شعرائيل
في يوم 25/6/2021 قررتُ أن أنهمكَ يومياً في البحثِ والعثورَ على نصٍ جديدٍ ونشره في موقعي الخاص في فيسبوك، وبدأت يوم 26/6/2021 بذلك وكان النص رقم 170 النص الأخير للنصوص اليومية تلك. غير أنني لم أستطع البحث والعثور على نصٍ جديدٍ سوى يومين، وكان ذلك في اليوم التاسع والعاشر من شهر تشرين الثاني. وكنتُ وقتها مريضاً وتم نقلي إلى المستشفى وأجريتْ لي عملية القسطرة والشبكة والبالون.
وقد كتبتُ في فترة مئة وواحد وسبعين يوماً، مئةٍ وواحد وسبعين نصاً، وبذلك قمتُ بتحدي هؤلاء الذين يعتقدونَ بأن الشعرَ إلهامٌ ينزلُ على الشاعرِ من مكانٍ مجهولٍ، وكأنهم يريدونَ القول بأن الشاعرَ هو نوعٌ من الرسل خلاف إرادتهِ ويُملى عليه الصفحات من سلطةٍ مطلقةٍ. يعتقد هؤلاء إن جبرائيل هو (شعرائيل) وهو الرسول ويكون عملُ الشاعر إستلام وكتابة الرسالة المرسلة ليس إلاّ.
إني أرى أن عملية كتابة الشعر عكسُ ذلك تماماً. كلاّ، إن الشاعر لا ينتظرُ أبداً قدومَ الرسولِ، بل هو من يقوم بالبحث والإستكشاف والعثور على النصوص هنا وهناك. إنني أعتقدُ إن كلَّ نصٍ شعريٍ وجِدَ وموجودٌ منذُ الأزلِ، لكن على الشاعر أن يبحثَ رويداً رويداً كالمُنّقّبِ عن الآثار، ليجد تلك النصوص ويقوم بتنظيفها ومن ثمّ صياغتها وفقَ اللغة المعاصرة وعرضها في متحف الشعر.
إني أعتقد أن صناعة الشعر، بقدر ما هي عملية البحث والاكتشاف، لن ترقى إلى نصف ذلك من الكتابة والإبداع. على الشاعر أن يكون مُقتَفياً ليقتفيَ آثار خطى الشعر وتتبعهِا حتى يُلقي القَبضَ عليه. كلُّ ما يحيطُ بالشاعرِ عبارة عن شعرٍ، لكن الشعرَ يحتاجُ إلى عيونٍ خاصةٍ لكي ترى الشعرَ والعثورُ عليهِ والإمساكَ به ومن ثمّ عرضه.
إني عثرتُ على تلك القصائد تحتَ أرجلِ النّملِ وفي أوتارِ حناجر الصراصيرِ وعيون الجِمال وأجنحةِ الأحصنةِ وحُلمةِ النهودِ ونور القمر وهسیس الأوراق ومطرقة العاملِ ومنجل الفلاح وقطراتِ المطر وجري السلوقي وطيرانِ الفراشة والورود المرمية فوق المزابل وفي فناجين القهوة وإبطِ المرأة وشخیر الغابات ونباح الكلاب ونقیق الضفادع وخَلوة الشيخوخة وروضة الأطفال ودم الشهداء وعربة بائع اللّفت وتفاح الأرض (البطاطة) وبكاء الماء وضحكة الرمان وزناد البنادق ولهيب النار وهديل الحمام وتبول السحب والأوراق المتساقطة وعَدْوِ الريح وهطول الأمطار ودثار الثلج وآثار الحِجل وكفّ المتسول.. ولم أرَ أی رسولٍ.. ولم ألتقي ولو للحظة واحدة بـ (شعرائيل).
وكما في العملية الحميمية، يكون الجسد هو المركز ولن يكون للروح أي حضورٍ، تكون عملية الشعر هو البحث والاستكشاف، ولا وجود للإلهامِ بتاتاً.
حینما یتمتع الشاعر بتجربة طویلة ويعتاد على القراءة، وقتها تصبح صناعة الشعر لديه نوعاً من المهنية ويكون الشاعر نوعاً من المهنيين. إن من ينتظرون الإلهام فهم يعيشون في وهم وفي تلك الكتابات التي يكتبونها باسم الشعر، نجدهم كحلاوةٍ تذوب في (فيه) القاريء بعد لحظات ولن يبقَ أثرٌ لها على عين، إن تلك الكتابات تحمل أكفانها معها.
مقدمة ديوان (دورة ٌ لتـعليــمِ البُــكـــــاء، قوبادي جليزادة، ترجمة: مكرم رشيد الطالباني)
