الأربعاء ١٥ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح الانتظار أسلوب حياة

لماذا يؤجل الإنسان أن يعيش؟

منذ أن وعى الإنسان مستقبله، ارتبطت حياته بفكرة الانتظار. فالطفل ينتظر أن يكبر، والطالب ينتظر التخرج، والخريج ينتظر الوظيفة، والموظف ينتظر الترقية، والشاب ينتظر الزواج، ثم ينتظر الاستقرار، ثم ينتظر التقاعد، حتى يبدو وكأن الحياة سلسلة طويلة من المحطات التي لا يبدأ عندها العيش إلا بعد الوصول إلى المحطة التالية. وقد يبدو هذا الانتظار طبيعيًا في ظاهره، لأنه يعكس طموح الإنسان ورغبته في تحسين حياته، غير أن المفارقة التي تستحق التأمل هي أن كثيرًا من الناس يقضون أعمارهم في الاستعداد للحياة أكثر مما يقضونها في عيشها.

فالإنسان بطبيعته يميل إلى الاعتقاد بأن السعادة تقف دائمًا في مكان آخر. فهو يتصور أن راحته الحقيقية ستأتي عندما تتحسن ظروفه، أو يزداد دخله، أو يحقق هدفًا معينًا، أو يتخلص من مشكلة تؤرقه. ومن هنا، يتحول الحاضر إلى مجرد مرحلة مؤقتة يجب تجاوزها، بينما يظل المستقبل هو الموعد المؤجل لكل ما هو جميل.

ولعل أكثر ما يميز هذه الحالة أن الإنسان لا يشعر بها في بدايتها. فهو يظن أنه يؤجل المتعة اليوم من أجل حياة أفضل غدًا، وأن ما يفعله نوع من الحكمة والتخطيط. لكن السنوات تمضي، وتتغير الأهداف، ويبقى المنطق نفسه حاضرًا. فما إن يحقق هدفًا كان ينتظره، حتى يظهر هدف آخر، وتتأجل الحياة مرة أخرى إلى موعد جديد.

وقد ساهم العصر الحديث في ترسيخ هذا الشعور بصورة غير مسبوقة. فوسائل الإعلام والمنصات الرقمية تعرض باستمرار صورًا لحياة تبدو أكثر نجاحًا وسعادة، فينشأ لدى الإنسان إحساس دائم بأن ما يعيشه الآن ليس كافيًا، وأن عليه أن يحقق المزيد قبل أن يسمح لنفسه بالرضا. وهكذا، تتحول المقارنة إلى عادة، ويصبح المستقبل مشروعًا مفتوحًا لا يبلغ نهايته أبدًا.

ومن المفارقات اللافتة أن الإنسان قد ينجح في تحقيق معظم ما حلم به، لكنه لا يتوقف ليتأمل ما وصل إليه. فالعين التي اعتادت النظر إلى الأمام تفقد قدرتها على رؤية ما أصبح بين يديها. ولهذا، فإن كثيرًا من الإنجازات لا تمنح أصحابها الشعور المتوقع بالسعادة، لأنهم يكونون قد بدأوا بالفعل في انتظار الإنجاز التالي.

ولا يعني ذلك أن الطموح مشكلة، أو أن التخطيط للمستقبل أمر غير مطلوب، فالحضارة الإنسانية قامت على أحلام من أرادوا غدًا أفضل. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول المستقبل إلى المكان الوحيد الذي يسمح الإنسان لنفسه فيه بأن يكون سعيدًا. فعندها، يصبح الحاضر مجرد وسيلة، لا قيمة له في ذاته، وتفقد اللحظة الراهنة معناها.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو أن المستقبل لا يُبنى على حساب الحاضر، بل من داخله. فالأيام التي ننتظر انتهاءها هي نفسها التي تُكوّن أعمارنا، واللحظات التي نؤجل الاستمتاع بها لن تعود مرة أخرى مهما تحسنت الظروف. فالعيش لا يبدأ بعد الوصول، وإنما يبدأ في الطريق إليه.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: كم مرة وعد الإنسان نفسه بأنه سيبدأ الحياة عندما تتحقق أمنية معينة؟ وكم أمنية تحققت بالفعل، بينما ظل موعد الحياة مؤجلًا إلى أجل آخر؟ فربما لا يكون أخطر ما يفعله الانتظار أنه يؤخر أحلامنا، بل أنه قد يؤجل حياتنا نفسها حتى تنقضي دون أن نشعر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى