الجمعة ٢٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم نهلة راحيل

سرد النكبة وذاكرة اللجوء

سرد النكبة وذاكرة اللجوء

سُبل الحفاظ على الهوية الفلسطينية

في نماذج من الرواية العربيةما بين (1969- 2017)

تقديم:

تؤدي الكتابات الأدبية دورا مهما وفعّالا في تقويض النصوص المرجعية ونقد خطابها الرسمي بهدف إعادة صياغة المعارف الثابتة وتشكيل وعي جديد بالحقائق الراسخة يختلف عمّا هو مطروح عنها من قبل المتن الثقافي المهيمن. ومن ثم، تسهم النصوص الإبداعية، بشكل لا يقل أهمية عن النصوص التاريخية، في تقديم تفسير نقدي يكشف عن الحقائق التاريخية والسياقات الثقافية التي امتصتها تلك النصوص الأدبية، وأعادت سردها في شكل تخييلي يتيح استعادة الهويات الأصلية عبر الكتابة.

ومما لا شك فيه أن أحداث النكبة الفلسطينية قد أحدثت تغيرا حاسما في تاريخ فلسطين والمنطقة العربية بأسرها، فشكّل عام 1948 تاريخا مفصليّا سرد المؤرخون والمبدعون على السواء أحداثه وتبعاته، وسجلوا في كتاباتهم ما تعرض له الشعب الفلسطيني من انتهاك وإقصاء وتهميش عقب هذا التاريخ، ليتقاطع بذلك الأدب والتاريخ في رصد الانتهاكات الوحشية التي مارستها قوات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، وفي مقاومة سياسات التغييب التي تتبعها الرواية الصهيونية لإخفاء إبادته. فإذا كان التاريخ يهتم بتوثيق الحقائق في صورتها الواقعية، فإن الأدب يهتم بإعادة سردها للكشف عما قد يغفله التاريخ.

ولذلك تعد الإبداعات الأدبية آلية من آليات الحفاظ على الهوية الفلسطينية وحمايتها من خطر التغييب الصهيوني والذوبان في بلدان الشتات، وذلك عبر رواية أحداث النكبة ونقلها إلى الأجيال التي لم تعاصرها، وتجسيد ذاكرة اللجوء وعذابات الفلسطينيين سواء في منفاهم القسري أو داخل وطنهم المحتل؛ فجوهر القضية الفلسطينية لم يعد سياسيا أو عسكريا فقط، بل يمكن القول إن العنصر الثقافي هو ما يؤدي الدور الأهم في تعزيز سردية النكبة وتوثيق مراحلها على مدار الأجيال، فالمستقبل- لا الماضي وحده- هو الرِهان الأهم في الحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني وتعزيز انتمائه.

من هذا المنطلق، تنوعت كتابات الأدباء ما بين الرواية والرواية القصيرة ورواية الأجيال وغيرها من أشكال إبداعية اتخذها مؤلفوها وسيلة للتعبير عن حكاية الوجع الفلسطيني الممتد وحلم العودة إلى الوطن؛ فنسجوا بأقلامهم مدونات أدبية استثنائية تمزج الواقعي بالمتخيل، وتضفر التاريخي بالسردي، وتجمع الثقافي بالإنساني، لإنتاج ملحمة فلسطينية تطرح تفاصيل النكبة وما ترتب عليها من تهجير قسري وانتهاك صهيوني، وتعزز الرواية المقاومِة التي تفسح المجال لأصوات الضحايا الفلسطينيين وتؤكد حق تمكنيهم من الوطن وتحقيق العودة إليه، لتصبح تلك النصوص إحدى سبل الرد بالكتابة وإعادة كشف حقيقة التاريخ الذي زيفه الاحتلال الصهيوني.

تتناول هذه الدراسة بالتحليل الثقافي مفهوم النكبة وتداعيات اللجوء كما جسدته بعض الروايات العربية، وتسلط الضوء على دور الرواية في حفظ الهوية باعتبارها مستودعا للذاكرة الفلسطينية وحاميا لتراثها الوطني على مدار الأجيال. وترتكز على تفنيد جدلية الوطن والمنفى وآثارها على الذاكرة الجمعية الفلسطينية. فتقوم على رصد تمثلات القضية الفلسطينية وكشف انعكاساتها في بعض الروايات التي اهتمّ مؤلفوها بمعالجة واقع النكبة وما يتعلق بها من موضوعات، كالشتات الفلسطيني وأزمة اللجوء وسبل حماية الهوية وتأكيد حق العودة ومأساة فلسطيني الداخل. ولتحقيق ذلك تم التركيز على بعض النماذج الأدبية لبعض المبدعين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين ممن اهتموا بتجسيد النكبة بمستوياتها المتباينة عبر أعمالهم، وهي: "عائد إلى حيفا" للفسلطيني غسان كنفاني، و"الطنطورية" للمصرية رضوى عاشور، و"مصائر:
كونشرتو الهولوكوست والنكبة" للفلسطيني ربعي المدهون، و"على عهدة حنظلة" للكويتي إسماعيل فهد إسماعيل.
وقد اعتمدت الدراسة على منهج النقد الثقافي بوصفه منهجا يتيح للدارس معالجة النص الأدبي تحت مظلة واسعة تضم عدة اتجاهات نقدية كالتاريخي والاجتماعي والنفسي واللساني والسوسيولوجي والنسوي وما بعد الكولونيالي، ويعينه، بالتالي، على كشف الأنساق المضمرة داخل النص الأدبي بوصفه حادثة ثقافية، قبل أن يكون قيمة جمالية. ويخدم المنهج الثقافي الدارس لأدبيات النكبة في تفكيك بنية السردية الفلسطينية للنكبة ومتابعة التيمات الأساسية التي تمحورت حولها سردية النكبة وتبعاتها المتغيرة التي تتطور زمانيا ومكانيا في سياقات مختلفة. ولذلك فهو آلية مناسبة لقراءة النص الروائي وتحليله للوقوف على المعاني المباشرة وغير المباشرة باعتبارها انعكاسا لواقع تاريخي/ اجتماعي معين حاول الأدباء تجسيده لإعادة إنتاج المشهد الفلسطيني قبل النكبة وبعدها، وصياغة قيم الصمود والمقاومة في خطاب تخييلي يستحضر التاريخ كأداة لحماية مستقبل الشعب الفلسطيني وذاكرته الجمعية.

ولتحقيق المرجو من الدراسة، تم تقسيمها إلى أربعة أقسام يتناول كل منها نصا روائيا اهتم كاتبه بتوثيق القضية الفلسطينية وإحياء ذاكرة النكبة، كل وفق رؤيته الخاصة وطريقة تعبيره، وقد سبق الأقسام الأربعة تقديم يمهد للدراسة ويقدم منهجها ويعرض أجزاءها، وتلاها خاتمة تتضمن نتائج الدراسة وقائمة بالمصادر والمراجع، كما يلي: أولا: "عائد إلى حيفا" وخيار الكفاح المسلح. ثانيا: "الطنطورية" وتوريث ذاكرة النكبة. ثالثا: "مصائر" والسردية الفلسطينية في المنفى. رابعا: "على عهدة حنظلة" وإحياء الرموز الفلسطينية.

ويرجع السبب وراء اختيار عينة الدراسة إلى كون الإنتاجات الأدبية المدروسة تغطي مراحل زمنية متعددة من تاريخ نكبة فلسطين وتشتت أهلها، كما أن الأدباء المبدعين لتلك الإنتاجات تعكس أعمارهم أجيالا مختلفة عالج كل منها بطريقته الخاصة أسباب الصراع وتداعياته وفق تفسيره للحدث. هذا إلى جانب أن النصوص المختارة كتب بعضها أدباء عرب مبدعون تحملوا مسؤولية توثيق النكبة وعرض نتائجها، ونسج بعضها أدباء فلسطينيون بارزون عاشوا بالداخل أو عانوا الشتات، لتشكل بذلك رؤية شاملة للقضية ترتكز على بحث تحولاتها من جوانب عدة وفي سياقات متباينة.

أولا- "عائد إلى حيفا" وخيار الكفاح المسلح:

إن رواية "عائد إلى حيفا" (1969) للأديب الفلسطيني "غسان كنفاني" (1936- 1972) تعد من أهم السرديات الفلسطينية التي لفتت النظر إلى أهمية تبني خيار المقاومة المسلحة كحل حاسم للقضية الفلسطينية، حيث انتهت الرواية باقتناع بطلها "سعيد" بتبني خيار الكفاح المسلح، وقبول قرار ابنه "خالد" بالانضمام للفدائيين، بعد أن أدرك أن المقاومة هي الطريق الوحيد الذي يمكن عن طريقه استعادة الوطن، وأن ما تبقى للفلسطيني هو التحرك الثوري والابتعاد عن الماضى الذي طالما بكت عليه أجيال سابقة؛ فالرؤية التي تبناها كنفاني في روايته تدعم خيار المقاومة كحل حاسم لا يقبل التفاوض لاستعادة الأرض بالقوة.

وبهذا لم تشكل نهاية الرواية نهاية الحدث أو حل الصراع، إنما أكدت على فكرة التكرار وظلت مفتوحة على احتمالاتٍ عدة لتمنح المتلقي إمكانية أكبر للتأويل وحرية أوسع للتوقع. وربما كان السبب وراء اختيار الشكل المفتوح للنهاية تفاؤل كنفاني بالمستقبل والذي ينبع من إيمانه الشديد بقدرة الشعب الفلسطيني على تجاوز هزيمته. وهنا، وُفق في اختيار عنوانه بصيغة اسم الفاعل- "عائد"- الذي يشكل استباقا يمهد إلى العودة، ليتماشى مدلوله مع النهاية المفتوحة التي صاغها لترمز إلى الاستمرارية والتكرار اللانهائي.

تحكي الرواية قصة زوجين فلسطينيين، (سعيد وصفية)، فقدا رضيعهما أثناء نكبة 1948، في الوقت الذي تتولى تربيته أسرة إسرائيلية مكونة من زوجين، (ميريام وإفرات)، من الناجين من أحداث النازي ببولندا، بعد أن فقدا هما أيضًا ابنهما في تلك الأحداث. وتعيش الأسرة اليهودية بمنزل سعيد وصفية في حيفا بعد أن تجد رضيعهما وتقوم بتربيته ليصبح جنديا في الجيش الإسرائيلي. وبعد مرور عشرين عاما، يقرر الزوجان الفلسطينيان زيارة منزلهما بالحليصة في حيفا ومحاولة معرفة مصير ابنهما (خلدون/ دوف)، فتبدأ المواجهة بين الوالدين الأصليين والأسرة اليهودية داخل البيت.

وقد جاءت معظم أحداث الرواية في شكل حوار دائر بين "سعيد" وزوجته "صفية"، أو بينه وبين ابنه "دوف/ خلدون"، أو بين المرأة اليهودية "ميريام" والزوجين معا؛ ولذلك مثّل المشهد الحواري بالرواية كلها أشد لحظات الحكاية توترًا وأكثرها أهمية في سير الأحداث، وكان له دوره الحاسم في عرض وجهات نظر الشخصيات المختلفة في بعض القضايا المصيرية. وأبرز تلك المشاهد حوار "دوف/ خلدون" مع أبيه "سعيد" حول تركه طفلا رضيعًا واتهامه لأبويه بمسئولية فقدان الوطن وعدم محاولة استعادته والاكتفاء بالتباكي على الماضي دون إدراك سبل الخلاص بالمستقبل.

حيث يعكس الحوار محاسبة النفس العسيرة التي قام بها المجتمع الفلسطيني لنفسه عقب نكبة 1948 واتهام الجيل الجديد لآبائه بالخضوع والعجز، كما يعكس صراع الفلسطينيين واليهود حول أرض واحدة والمتجسد رمزيا في شخصية خلدون/ دوف، ولذلك فإنه يشكل مشهدًا حاسمًا يسهم في تغير مواقف الشخصيات ويعد "تجسيدا لمواجهة جيل فلسطيني كامل بمسئوليته في فقد فلسطين، وبعدم جدوى موقفه المتباكي من هذا الفقد على مدى عشرين سنة كاملة": "كان ما يزال ينظر إلى (دوف) حين قام هذا الآخر فجأة ووقف أمام (سعيد) منتصبا كأنه يتصدر طابورا من الجنود المختبئين، وبذل جهده كي يكون هادئا: -كان يمكن لذلك كله ألا يحدث لو تصرفتم كما يتعين على الرجل المتحضر الواعي أن يتصرف. -كيف؟ -كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا. وإذا لم يكن ذلك ممكنا، فقد كان عليكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلا رضيعا في السرير. وإذا كان هذا أيضا مستحيلا فقد كان عليكم ألا تكفوا عن محاولة العودة... أتقولون إن ذلك أيضا مستحيلا؟ لقد مضت عشرون سنة يا سيدي! عشرون سنة! ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذا...لا تقل لي أنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون! الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.. وقد أمضيت عشرين سنة تبكي... أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه المفلول" .

أما المقاطع السردية الطويلة بالرواية؛ فاختص معظمها بوصف تفاصيل البيت الأصلي بحيفا عند عودة سعيد وصفية إليه عبر حركتهما بالمكان وحالتهما النفسية عند رؤيته ثانية، حيث جسدت تلك المقاطع حالة الفلسطيني العائد إلى منزله بعد أن هجره قسرا ليحتله المعتدي الصهيوني الذي يروج لمقولة "البيت الخالي" الذي سكنه بعد "هروب أصحابه"، وهو ما حاول كنفاني إبراز زيفه عبر تجسيد حالة حنين الزوجين لبيتهما في حيفا، وعن طريق مواجهة "ميريام" بأحقية "صفية" في أمومة "خلدون" وفي امتلاك بيتها: "وبدآ يصعدان، دون أن يترك لنفسه أو لها فرصة النظر إلى الأشياء الصغيرة التي كان يعرف أنها ستخضه وتفقده اتزانه: الجرس، ولاقطة الباب النحاسية، وخربشات أقلام الرصاص على الحائط، وصندوق الكهرباء، والدرجة الرابعة المكسورة من وسطها، وحاجز السلم المقوس الناعم الذي تنزلق عليه الكف، وشبابيك المصطاب ذات الحديد المتصالب، والطابق الأول حيث كان يعيش محجوب السعدي، وحيث كان الباب يظل مواربا دائما، والأطفال يلعبون أمام الدار دائما، ويملأون الدرج صراخا، إلى الباب الخلفي المغلق، المدهون حديثا، والمغلق بإحكام. وضع إصبعه على الدرج وهو يقول بصوت خافت لصفية: «غيّروا الجرس». وسكت قليلا ثم تابع: «والاسم طبعا!»".

وقد أسهب كنفاني في وصف قصة سقوط حيفا وهروب "صفية" من منزلها وتدافعها مع آخرين إلى الميناء، فغطت التفاصيل السردية للواقعة ست صفحات متتالية من الرواية، وصف فيها كنفاني ما حدث في حيفا يوم 21 إبريل 1948، حيث تزامنت الأحداث بين محاولات "سعيد" للعودة إلى بيته بالحليصة وهروب "صفية" إلى الطريق دونما اتجاه بعد أن اشتد القصف على حيفا. ولذلك، فقد شغل هذا المقطع الاسترجاعي حيزًا كبيرًا مهمًا من الرواية، لجأ إليه كنفاني ليجسد للقارئ العربي بوضوح تفاصيل المأساة الفلسطينية التى وقعت مع النكبة وبداية رحلة اللجوء الفلسطيني الطويلة التي تلتها محاولات عديدة متكررة للعودة:

"صباح الأربعاء، 21 نيسان، عام 1948. كانت حيفا مدينة لا تتوقع شيئا، رغم أنها كانت محكومة بتوتر غامض. وفجأة جاء القصف من الشرق، من تلال الكرمل العالية. ومضت قذائف الموتر تطير عبر وسط المدينة لتصب في الأحياء العربية. وانقلبت شوارع حيفا إلى فوضى، واكتسح الرعب المدينة التي أغلقت حوانيتها ونوافذ بيوتها. كان (سعيد.س) في قلب المدينة، حين بدأت أصوات الرصاص والمتفجرات تملأ سماء حيفا، كان قد ظل حتى الظهر غير متوقع أن يكون ذلك هو الهجوم الشامل... كان المساء قد بدأ يخيم على المدينة، ليس يدري كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها، مرتدا من شارع إلى شارع، أما الآن فقد بات واضحا أنهم يدفعونه نحو الميناء... كانت تفكر به، عندما جاءت أصوات الحرب من وسط المدينة حيث تعرف أنه هناك. وكانت تشعر أنها أكثر أمنا فالتزمت البيت فترة، وحين طال غيابه، هرعت إلى الطريق دون أن تدري على وجه التحديد ما الذي كانت تريده... وفجأة نظرت في عينيه... وحولهما مضت سيول البشر تتقاذفهما".

وهنا تبرز السمة التوثيقية التي نحى إليها كنفاني عند سرده للحدث، فرغم أن سرده للأحداث هو نتاج خيال الكاتب وإبداعه الخاص، فإنه يقترب كثيرا من الحقيقة التاريخية ويعكس الواقع بصورة دقيقة، يبرهن على ذلك رواية أحد المؤرخين الجدد لما حدث في حيفا يوم 21 إبريل واليوم التالي: "خلال ليلة 21- 22 إبريل لاذ سكان الأحياء الشرقية بالمدينة بالفرار من بيوتهم، وخاصة سكان الحليصة ووادي رشميا، باتجاه الأحياء المركزية بالمدنية، وكان فرارهم له أثر كبير في نشر مشاعر الذعر والرعب في مركز المدينة. وقد استمر الفرار حتى صباح الثاني والعشرين من إبريل، متزامنا مع إطلاق قذائف الهاوون بشكل عشوائي من قبل قوات الهاجانا وتحت تهديد كتائب المشاة التابعة لها والتي تمكنت من التوغل في قلب المدينة. فاندفع آلاف العرب المذعورين من أحياء المدينة الجنوبية إلى منطقة الميناء التي ظنوا أنها تحت حماية الجيش البريطاني".

ثانيا- "الطنطورية" وتوريث ذاكرة النكبة:

تعدُّ روايةُ "الطنطوريّة" (2010) لصاحبتها الروائيّة المصرية رضوى عاشور (1946- 2011) إحدى أهم السرديّات العربية التي تؤرّخ للنكبة الفلسطينيّة وتوثّق لتفاصيلها. تتناول الرواية قصة المذبحة التي تعرّضت لها قرية الطنطورة، الواقعة على الساحل الفلسطيني جنوب حيفا، على يد القوات الصهيونية عام 1948، من خلال تتبعها لقصة حياة عائلة اقتُلِعت من هذه القرية، وتشتّت أجيالها في لبنان ومصر والإمارات وكندا وغيرها عبر ما يقرب من نصف قرن، وتمزج في سطورها بين الوقائع التاريخية والإبداع الأدبي.

يشير العنوان إلى "رقية" ابنة قرية "الطنطورة" الفلسطينية التي سقطت في يد الاحتلال عام 1948، وهي الرَاوية التي تسرد الأحداث، وتقدم حكايتها وحكاية أهلها وأبنائها وأحفادها، بدايةً من عام 1948، وحتى عام 2000، وتتبع حكاية شتات الأجيال إلى لبنان والإقامة في صيدا ثم بيروت ثم في مدنٍ عربيّةٍ أخرى. فهي رواية أجيال تستخدم منظور المرأة والسرد المستعاد لتحكي لنا قصة أسرة من أربعة أجيال، تبدأ بالجد الكبير "أبو الصادق" الذي قتله الصهاينة بعد وقوعه في الأسر عقب اجتياح الطنطورة عام 1948، وصولًا إلى الحفيدة "رقية" ابنة "حسن" المولودة في اللد عام 2000، على بُعد كيلومترات من الطنطورة.

تعلن "الطنطورية" عن قضيتها المركزية من خلال انطلاق السرد بها من زمن النكبة، وما نتج عنه من أزمنةٍ مختلفةٍ ترتبط بتشتت أبناء الشعب الفلسطيني وتوزّعهم عبر المنافي القسريّة؛ حيت امتدَّ زمن الحرب ليلاحق الفلسطينيين في المنفى بدايةً من أحداث التهجير عن الوطن، مرورًا بانتقال المقاومة الفلسطينيّة إلى لبنان، ووصولا لانتصارٍ استثنائيٍّ بتحرير الجنوب اللبناني.

ومما لا شك فيه أن مذبحة الطنطورة (23 مايو 1948)، والتي تعد نقطة انطلاق الأحداث في النص، قد حظيت بوصف تفصيلي حرصت الأديبة من خلاله على إبراز وحشية تلك المجزرة وما أدت إليه من قتل وتشتيت، وكذلك الأثر الكبير الذي تركته على القرى المجاورة حيث مهدت لتهجير الأهالي منها، فتحكي "رقية": "ساقونا إلى الشاطئ. قسمونا إلى مجموعتين. الرجال في ناحية والنساء والأطفال وبعض المسنين من الرجال في ناحية. أول مرة أرى نساء يرتدين ملابس عكسرية ويحملن السلاح. كلمننا بالعربية ورحن يفتشننا واحدة بعد الأخرى ويأخذن ما يجدنه معنا من مال أو حلي، يضعنه في خوذة... حشرونا في شاحنتين وبدأت الشاحنتان في التحرك... كانت النساء تولول والأطفال يبكون مفزوعين من نحيب أمهاتهم، والرجال المسنون تجمدوا كالأصنام".

قامت الرواية في بنيتها الرئيسية على إبراز تلقي الأجيال الفلسطينية لمفهوم النكبة وتداعياته، بدءا بجيل الآباء الذين عاصروا الأحداث، مرورًا بالأبناء الذين شكلوا حلقة وسطى بين الماضي الصادم والمستقبل المأمول، وانتهاء بالأحفاد الذين باعدت بينهم وبين الأحداث فترة زمنية طويلة، حيث حاولت الكاتبة الوقوف على مخزون الذاكرة الجمعية لأحداث النكبة لدى الأجيال، والتي قد تتراجع أو تضعف بفعل النسيان، أو بفعل سياسة التهويد التي يهدف من خلالها العدو إلى طمس ملامح الهوية الفلسطينية مراهنًا على قوته الحالية.

لذلك حرص الأجداد على نقل التاريخ لأحفادهم في محاولة لتشكيل وعيهم بالأحداث التي غابت عنهم في الشتات، فنجد الجد يضيف أسماء القرى الفلطسينية التي دمرتها قوات الاحتلال إلى الخريطة التي يرسمها لحفيده "حسن" في محاولة لاستعادة هذه الأمكنة التي اختفت فعليا بسبب الهدم أو رمزيا بفعل النسيان: "نسيت هذه القرى من جبل عامل، هذه قرى لبنانية استولى عليها اليهود منذ الهدنة في 48: المطلة وإبل القمح، الذوق الفوقا والذوق التحتا والمنصورة. يعين موقع كل قرية بدائرة صغيرة حمراء... يضع دائرة حمراء كبيرة حول المالكية. ثم يتجه بيده إلى يسار الصفحة وقبل أن يصل إلى أزرق البحر، يتوقف: وهنا كفر برعم والنبي روبين وطوبيخا. يعود يحدق إلى الخريطة ويقول: أين الشجرة؟... عارف عمك ناجي العلي اللي من عين الحلوة؟ أصله من الشجرة، وفي الشجرة استشهد عبد الرحيم محمود".

تأخذنا الرواية إلى اكتشاف الجيل التالي للنكبة لأنفسهم من خلال وعي "رقية" بضرورة توثيق الذاكرة الفلسطينية، وإصرارها على مواصلة كتابة حكايتها لتحافظ عليها من النسيان وتضعها في مركز الوعي لدى أبناء الجيل التالي، حتى يتمكن الابن- ومن بعده الحفيد- أن يتصور النكبة ويشكل في ذاكرته الصور التي تمكّنه من إدراك الأحداث الدامية التي عاشها آباؤه وأجداده. ولذلك تحرص "رقية" على تويثق أحداث المجازر الخاصة بالفلسطينيين داخل الوطن وفي الشتات ونقلها للأجيال الجديدة من خلال الرواية الشفهية بوصفها إحدى القنوات المركزية التي يجرى من خلالها انتقال الذاكرة بين أجيال اللاجئين الفلسطينيين.

أما جيل الأحفاد، الذي أدرك أن الشتات أمر واقع يعيشونه عليهم أن يبدأوا منه شق طريقهم في الحياة، فنجد تطورا ملحوظا في مواقف أبنائه وأساليبهم في المقاومة؛ حيث شهد هذا الجيل اندفاعا ملحوظا نحو التعليم سبيلا جديدا للمقاومة، رافقه تحولا في سبل الحفاظ على الهوية الفلسطينية أثناء الترحال، فنجد بعضهم يخصص جزءا من أمواله لمساعدة أبناء المخيمات وضمان تعليمهم ومستقبلهم العملي (صادق)، والبعض الآخر ينضم للعمل الحقوقي ويسعى لرفع قضايا أمام المحاكم الدولية على قادة السلطة الإسرائيلية المشاركين في جرائم ضد الفلسطينيين (عبد)، وبعضهم يفطن إلى أهمية تدوين الرواية التاريخية وتوثيق الذاكرة الفلسطينية حفاظا عليها من النسيان (حسن).

وهنا نلحظ بروز المرأة في الرواية بوصفها صاحبة الدور الأبرز في مسار الأحداث، حيث اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها على لسان الذات الأنثوية الساردة التي تحكي بضمير الاعتراف/ المتكلم، فيأتي الحكي على لسانها ومن زاوية رؤيتها هي للأحداث، لتنقل لنا "رقية" حكاية العائلة الفلسطينية التي خسرت أرضها وتشتت في أنحاء متفرقة، فيتجلى الجانب النفسي للمؤلفة التي عايشت التجربة الفلسطينية عن كثب نتيجة زواجها من فلسطيني مغترب، لتكون جزءا لا يتجزأ من نسيج تلك التجربة وتفاصيلها اليومية، فأصبحت زاوية رؤيتها مكافئة لرؤية بطلتها/ رَاويتها منذ اللحظة الأولى لانطلاق السرد.

ثالثا- "مصائر" والسردية الفلسطينية في المنفى:

تحكي رواية "مصائر، كونشرتو الهولوكوست والنكبة" (2015) للروائي الفلسطيني "ربعي المدهون"(1945- )- في أربعة "حركات" متتالية- مأساة الشتات الفلسطيني واغتراب أجيال عديدة من الفلسطينيين خارج الوطن وداخله، وتطرح أسئلة عديدة حول النكبة والهولوكوست وحق العودة عبر مسار شخصياتها التي تواجه كل منها ثنائيات مختلفة داخل حركات الرواية: التهجير والعودة، الهجرة والبقاء، التذكر والنسيان، الهوية والأسرلة، لتعبر عن مأساة ضياع الوطن وشعور الفلسطينيين، بالداخل أو في بلدان الشتات، بوطأة الاحتلال الإسرائيلي.

وتدور أحداث الرواية في ست مدن فلسطينية (عكا، ويافا، وحيفا، والمجدل عسقلان، والقدس، واللد)، وفي مدينة أوروبية (لندن)، وأخرى أمريكية (واشنطن)، وثالثة كندية (مونتريال). وتنطلق زمنيا من نهاية زيارة الزوجين الفلسطينيين "وليد وجولي" إلى فلسطين في الحركة الأولى، ثم تأتي الحركات التالية لتستعيد ما تم خلال تسعة أيام من زيارتهما التي تتم يومها العاشر يوم وصولهما إلى لندن.

وقد بنى المدهون روايته في قالب الكونشرتو الموسيقي المكوّن من أربع حركات تشغل كل منها حكاية تنهض على بطلين اثنين، يتحركان في فضائهما الخاص، قبل أن يتحولا إلى شخصيتين ثانويتين في الحركة التالية، حين يظهر بطلان رئيسان آخران لحكاية أخرى. هكذا نمضي مع الحركة الثالثة، وحين نصل إلى الحركة الرابعة والأخيرة، تبدأ الحكايات الأربعة في التكامل، وتتوالف شخصياتها وأحداثها ومكوناتها الأخرى، وتكون تيمات العمل التي حكمت كل واحدة من الحكايات، قد التقت حول أسئلة الرواية بشأن: النكبة، والهولوكست، والعودة.

وقد أعلن الكاتب المقصدية الدلالية للعمل في تقديمه للرواية بقوله: "هذه رواية عن فلسطينيين بقوا في وطنهم بعد حرب 1948، وأصبحوا بحكم واقع جديد نشأ، مواطنين في دولة إسرائيل ويحملون "جنسيتها"، في عملية ظلم تاريخية نتج عنها "انتماء" مزدوج، غريب ومتناقض لا مثيل له. وهي رواية عن آخرين أيضا هاجروا تحت وطأة الحرب ويحاولون العودة بطرق فردية" ، حيث قرأتْ الرواية مصائر الفلسطينيين عقب النكبة ومأساة من بقي منهم في الوطن ومعاناة من اضطر منهم إلى الرحيل عنه بعيدا عن المعالجات التقليدية السائدة. ولعل ما يميزها هو الطرح المغاير الذي جسّد الكاتب عن طريقه مصائر شخصياته في سرد روائي يواجه "النكبة" "بالهولوكوست" بداية من استحضاره لهما بالعنوان؛ حيث أكدت رؤيته ارتباط المصيرين معا على أرض الواقع وضرورة "أن تواجه كل جماعة منهما تجربتها في ضوء تجربة الآخر، لتعترف الجماعة الأقوى (اليهود) بالذاكرة الأكثر قوة (الفلسطينية)، وليعي الطرف الأضعف واقع اليهود الإسرائليين الذي يرون أنفسهم الناجين من الهولوكوست".

وهو ما يؤكده حوار "وليد دهمان"- بطل الرواية- مع سيدة يهودية أوروبية أثناء زيارته لمتحف "يد فاشيم" بالقدس: "لكن هذه المرأة التي حدثتني للتو عن دولة الجميع والحقوق المتساوية، لم يرقها التحدث عن قرية دير ياسين، وبدت وكأنها لم تسمع بها. ألأنها من جيل يبدأ تاريخ البلاد بالنسبة له، بإعلان قيام دولة إسرائيل في 15 مايو (أيار) 1948، ذكرى النكبة الفلسطينية، ويعتبر ما قبل ذلك التاريخ فراغًا، أو "ثقب أسود" ابتلع كل ما كان. التفتُ إلى تالا، وقلتُ: ياسيدتي، إن لم تفهمي ما جرى في دير ياسين وتحفظي درسه جيدا، لن يفهم الآخرون ما جرى لأولئك الضحايا في يد فشم".

وفي زيارته للمتحف تستوقفه "قاعة الأسماء" التي تضم صورًا لضحايا أحداث النازي وتأريخا لمقتلهم، فيتخيل ضحايا الجانب الآخر/ الفلسطيني، ويوضح أن اليهود من ضحايا النازية يقومون بممارسات أكثر نازية من تلك التي اقتُرفت بحق بعض منهم، ويرتكبون جرائم وحشية يومية ضد الفلسطينيين، ليُخلّفون كثيرا من النكبات المروعة والمآسي المستمرة بحق الشعب الفلسطيني: "في تلك اللحظة أطلت عليّ وجوه آلاف الفلسطينيين الذين عرفت بعضهم ولم أعرف الكثيرين منهم. كانوا يتزاحمون كمن يرغبون في النزول إلى قاعات المتحف والتوزع عليها، واحتلال أماكنهم كضحايا. حزنت على من هم منا ومن هم منهم، وبكيت على أولئك المتزاحمين في السماء يبحثون عن مكان يلم أسماءهم. أفقت من غيبوبتي في السماء. وهمست لي كمن يعاتبني أو يعاقبني: في هذا المتحف الذي تزوره يا وليد، باسم كل اسم فيه، يُقتل منكم اسم، وأحيانا أسماء. ولكي لا تتكرر محرقة النازية لليهود، يشعل الإسرائيليون باسم ضحاياها، محارق كثيرة في بلادنا قد تصبح في النهاية محرقة".

ومن هذا المنطلق، يضع الكاتب "الهولوكوست" أمام "النكبة" بمفهوم يبرز رؤيته التي يريد أن يمررها للآخر/ الإسرائيلي، بأن عليه ألا يغيّب زمن النكبة وألا يستغل ما أصابه من كارثة لتبرير ممارساته الوحشية ضد الجانب الفلسطيني؛ فحمل الخطاب الروائي هنا رؤية فكرية ذات خصوصية مفادها أن مشاركة الشعب الحقيقي للبلاد في نكبته والاعتراف بها، هي الشرط الأول للوقوف على كنه استمرار الصراع وصعوبه حله، في صيغة توضح أنه طالما لا يوجد مكان في ذاكرة اليهودي للألم الفلسطيني، فلا مكان في الذاكرة الفلسطينية لـ"هولوكوست" ليست مسئولة عنه. فالرواية، كما أوضح، "تناقش الحدثين، من منطلقات إنسانية بحتة، مستندة إلى خطاب يكشف، بوضوح لا لبس فيه ولا التباس وبجرأة ضرورية، تفهمْ الفلسطيني لعذابات اليهود، وتأكيده في الوقت عينه أن الهولوكست ليست شأنا يخصّ الفلسطينيين، وأن مسؤوليته تقع على أوروبا الغربية ككل، والولايات المتحدة الأمريكية التي أغلقت أبوابها في وجه اليهود وحولتهم، وبقية دول أوروبا، إلى فلسطين دعما للمشروع الاستعماري الصهيوني. فالهولوكوست جريمة ارتكبتها ألمانيا النازية لا الفلسطينيون، وبالتالي، على الإسرائيليين الكفّ عن اضطهاد ضحاياهم من الفلسطينيين باسم ضحايا الهولوكوست".

ويمثل "وليد دهمان" بالرواية شخصية الفلسطيني الذي ظل الوطن عالقا في ذاكرته رغم منفاه، وظل ارتباطه بما وقع في الماضي قويا وإن حاول الانخراط في حياته الجديدة الحالية، مما يبرز الخصوصية الزمكانية بالرواية، والتي تتشكل نتيجة جدل مستمر لشبكة من العلاقات الثنائية بين عالمين وزمانين، فالابتعاد عن الوطن وشعور الشخصيات بالانفصال عن زمكانها الأصلي كان له أثره في استمرار تأرجح الشخصيات بين ماضي النكبة وحاضر المنفى، ومحاولة إيجاد صلة ما تربطهما معا بحثا عن التوازن المفقود. بينما يمثل "محمود دهمان"- أو باقي هناك كما كانوا يلقّبونه بالرواية- شخصية الفلسطيني الذي رفض الهجرة عقب النكبة، وحاول أن يبقى داخل الوطن رغم الظروف القاسية التي يعيشها تحت وطأة الاحتلال، فيتماس مع متشائل إميل حبيبي ولكنه متشائل آخر يعود من جديد متخذا اسما آخر- "باقي هناك"- ومعبرا عن صيغة فكرية جديدة تجسد وجهة نظر الكاتب عن الواقع الجديد داخل فلسطين ووضع لاجئيها.

وهنا يتضح لنا أن الإحساس بالغربة، خارج الوطن أو داخله، يرافقه صراع شديد داخل النفس الإنسانية قد يفضي إلى حالة من الاغتراب. وهو ما يكشف عنه المدهون في ثنائية مقارنة بين فلسطيني 48 وفلسطيني الشتات، عبر مسار الصديقين الفلسطينيين "جميل حمدان" و"وليد دهمان": "ولد هو هناك في فلسطين، وبقى هناك... وولدت أنا هناك أيضا، لكني لم أبق هناك... هكذا تعرفت على جميل، فلسطينيا في إسرائيل، نصف مواطن في ديمقراطية لا تخصّه ولا تلتفت إليه إلا في المناسبات الانتخابية. وتعرف هو عليّ، فلسطينيا مهجّرا في بلاد الله الواسعة".

وهكذا تركت النكبة، واضطرار الشخصيات ترك وطنها الأصلي بحثا عن الاستقرار أو اضطرارها العيش داخله تمسكا بالبقاء، أثرا واضحا في صياغة مواقفها ضمن ثنائية تضم صراعا مستمرا بين الماضي بمعاناته الراسخة في الذاكرة، والحاضر بإخفاقاته المتكررة في التكيف مع الواقع الجديد، ولذلك فإن الماضي في الرواية يفيض على الحاضر، ولا يقف عند حدود الذاكرة فقط، بل يتجسد على هيئة أفعال وعلاقات تشي برغبة حامليه في محاولة حل أزمة هويتهم الذاتية وحماية ذاكرتهم الجمعية عن الوطن الفلسطيني الذي تتغير معالمه تدريجيا رغما عنهم.

رابعا- "على عهدة حنظلة" وإحياء الرموز الفلسطينية:

تندرج رواية "على عهدة حنظلة" (2017) للكاتب الكويتي "إسماعيل فهد إسماعيل"(1940- 2017) ضمن النوع الأدبي المعروف بالسيرة الغيرية، وفيها يؤرخ الكاتب لسيرة حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف "ناجي العلي" الذي أُغتيل في لندن عام 1987، ويستحضر شخصيته الكاريكاتيرية الشهيرة "حنظلة"، ذلك الكائن الافتراضي الذي يحاور مبتكره فيسترجع معه تفاصيل الماضي بداية من قرية الشجرة ومخيم عين الحلوة وحتى وصوله إلى الكويت ثم لندن، ويحكي له عن زائريه الحاضرين بالمشفى اللندني الذي يرقد داخله، في محاولة لحثّه على الإفاقة من غيبوبته واسترداد الوعي.

هذه الحوارات، التي تقوم عليها بنية الرواية، تكشف للقارئ محطات من تاريخ حياة ناجي العلي وقصة اغتياله، مثلما تضيء له- في الوقت ذاته- جوانب عديدة من القضية الفلسطينية ومشكلات الترحيل والشتات واللجوء والمقاومة وغيرها من قضايا ارتبطت بواقع فلسطينيّ الداخل والخارج منذ نكبة 1948؛ حيث استطاع الكاتب، عبر استحضار شخصيات مرجعية عديدة تربطها علاقات صداقة مع الفنان ناجي العلي، أن يمزج بين الهم الفلسطيني العام والأزمة الخاصة للشخصية المُتحدث عنها.

فيشكل الكاتب ظاهرة روائية خاصة لإخلاصه الفريد للقضية الفلسطينية في عددٍ كبير من رواياته؛ وذلك لاحتكاكه المباشر بتحولات القضية الفلسطينية في أكثر من قطر عربي أقام فيه، وملازمته لعدد من الشخصيات الفلسطينية البارزة، الأمر الذي جعله متبنيًا للقضية، لا على المستوى الشخصي فحسب، ولكن على المستوى الفني كذلك. يُضاف إلى ذلك أن الكويت مثلّت منذ المرحلة القومية حتى ما قبل الغزو العراقي وجهة جاذبة للفلسطينيين شكلوا فيها ثالث أكبر جالية في الشتات الفلسطيني، كما شكّل وجودهم هناك عنصرا ثريا في المشهد الكويتي، خصوصًا مع إقامة شخصيات فلسطينية ثقافية بارزة شاركت في تشكيل نسيجها الثقافي والفكري والعكس، أبرزها: ناجي العلي وغسان كنفاني.

ترتكز بنية الرواية على الأحداث الواقعية التي تم سردها وقت الغيبوبة لتحيل إلى قصة حياة ناجي العلي منذ تهجيره من قريته الشجرة إلى مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان وحتى انتقاله إلى الكويت وواقعة اغتياله في لندن، كما تقوم على استدعاء عددٍ من الشخصيات الأدبية الفلسطينية، سواء باسمها أو بنصها، بما تحمله من دلالات متعددة وطاقات إيحائية، فكان إحياء تلك الرموز الثرية بمثابة أداة تقنيّة يوظفها الكاتب في روايته كي يحفظ تاريخ الأمة الفلسطينية حاضرا، ويحمي مقومات هويتها دون الحاجة إلى ترديد شعارات أو تكرار إدانات.

فيستقي تجربة "محمود درويش" عبر استدعاء أجزاء من مقاله-"ناجي العلي خبزنا اليومي" المنشور في مجلة "أدب ونقد" عدد فبراير 1984- وذلك بداية من عتبة التصدير بالرواية، مرورا بفواصل تفرق بين فصولها الثمانية، ووصولا لنهاية الرواية. ورغم أن تلك المقولات كانت بمثابة فواصل للرواية، فإنها في الحقيقة تعد روابط مهمة تصل موضوع النص بهدف كاتبه؛ ألا وهو الإبقاء على الهوية الفلسطينية حاضرة- دون بكائيات أو مرثيات- عبر نجاحات أبنائها شعراء وروائيين ورسامين ومفكرين واجهوا بأقلامهم أسلحة العدو ومثلوا خطرا يهدد وجوده: "أن تكتب 400 كلمة عن ناجي العلي معناه أن تكونه.. تكون هذا السر الذي يفضح نفسه يومياً ويبقى سراً.. وحده يستطيع أن يقطر، فيدمّر ويفجّر.. لا يشبه أحدا، لكنه يشبه قلوب الملايين، لأنه بسيط ومعجزة كرغيف خبز لا أستطيع أن ألتقطه كما يلتقطني.. ما أفعله الآن هو النظر إلى ملامح وجهي في حبره الأسود الرخيص، إنه مفجع وسهل كنهار جميل يشهد مذبحة (محمود درويش)”.

أما حضور "إميل حبيبي" إلى المتن الحكائي فلم يكن فقط باستدعاء نصوصه الشهيرة، "المتشائل" أو "سرايا بنت الغول"، بل امتدّ إلى حضوره نصيا بنفسه وحديثه إلى ناجي العلي وحكاياته عن صداقتهما الوطيدة ولقاءاتهما المتعددة معا في ركن منزو في مقهى فندق فيتوشا بصوفيا في بلغاريا، حيث يُبلّغ حبيبي ناجي العلي رأي فلسطيني الداخل فيه وانبهارهم برسوماته وقوة تأثيرها في كل من المحتل الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت ينتقد ممارسات بعض قادتها: "ناسنا في الداخل يعدونك قديساً مجنوناً. لم تجادله في توصيفه، أنصتّ له. كثيراً ما تساءلت وأنا أتابع رسوماتك.. من أين يأتي هذا المجرم المتهور أحيانا بأفكاره المذهلة. لم تستوضحه لماذا مجرم أو متهور. استطرد. أتخيلك وأنت تواجه ورقك الأبيض تنظر في البعيد لدقائق معدودة، فإن خذلتك مخيلتك، دسست يدك في جيبك وطلعت بفكرة غريبة لا تخطر ببال أحد".

ونجد "غسان كنفاني" حاضرا عبر استعارة حادثة اغتياله ببيروت داخل سيارة مفخخة مع ابنة أخته عام 1972، ومقارنتها بحادثة اغتيال ناجي العلي بلندن على يد مجهول رميا بالرصاص في عام 1987؛ حيث تثار الشكوك حول منفذ الاغتيال في المرتين: "مسألة تنفيذ الجريمة في وضح شارع لندني... تتداول احتمالاتك معك، لا تستبعد أن تكون الموساد وراء العملية، تتريث قليلا عند الفكرة، يحضرك فهم شاعرك توفيق زياد. الإسرائيليون لا يهدفون لخلق أبطال ملحميين من بين الفلسطينيين. قالها في سياق حديث عن اغتيال غسان كنفاني".

وكان المسرحي السوري "سعد الله ونوس" من الشخصيات التي احتلت مساحة نصية كبيرة بالرواية، حيث اهتمّ الكاتب بإلقاء الضوء على علاقته الوطيدة بناجي العلي وإعجابه بأيقونته الكاريكاتيرية "حنظلة" ودورها في إيقاظ الضمير العربي كله، مما دفعه إلى كتابة نص مسرحي يتخذ من شخصية "حنظلة" بطلا له، وهو "رحلة حنظلة- من الغفلة إلى اليقظة" (1978). وقد عُرضت المسرحية على خشبة المسرح في بيروت ثم في الكويت، قبل أن تتوالى عروضها على يد مخرجين متعددين في مصر والأردن واليمن والعراق والإمارات والمغرب، كل وفق رؤيته لشخصية حنظلة وفهمه لرسالة ونوس: "لابد أن سعد الله ونوس يجبر ممثله الذي يمنحه اسمي على مواجهة جمهور المتفرجين. قلت له. ذلك أمر حتمي. أضفت. ليس بمقدور ممثل رئيسي أن يؤدي دوره كاملا موليا ظهره للجمهور. على أن لا يكون انتهاكا لخصوصية الرمز".

وهكذا، أدرك الكاتب أهمية إحياء الروافد الفكرية والأدبية التي أثْرت المشهد الفلسطيني في كافة مستوياته، لتصوير ما حلّ بفلسطين وأهلها من ويلات ونكبات، ولشحن الفلسطينيين بطاقات حيوية تجعلهم يفتخرون برموزهم الحية رغم مساعي تغييبها من قبل الكيان الصهيوني؛ فكان استدعاء تلك الرموز الفلسطينية نصيا أداة طيّعة وظفها الكاتب في روايته كمصدر للمقاومة وحماية الهوية وإعادة نبض الحياة إلى الأمة الفلسطينية في منفاها، هذا إلى جانب القيمة التوثيقية التي يكتسبها النص بحضور تلك الشخصيات.

خاتمة:

جسدت الروايات العربية واقع النكبة الفلسطينية وحياة اللاجئيين المعذبين في المنفى، كما عكست- عبر تضفير التاريخ الحقيقي بالمتخيل السردي- جوانب المأساة الفلسطينية والسبل التي انتهجها الفلسطينيون، بالداخل وفي الشتات، للحفاظ على هويتهم الوطنية وحماية ذاكرتهم الجمعية. وقد شكلّت ذاكرة اللجوء، وما تستدعيه من مفاهيم، كهاجس الهوية وحق العودة وتاريخ النكبة، عماد السرد في أدبيات القضية الفلسطينينة، سواء تلك المكتوبة بأيدي أصحاب القضية نفسها أو تلك المكتوبة بأقلام عربية داعمة لها؛ حيث تمثل القضية الفلسطينية ومأساة شعبها رافدا تاريخيا مهما نهل منه المؤلفون العرب عموما صورا تعبيرية تجسد رؤيتهم للحق الفلسطيني وسبل الحفاظ عليه.

من هنا جاء أثر النكبة واضحا في الخطاب الروائي العربي الذي حاول نصرة الشعب الفلسطيني عبر روايات متنوعة تسعى إلى استحضار ماضي النكبة واستقراء تداعياتها في الحاضر، من أجل دعم الصمود الفلسطيني وتعزيز حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم. وقد تنوعت أساليب الأدباء وطرائق سردهم لتاريخ القضية وتحولاتها، فمنهم من عالجها في روايات أجيال توثيقية ومنهم من استحضرها في نص روائي طويل أو آخر قصير، ومنهم من وثقّها في سير ذاتية أو أخرى غيرية، وغيرها من أجناس أدبية اشتغل عليها روائيون فلسطينيون بارزون مثل: غسان كنفاني وربعي المدهون وغيرهما، وآخرون مناصرون للقضية من خارج فلسطين مثل: رضورى عاشور وإسماعيل فهد إسماعيل وغيرهما.

ومع اختلاف المساحات النصية المتاحة لفعل التخييل، تتنوع مقاربات الكتّاب للقضية عموما؛ إذ تتراوح بين الحث على المقاومة والتأكيد على ضرورة الكفاح المسلح، وبين إدانة أوضاع فلسطيني الداخل وتمثيل معاناة اللاجئين في دول الشتات. كما تتجلى تلك المقاربات في الالتزام بتوريث الحكاية للأجيال الجديدة وتوثيق أحداث التنكيل التى وقعت منذ عام 1948، إلى جانب إحياء الرموز الفلسطينية، الأدبية والتاريخية، والتي تشكل بذاتها سلاحا رمزيا في مواجهة المعتدي وشاهدا على صلابة الهوية.

هوامش الدراسة:

1- رضوى عاشور: الطريق إلى الخيمة الأخرى، دراسة في أعمال غسان كنفاني، دار الآداب، بيروت، ط2، 1981، ص 139
2- غسان كنفاني: عائد إلى حيفا، منشورات الرمال، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية، قبرص، طبعة 2013، ص 73- 73
3-السابق، ص 27
4-السابق، ص 11، ص 14- 15، ص 17- 18- 19
5- Benny Morris: The Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited, Cambridge University Press, UK, Second edition, 2004, p. 190
6-رضوى عاشور: الطنطورية، دار الشروق، القاهرة، ط 2، 2011، ص 60- 62
7-السابق، ص 120- 121
8-ربعي المدهون: مصائر- كونشرتو الهولوكوست والنكبة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط5، 2016، ص 7
9-إدوارد سعيد: التلفيق، الذاكر والمكان، ت: رشاد عبد القادر، مجلة الكرمل، العدد 70/ 71، شتاء- ربيع 2002، ص 107
10- ربعي المدهون: مصائر، ص 244
11-السابق، ص 240
12-السيد حسين: ربعي المدهون، "مصائر كونشرتو الهولوكست والنكبة" تعكس الواقع الفلسطيني، حوار مع الكاتب، جريدة الجريدة، 22 مارس 2016
13-ربعي المدهون: مصائر، ص 186
14-منى بنت حبراس السليمية: فلسطين في الرواية العربية (2-2)، منصة تكوين الكويتية، 27/07/2021، https://takweenkw.com/blog/8190/single

15-إسماعيل فهد إسماعيل: على عهدة حنظلة، دار العين للنشر، القاهرة، 2017، ص 8
16-السابق، ص 50
17-السابق، ص 70
18-السابق، ص 143

قائمة المصادر والمراجع:

أولا- المصادر:

– إسماعيل فهد إسماعيل: على عهدة حنظلة، دار العين للنشر، القاهرة، 2017.
– ربعي المدهون: مصائر- كونشرتو الهولوكوست والنكبة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط5، 2016.
– رضوى عاشور: الطنطورية، دار الشروق، القاهرة، ط 2، 2011. -غسان كنفاني: عائد إلى حيفا، منشورات الرمال، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية، قبرص، طبعة 2013.

ثانيا- المراجع:

– العربية/
– إبراهيم حمادة: معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، دار المعارف، القاهرة، 1985.
– إدوارد سعيد: التلفيق، الذاكر والمكان، ت: رشاد عبد القادر، مجلة الكرمل، العدد 70/ 71، شتاء- ربيع 2002.
– رضوى عاشور: الطريق إلى الخيمة الأخرى، دراسة في أعمال غسان كنفاني، دار الآداب، بيروت، ط2، 1981.
– السيد حسين: ربعي المدهون، "مصائر- كونشرتو الهولوكست والنكبة" تعكس الواقع الفلسطيني، حوار مع الكاتب، جريدة الجريدة، 22 مارس 2016.
– منى بنت حبراس السليمية: فلسطين في الرواية العربية (2-2)، منصة تكوين الكويتية، 27/07/2021، https://takweenkw.com/blog/8190/single
– الأجنبية/
– Benny Morris: The Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited, Cambridge University Press, UK, Second edition, 2004.
– Edward w. Said: the question of Palestine, vintage books, the United States of America, second edition, 1992.
-Edward w. Said: reflictions on exile, and other essays, Harvard university press, the United States of America, 2000.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى