد أفقد لحظاته للأبد.
ونمت على وسادتي وأعيني تذرف دمعا لا ينقطع على ذكرى لن تنقطع وذات أو قل ذوات رحلت وأخذتني معها دون أن أشعر واستبدلتني بأخر أكمل المشوار كلاعبي القوى الأولمبية وبكل ما أوتي من قوة حاول أن يندمج مرة أخرى في السباق الذي فر منه سلفه فما أستطاع ...وهو الذي لا يعرف أن سلفه قد قطع كل خيط قد يوصله للمستقبل وأن كل الأوراق التي يمتلك ليلعب بها لا تعدو كونها أوراق الماضي بتجلياته المأساوية فقط، حتى تلك السعيدة تحولت بقدرة إجرامية إلى ذكريات تقتل صاحبها عمدا ودون أدنى شفقة أو رحمة.
